-
موريس عايق… الجمهورية .نت
-
-
1. هناك جماعة مُستثناة بشكل واضح من هذه الفكرة الوطنية ولن أتطرق لها، وهي الجماعة الكردية. فالكُرد كانوا خارج أي تصور للوطنية السورية أو العراقية بشكل تام، ليس فقط بسبب غلبة القومية العربية على هاتين الفكرتين وحسب. إنما لأن المسالة الكردية مسألة خارجية بشكل جذري بالنسبة لسكان بلاد الشام والعراق، فلا ذاكرة مشتركة تجمعهم بهم، والمسألة الكردية كانت مسالة طرفية تماماً لهؤلاء العرب، ولم تظهر إلا على أثر تقسيمات وحركات ديمغرافية شديدة الغرابة والإجحاف تجاه الكُرد بشكل خاص. فلم تظهر دولة كردية، عدا فاصل قصير جداً مثلته جمهورية مهاباد، وقُمعت الانتفاضات الكردية ووجد الكُرد أنفسهم في سوريا والعراق في مواقع هامشية من جميع النواحي – الاجتماعية والسياسية والديمغرافية والحضرية – ليبقوا زمناً طويلاً خارج المجال الذي تحركت داخله الفكرة الوطنية السورية والعراقية. لهذا لن أتطرق للمسالة الكردية بوصفها مسألة تخص الوطنية في المشرق. أعتقد أنه لا يمكن التعاطي مع الحالة الكردية إلا بوصفها مُستعمَرة تسعى إلى تحقيق استقلالها الذاتي، وليس عبر إدراجها في النقاشات التي تخصُّ عرب المشرق الذين نتناولهم هنا.2.كان المشروع السوري القومي لأنطون سعادة من الناحية النظرية إحدى اللحظات النادرة لموقف جذري فيما يتعلق بالعلمنة وتصور هوية قومية تتجاوز الهويات الأهلية، وطبعاً من الناحية العملية كان الحزب في النهاية أقرب إلى تعبير سياسي عن المسيحية الأرثوذكسية. ومن ناحية أخرى كان هناك أيضاً تعبير لبناني أكثر جذرية في موضوع لبنان بوصفه وطناً قومياً للموارنة والمسيحيين، عبَّرَ عنه مبكراً إميل إده الذي دعا إلى إعادة رسم حدود لبنان وتبادل سكان مع سوريا لضبط الديمغرافية اللبنانية باعتبار لبنان وطناً مسيحياً. غير أن هذين المشروعين بقيا هامشيين، ولم تُقيَّض لهما الهيمنة سياسياً.
-
تقترحُ هذه الورقةُ النظرَ إلى الأحداث الحالية، منذ سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 حتى سقوط النظام البعثي في سوريا، بوصفها الفصل الأخير من مشروع «الدولة الوطنية في المشرق» الذي بدأ عملياً مع الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، ليكون ما يجري الآن إسدالاً للستار على هذا المشروع.
الدولة الوطنية
يتطلب هذا أولاً توضيحَ ما نعنيه بالدولة الوطنية في سياق هذا المقال، خاصة أن مفهوم الوطنية في المشرق ليس واضحاً في ذاته، إذ من غير الممكن إعطاؤها محتوىً محدداً وتقييدها به، مثل القومية العربية أو الوطنية المحصورة بالحدود الإقليمية للدولة، ذلك أننا نتحدثُ عن دول ظهرت لاحقاً إلى الوجود ولم تستقرَّ خرائطها حتى أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين، ودون رضا غالبية سكانها ودون أن تتوافق هذه الخرائط مع طموحات القوى السياسية للجماعات التي سعت إلى تحقيق نفسها في دول قومية. إن الربط بين الدولة الوطنية والفكرة الوطنية، وتَصوُّرَ علاقة إحالة بين الفكرة الوطنية والدولة، لم يحصل يوماً في حياة هذه الكيانات. حتى إنّ مفهومَ «الدولة القطرية» عربيٌ محض، لا يُمكن العثور عليه في اللغات الأخرى والفكر السياسي غير العربي، وهو يُعبِّر بشكل دقيق جداً عن طبيعة هذه الدول واستعصاء تحويلها إلى مصدر لمعنى الفكرة الوطنية وتطويرها.
