-
ميّة الرحبي.. الجمهورية .نت
-
-
-
تمت الانتخابات البرلمانية بموجب الإعلان الدستوري الانتقالي الذي أُقِرَّ بعد سقوط نظام الأسد، والذي نصّ على انتخاب مجلس شعب جديد، تستمر ولايته 30 شهراً، قابلة للتجديد.
وقد صدر عن رئاسة الجمهورية المرسوم رقم 143 الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب بتاريخ 20/8/2025، والذي حدد آليات العملية الانتخابية التي يُمكن تلخيصها بما يلي:
– عدد أعضاء مجلس الشعب 210، يُنتخَب الثلثان منهم وفق النظام الانتخابي، ويُعيَّن الثلث الباقي من قبل رئيس الجمهورية.
– يُعيِّنُ الرئيس أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، التي تُعيِّن اللجان الفرعية في المحافظات، والتي بدورها تختار الهيئات الناخبة، التي يُحصر ضمنها الترشح وانتخاب أعضاء مجلس الشعب، مع وجود مفاهيم فضفاضة وتهم جاهزة يمكن أن تُلصَق بأيٍّ كان لاستبعاده من التعيين في اللجان الانتخابية، وبالتالي من إمكان اختياره لعضوية مجلس الشعب.
ونصت المادة 24 من النظام الانتخابي على أن يُرَاعى – ما أمكن – في اختيار أعضاء الهيئة النّاخبة أن تكون نسبة الكفاءات 70 بالمئة، ونسبة الأعيان 30 بالمئة. وتمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن عشرين بالمئة من عموم الهيئاتِ الناخبة. وكما هو معلوم، فالمرأة مُستبعدَة من نسبة 30 بالمئة المُخصّصة للأعيان، والذين هم حكماً من الرجال.
شهدت المرحلة الأولى من العملية الانتخابية (التي استثنت محافظات الرقة والحسكة والسويداء لأسباب أمنية) منافسة بين 1578 مرشحاً في خمسين دائرة انتخابية على 119 مقعداً من أصل 210.
أصدرت «اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب» في سوريا القرار رقم (79) لعام 2025 المتضمن فوز 119 عضواً بعد استبعاد 3 محافظات، هي الرقة والحسكة والسويداء، من التمثيل لأسباب «أمنية»، والتي كان من المفروض أن يشغل ممثلوها 21 مقعداً.
لم تَفُز في الجولة الأولى من الانتخابات سوى 6 نساء، أي أقل من 6 بالمئة تقريباً من مجموع الفائزين (119)، مع ملاحظة عدم فوز أي مُرشَّحة في المدينتين الأكبر، أي العاصمة دمشق وحلب. ثم أجريت لاحقاً انتخابات في محافظة الرقة فاز فيها 4 رجال، دون وجود امرأة واحدة بينهم. ومن ثم في الحسكة والقامشلي والمالكية فازت امرأة واحدة بمقعد من أصل 9 مقاعد، وفاز بمقعدَي عين العرب (كوباني) التابعة لمحافظة حلب رجلان اثنان.
أي أن المجموع الكلي للأعضاء الفائزين بعضوية مجلس الشعب عن طريق الهيئات الانتخابية كان 134، بينهم 7 نساء بنسبة قدرها 6 بالمئة تقريباً.
أخيراً، وبعد انتظار طويل صدر في الأول من تموز (يوليو) الجاري المرسوم الرئاسي رقم 43 لعام 2026 بتسمية أعضاء مجلس الشعب، بمن فيهم الثلث التكميلي الذي عُيِّنَ من قبل رئيس الجمهورية بناء على قانون الانتخاب المؤقت. وضمَّ المرسوم أسماء 136 شخصاً فازوا بعضوية مجلس الشعب عن طريق اللجان الانتخابية، بينهم 7 نساء، والثلث المكمل المؤلف من 70 اسماً بينهم 15 امرأة. أي إن النسبة الكلية لتمثيل النساء في مجلس الشعب بلغت حوالي 11 بالمئة، وهذا يجعل سوريا ضمن الدول العشر في العالم التي تسجل أدنى نسب تمثيل للمرأة في البرلمان وهي لم تصل حتى إلى النسبة التي اقترحها القانون الانتخابي أي 20 بالمئة.