أيضاً، لا تفيدُ العروبة هنا بوصفها محتوى للوطنية، وإن تمتعت الوطنية السورية والعراقية دوماً ببُعد عربي قوي، خاصة في سياق هيمنة القومية العربية حين صارت الدولة العربية المُتخيَّلة مصدر الشرعية الوحيد الذي يُمكن معه الحديث عن شعب صاحب سيادة بالمعنى الحقيقي. غير أن العروبة كمحتوى للفكرة الوطنية يجعل من السوريين أنفسهم موضوعاً نافلاً، يصعب إمساكه والتفكير فيه بوصفهم شعبَ دولة محددة، تُمارِس كافة سلطاتها بوصفها دولة تطلب من شعبها الولاء لها من حيث هو شعبها.
وما يَصدقُ على معنى الوطنية، يصدقُ أيضاً على الدولة. فهذه الدول لم تكن مقصودة في مُخيِّلة أولئك الذين ثاروا ضد العثمانيين. دول بلاد الشام والعراق جميعها كيانات اصطناعية، لم يكن تَصوُّرُها ممكناً من دون الفاعل الاستعماري، دون أن يعني هذا صحةَ ما يدعيه القوميون من حيث وجود «هوية حقيقية» تم تقطيع أوصالها وتوزيعها على دول مُصطنعة (قطرية)، ما منعَ هذه الهوية من تحقيق نفسها في دولتها القومية الحقيقية/الطبيعية. لقد ظهرت الدول الجديدة بوصفها نقطة التقاء تسويات ونزاعات وموازين قوة بين فاعلين مختلفين، من القوى الاستعمارية إلى القوى والجماعات المحلية المنقسمة ورغبات نخبها المختلفة فيما بينها. كل خريطة أخرى كانت لتكون خريطة مُصطنَعَة بطريقة أو أخرى، سواء اقتصر العراق على جمهورية عربية شيعية من بغداد إلى الجنوب كما كان ممكناً، أو قامت فلسطين الكبرى التي تضمّ شرق الأردن، أو أن تكون حلب والموصل جزءاً من تركيا، أو دولة للعلويين، أو حتى دولة واحدة لكل بلاد الشام. جميع هذه الدول كانت مُمكنة، وكانت أيضاً اصطناعية بشكل أو آخر.
إن لم يكن تحديدُ الدولة الوطنية ممكناً عبر الإحالة إلى دولة «حقيقية» أو «هوية وطنية» ناجزة ذات مضمون، فكيف نتحدث عن الدولة الوطنية في المشرق على مدى أكثر من قرن من عمر هذه التجربة؟
الفكرة الوطنية في المشرق1 مشروعٌ سياسيٌ بامتياز، ولكنها ليست موضوعاً مُتحقِّقاً ولو بالحد الأدنى المقبول. هي مشروع ينطلق من تخيُّل الجماعة الوطنية، بمعزل عن حدود هذه الجماعة، كشعب واحد يتعالى على الانقسامات الإثنية والجهوية والطائفية الموجودة فعلياً داخله. والفكرة الوطنية هنا ليست إنكاراً لهذه الانقسامات، إنما هي مشروع لمواجهتها والتعامل معها، وقد أتى أول تعبير عنها في مواجهة مذبحة دمشق 1860 مع جريدة بطرس البستاني «نفير سوريا». الفكرة الوطنية فكرة حديثة وحداثية، ترى في الجماعة الوطنية أمةً، تراها شعبَ الدولة سياسياً. والوطنيةُ السورية بهذا المعنى هي فكرةُ أن السوريين شعبٌ واحد بما يتعالى على انقساماتهم العديدة والفعلية، شعبٌ له ذاكرة مشتركة وإرادة للعيش سوية، وتأتي الدولة الوطنية تعبيراً سياسياً عن هذه الهوية الوطنية. فالسوريون، مسلمين أو مسيحيين، سُنة أو علويين أو دروزاً، هم سياسياً «شعب سوري»، وهذه السورية هي الهوية الحصرية سياسياً وفي العلاقة مع الدولة نفسها وذاكرتها وروايتها. بهذا المعنى، الوطنية ليست شيئاً معطى، إنما مشروع يسعى للتحقُّق ويقوم على تَخيُّل شعب وطني من خليط الجماعات. وقد عبَّرَ الملك فيصل ببلاغة عن هذه الغاية فيما يتعلق بالعراق:
«أقول وقلبي ملآنٌ أسىً، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعباً نهذّبه وندرّبه ونعلّمه… هذا هو الشعب الذي أخذتُ مهمة تكوينه على عاتقي».