والأكثر إثارة للقلق هو ما صرَّحَ به رئيس «اللجنة العليا للانتخابات» محمد طه الأحمد، في المؤتمر الصحفي الذي عُقد بمناسبة إعلان النتائج، عندما قال إن المجلس الجديد سيضطلع بمهمة تشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد، في ظلِّ غياب أي ضمانات لكوتا نسائية فاعلة، ما يُهدِّد بإقصاء قضايا النساء من الدستور الدائم.
تكشف نتائج انتخابات مجلس الشعب المؤقت عن أزمة أعمق من مجرد ضعف تمثيل النساء؛ فهي تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، والعقلية والآليات التي تُدير بها السلطة الحالية تلك المرحلة. فقد اتسمت هذه المرحلة بانعدام الثقة، ومركزية القرار، وضعف تمثيل التنوع السوري، إلى جانب رؤية مُحافِظة لدور المرأة انعكست بوضوح في محدودية حضورها في مواقع صنع القرار.
كما أن آلية الانتخابات نفسها لم تكن تنافسية بالمعنى الحقيقي، إذ جرت عبر هيئات ناخبة مُعيَّنة سلفاً، غلبَ عليها توجّه سياسي وفكري واحد، الأمر الذي جعل فُرَص النساء وأطياف عديدة من الشعب السوري في الوصول إلى المجلس محدودة منذ البداية.
بالمقابل، لا يمكن إعفاء المعارضة السياسية السورية والحركة النسوية من مسؤولية جزئية عن هذه النتيجة. فقد فشلت المعارضة السياسية طوال سنوات في بناء إطار سياسي جامع يحظى بثقة السوريين، بينما بقي تأثير الحركة النسوية محدوداً داخل المجتمع، نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية، أبرزها العمل ضمن دوائر ضيّقة، والانقسامات بين المنظمات، والقيود الأمنية والسياسية في مختلف المناطق السورية، إضافة إلى سياسات التمويل الدولي التي عزّزت التنافس بين المنظمات أكثر مما دعمت بناء حركة نسوية موحدة ومستدامة.
لم تكن النساء السوريات مجرد ضحايا في سنوات القمع والاستبداد، بل كُنَّ شريكات وفاعلات سياسيات ومجتمعيات، واجهنَ السلطات المستبدة بكل شجاعة، وشاركن في مشاريع الإغاثة والتمكين والتوثيق، وتحمَّلنَ أقسى الظروف من تهجير وقصف وحصار، وحافظنَ على أُسرهنَّ والنسيج الاجتماعي، وتحوّلت الكثيرات منهنَّ إلى معيلات لأسرهن، لذا فإن استبعادهنَّ من عملية إعادة بناء البلد سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً، يبدو غير منطقي ولا يتناسب مع وجودهن العددي، ولا مع وجودهن الفاعل في كافة مناحي الحياة.
ولكن ما العمل في ظلِّ هذه الظروف التي تضيق يوماً بعد يوم على جميع آمالنا وطموحاتنا التي ناضلنا من أجلها سنوات طويلة في مواجهة نظام الاستبداد؟
نحن كنسويات ومدافعات عن حقوق النساء لا نؤمن بالعنف وسيلة لتحقيق الأهداف التي تخدم الإنسان وحرياته وحقوقه، بل نؤمن بالعمل السلمي المدني طويل الأمد، والذي يتجلى حالياً في آليات تعزيز السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية، والضغط من أجل الإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية بمشاركة نسائية فاعلة في جميع لجانها، وتغيير الرأي العام بما يتعلق بالصورة النمطية عن النساء، والمطالبة بكوتا لا تقل عن 30 بالمئة باعتبارها الحد الأدنى لضمان تأثير حقيقي، إضافة إلى توحيد جهود المنظمات النسوية والحقوقية وبناء قاعدة شعبية أوسع للدفاع عن المشاركة المتساوية.
من الواضح أن هذه الانتخابات مؤشرٌ على اضطراب المرحلة التي يعيشها السوريون أكثر من كونها تعبيراً عن خياراتهم، لكنها في الوقت نفسه تُقدِّم درساً ينبغي البناء عليه في سبيل الوصول إلى دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وتضمنُ مشاركة جميع السوريات والسوريين في صُنع مستقبل بلادهم.
-