بناءً على هذا، نستطيعُ أن نرى استمراراً مُنتظَماً في سياسات سوريا والعراق داخل إطار الفكرة الوطنية ودولتها، وبمعزل عن النظم السياسية المتعاقبة. فقد تابع البعث الإطار الوطني المُؤسِّس للدولة الوطنية، رغم القطيعة في نطاقات سياسية أخرى وتَحوُّل الهيمنة الطبقية. يتجلى هذا الاستئنافُ في الاندراج في الأسطورة السياسية المُؤسِّسة للدول الوطنية التي نشأت لاحقاً، وفي بدء الحكاية الوطنية من النهضة العربية والإحياء القومي في القرن التاسع عشر والحركات القومية البازغة في العهد العثماني، إلى مواجهة الاحتلال العثماني والثورة العربية التي عبّرت عن إرادة الشعب العربي في الاستقلال وتكريم شهدائها بوصفهم آباء مؤسسين، ولاحقاً النضال في مواجهة الاستعمار على أساس وطني. كان سلطان باشا الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر وإبراهيم هنانو وصالح العلي ورجالات الكتلة الوطنية رموزَ الوطنية السورية منذ الاستقلال، وبقوا كذلك مع البعث، والأمر ذاته في الحالة العراقية مع ثورة العشرين (الشيعية بشكل أساسي) التي شكّلت لحظة تبلور الهوية العراقية وحافظت على مركزيتها خلال العهود جميعها.
لم يقطع البعث مع الفكرة الوطنية كما ورثها من آباء النهضة والاستقلال، إنما انخرطَ فيها بشكل فعّال، محافظاً على الاستمرارية مع الإطار والمعايير السياسية المستقرة منذ الثورة العربية، بل إن البعث نظر إلى نفسه بوصفه استئنافاً حقيقياً وثورياً لأهداف الثورة العربية الكبرى التي خانتها النخب الحاكمة. من جهة أخرى، لم تتعاطَ النخب السابقة في سوريا والعراق مع وطنيتها بمعزل عن البُعد القومي المُتجاوِز للدولة القطرية، فالسوريون حضروا في دولة الملك فيصل في العراق، وتَصوُّرُ لبنان والأردن وفلسطين أجزاءً من سوريا لم يكن غريباً عن تصورات النخب الحاكمة في دمشق قبل البعث، ومشاريع الاتحاد الهاشمي كانت رائجة قبل البعث وصعوده. إن الحديث عن قطيعة فرضها البعث ليس واقعاً حقيقياً، فالبُعد القومي – المشرقي – لم يكن غائباً عن النخب الحاكمة في الحقب السابقة على البعث، مثلما أن البعث انخرط في الشكل الذي أرسته النخب السابقة للهوية الوطنية منذ الثورة العربية وما تلاها.
لم تختلف الحالة اللبنانية في علاقتها مع الفكرة الوطنية كثيراً، فقد تطلَّبت الفكرة الوطنية اللبنانية ومنذ البداية ضبطَ البُعد العربي أو السوري فيها. استدعت الهوية اللبنانية في مخيلة الآباء، من بولس نجيم ويوسف السودا إلى شارل مالك وميشال شيحا، بُعداً متوسطياً وفينيقياً ومَردَة، ورسالة تعايش إسلامي مسيحي كأساس لبلورة وطنية لبنانية تُعبِّر عن ذاكرة مشتركة ورغبة موحدة بالعيش معاً للشعب اللبناني. يُظهِرُ التقاطع الكبير بين عناصر الحكاية الوطنية اللبنانية والسورية والعراقية حول عصر النهضة ورموزها، والموقف من العثمانيين والآباء المؤسسين للاستقلال وشهدائه (شهداء أيار)، مركزيةَ هذه العلامات في حكاية الوطنية في المشرق بوصفها حكاية شعب يتجاوز انقساماته الدينية والطائفية تحديداً ويسعى إلى دولته.
الدولة الوطنية، إقليم وشعب ودولة، حيث تستند الوطنية إلى رابطة تُنظِّمُ الشعب مُتجاوِزة انقساماته ومُشدِّدة على المشترك المُتخيَّل؛ هذا هو مشروع الدولة الوطنية المستمر منذ الثورة العربية الكبرى في هذه الدول، وبمعزل عن النُظُم السياسية المختلفة التي تعاقبت عليها، من العهد الملكي إلى الجمهوري، من الليبرالية إلى السلطوية، من الحكم التوافقي إلى الحكم البونابرتي. وهو ما تشهد عليه استمرارية الرموز السياسية المعيارية للأسطورة السياسية المؤسسة ووحدتها عبر تلك العهود، شهداء أيار والرموز والشخصيات الوطنية والتوافق حول الأحداث التاريخية الأساسية وتفسيرها. فالتحولات في مضمون الوطنية لم تكن في النهاية تحولات في طبيعة الوطنية نفسها أو رفضاً لها، بل كانت تفسيرات مختلفة لها، كانت تباينات في الكم والمنسوب الذي يُمكن إعطاؤه لعناصرها.
توتر الدولة الوطنية
استمراريةُ مشروع الوطنية لا تعني أنها كانت مستقرة وموضوع إجماع عام. الواقع كان معاكساً، وهو ما تشهد عليه الدول التي نشأت نفسها. لبنان كان مشروعاً مسيحياً للهرب من الانتحار السياسي بالوحدة مع سوريا، كما سوف يقول يوسف السودا. ولم تنجح الوطنية السورية في حل معضلة الانقسامات الأهلية، وفي الحالة العراقية بقيت المسألة الشيعية مفتوحة على مدى جميع العهود العراقية. كانت الانقسامات عميقة وتاريخية، وحملت طابعاً مؤسسياً عبر قوانين الأحوال الشخصية في حالة الدروز والمسيحيين، وعبر أشكال الحياة اليومية وتمييزاتها كما في حالة العلويين، أو اجتماع كل هذا في الحالة الشيعية مع تمييزات مؤسسية وبيروقراطية موروثة من العهد العثماني، لم تتمكن الدولة العراقية من تجاوزها رغم مساعي الملك فيصل وعبد الكريم قاسم.
قام الخيار السوري والعراقي على إنكار رسمي من قِبل الدول لهذه الانقسامات من ناحية، فيما سعى لبنان إلى الاعتراف بهذه الهويات ومَأسستها داخل نظام الدولة الوطنية بوصفها دولة للتعايش الديني والطائفي. غير أن الدولة المركزية جعلت تنظيم اتفاق حول تقاسم السلطة وتنظيمها بين هذه الجماعات في داخل الدولة مسألة إشكالية ومصدراً لصراعات مستمرة. فكانت الدولة اللبنانية دولة مركزية لشعب لبناني وتتحدث إليه بصفته هذه من ناحية، لكن الشعب اللبناني من ناحية أخرى كان مجموعة من الطوائف لا تملك السيادة على نفسها، طوائف محكومة داخل الدولة المركزية على أساس توازنات مضبوطة تماماً. توازنات سوف تتجاوزها التطورات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية فتصير قيداً على طوائف، ومن ناحية أخرى حماية لطوائف أخرى. وهذا جعل من الدولة المركزية ساحة حرب دائمة: من يحكم الدولة؟ وما هي صيغة التوازن التي يُحكَم بها؟ وقد ظهر أنه توازن يستحيل العثور عليه بكل بساطة. تاريخ الديمقراطية-الليبرالية اللبنانية تاريخُ حرب أهلية على مدى يُقارب مئتي عام، مثلما هو أيضاً تاريخٌ فريدٌ للتعايش. دورات متعاقبة من الحرب والتعايش منذ 1840.
تاريخ المائة عام الماضية هو تاريخ العلاقة الشائكة بين هذين الوضعين، الدولة الوطنية بوصفها مشروع بناء هوية وطنية في توترها المستمر مع انقسامات أهلية عميقة ومُمأسسة داخل البنية السلطوية والمؤسسية لهذه الدول، دون قدرة حاسمة على بلورة خيار جذري في أي اتجاه. فلم يظهر في تاريخ الدولة الوطنية مشروع جذري يقوم على تشكيل هوية وطنية يقضي بإنهاء الهويات الأهلية ومنعها من التحول إلى هويات إثنية، بالمقابل، لم يتقدّم مشروع يسعى بوضوح إلى تحويل هذه الهويات الأهلية إلى مشاريع شعوب تامة. بقي التوتر دوماً محايثاً لتاريخ الدولة الوطنية، فلم يجرؤ أحد على المضي في مشروع وطني جذري يقوم على خصخصة الهويات الأهلية الدينية، وهو ما يتطلَّبُ مصادر شرعية وقوة لم تَحُزها أيّة قوة سياسية، إذ كان الأمر يتطلب قاعدة اجتماعية قوية بما يكفي لمثل هكذا مشروع، وهو ما لم يتوفر في أي وقت. بالمقابل، بدا الاتكاء على العلاقات الأهلية وروابطها مصدر قوة في نزاعات السلطة، سواء أُديرت هذه النزاعات بشكل ديمقراطي كما في لبنان أو احترابي كما في الانقلابات العسكرية وعصبيات الحكم في سوريا والعراق، لكن أيضاً لم يجرؤ أحد على الدفع في اتجاه تحويل هذه الروابط إلى قوميات بديلة بسبب غياب عوامل القوة المادية التي تسمح لها بالتحقّق في دول. 2 تعايشت النخب والفاعلون السياسيون تماماً مع هذا الوضع، فالعروبة والعصبية العلوية كانتا ضروريتين بالقدر ذاته لحافظ الأسد، مثلما كانت الرابطة السُنّية والعروبة ضروريتين بالقدر ذاته لصدام حسين.
نهاية الدولة الوطنية
عام 2003، سقط نظام البعث العراقي عبر غزو أميركي حمل لواء تحرير العراق والديمقراطية، وانتهى إلى نتائج تُغاير التوقعات الأميركية. انهارت الوطنية العراقية المُلازمة للدولة الوطنية على مرِّ تاريخها، وظهرت الانقسامات الأهلية بشكل حاد، حيث تَحوَّلَ العراقيون إلى جماعاتهم الأهلية. استقبل الشيعة سقوط النظام بالترحاب، وهيمنت أحزابهم وتياراتهم السياسية على العملية الانتقالية التي أطلقها الأميركيون. فيما رفض غالبية السُنّة الحكم الأميركي وتعاملوا معه باعتباره تهديداً وهجوماً عليهم، وظهرت غالبية الحركات المقاومة المسلحة في وسطهم وعلى أساس هوية سُنّية صريحة وحتى عابرة للعراق. فيما بقيت المقاومة الشيعية ضد الأميركان مقيدة ومضبوطة بالتوازنات الشيعية، دون الوصول إلى حرب كلية أو قطيعة تامة مع النظام الجديد الذي شكّله الأميركيون.
وخلال هذه الفترة عاشَ العراق حربين أهليتين؛ اندلعت الحرب الأولى عام 2006 على إثر تفجير مرقد الإمام العسكري. وبدأت الحرب الأهلية الثانية عام 2014 مع استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل، واستمرت حتى دحر التنظيم. خلال الحربين حصلت مجازر وأعمال تطهير عرقي، ولحق دمار واسع بالمجتمعات الأهلية، وبشكل خاص المجتمعات العربية السُنّية خلال الحرب الأهلية الأولى، وهو ما ظهر أثره لاحقاً في نشوء تنظيم الدولة الإسلامية وممارساته الوحشية تجاه الشيعة وغيرهم. أيضاً عانت الجماعات الصغيرة، فقد تعرَّضَ الإيزيديون لإبادة على يد تنظيم الدولة الإسلامية، وانتهى وجود المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية والإثنية تقريباً من العراق أو لجأوا إلى كردستان العراق باعتبارها ملاذاً آمناً.
تحوَّلَ العراقيون إلى سُنّة وشيعة وكُرد، وهو ما تعكسه اللغة السياسية العراقية، خاصة في أعقاب الانتفاضات والمظاهرات الشعبية، حيث يسود هذا الوعي «الإثني» على فهم السياسة وعلاقات السلطة والقوة. فينبري رجال دين وسياسيون شيعة محذرين الشيعة من تبعات التظاهر ضد الحكم كونه حكماً شيعياً، مشيرين إلى خطر فقدانه. بالمقابل يتعامل رجال الدين والسياسيون السُنّة مع جمهورهم السُنّي بوصفهم ممثلين له في النظام السياسي الحالي. انتهى العراقيون باعتبارهم شعباً عراقياً، شعباً له هوية وطنية مثلما تم تَخيُّلها منذ تأسيس المملكة العراقية حتى نهاية نظام البعث. صار «الشعب العراقي» مجرد مفهوم قانوني يدل على حامل جواز السفر الذي تصدره الدولة العراقية دون هوية وطنية يتكئ عليها، صار العراقيون شعوباً والدولة غنيمةَ أحد هذه الشعوب لمواجهة الشعوب الأخرى أو موضوعاً للتقاسُم بينهم.
في سوريا سقط نظام الأسد مُنهياً الطور الأول من الحرب الأهلية، التي تَعرَّضَ فيها قطاع واسع من العرب السُنّة بشكل خاص للتدمير على يد نظام الأسد وحلفائه. وخلال الحرب صعد تنظيم الدولة الإسلامية واستولى على مساحات واسعة، مطلقاً حملات تطهير وإبادة وقعت بشكل خاص على الكُرد الذين حملوا عبء المواجهة الأكبر. أيضاً، كان هناك قدر واسع من الانتهاكات وجرائم الحرب ارتكبتها الفصائل الإسلامية السُنّية، وقد سادت الهوية الإسلامية السُنّية على الفصائل المتمردة بعد سنتين أو ثلاث على بدء الحرب التي سارت على خطوط اقتتال أهلي (طائفي/إثني) إلى حد كبير، وهيمنت سردية عامة تبنتها الفصائل المتمردة والمظلات السياسية المعارضة للأسد إضافة إلى وسائل إعلام عربية ودولية، وبحسب هذه السردية، فإن الحرب كانت مع نظام علوي يقمع ويحكم مجتمعاً سُنّياً، وهي سردية تُذكِّرُ تماماً بتلك التي سادت في العراق بعد سقوط النظام البعثي فيه، والتي رَوَّجتها قوى شيعية تقول إن نظام البعث في العراق هو نظام سُنّي يحكم ويقمع مجتمعاً شيعياً.
باستلام هيئة تحرير الشام السلطة في سوريا تشكّلَ واقعٌ سياسي مشابه لذلك الذي حصل في العراق، من حيث انحلال الفكرة الوطنية وصعود الهويات الإثنية للجماعات الأهلية وانبثاق لغة سياسية عامة مُؤسَّسة على هذه الانتماءات. في شهر آذار (مارس) حصلت عملية عسكرية في الساحل إثر تمرد عسكري لفلول النظام، تحولت سريعاً إلى مجزرة ضد العلويين مع تعبئة شعبية واسعة ضدهم. بعدها بأشهر قليلة حصلت صدامات مع الدروز في جرمانا وصحنايا، وانتهت بمجزرة ضدهم في السويداء، رافقتها دعاية معادية للدروز مشابهة لتلك التي استُخدمت ضد العلويين سابقاً. شكّلت المجازر والمعارك لحظات بارزة لانفجار العنف الأهلي في سياق عام مستمر من الانتهاكات اليومية؛ حوادث قتل فردية واختطاف للنساء وإهانة وإذلال على الحواجز ودعاية كراهية ضد الأغيار. ومن جانب الأغيار ظهرت دعاية مضادة ومشابهة تتركز على التضاد مع الهوية السُنّية والتمايُز عن السنّة وتقديمهم في أشكال وحشية تعززها صور المجازر والسلفية الظاهرة، مثلما عززت دعايةُ القوى السُنّية الصور الوحشية للعلويين والدروز عبر ربطهم مع نظام الأسد والمشاهد الوحشية في سجونه ومجازره.
ومثلما حصل في العراق، فإن النزاعات الأهلية/الطائفية عزّزت حاجات السياسيين، خاصة من هم في السلطة، إلى إضفاء وتثبيت طابع أهلي/مذهبي عليها بما يُساعدهم في حشد وتعبئة الشارع للدفاع عنهم، وفي تقديم أنفسهم بوصفهم التعبير عن الأغلبية. وهو ما يدفع إلى تشكيل هوية سُنّية، وما تحتاجه من مخيال سياسي يَظهر مع تغيير أسماء الشوارع والمدارس والأعياد الوطنية، ولغة تؤكد على سُنّية السلطة وسوريا. وهكذا تَحوَّلَ السوريون إلى شعوب غادرت الهوية الوطنية السورية، وصار ما يُفرِّق بينها أكبر مما كان يجمعها، إذ تزداد القطيعة النفسية وترتفع الحواجز فيما بينها.
تتشابه سوريا والعراق إلى حدٍّ كبيرٍ وملفتٍ فيما يخصّ مسارهما التاريخي العام، من سقوط النظم «البرلمانية» إلى صعود البعث واللغة القومية العربية المُتشدِّدة مع استخدام كثيف للعصبيات الطائفية والأهلية في علاقات السلطة والحكم. ومع سقوط النظامين البعثيين انفجر العنف الأهلي على أساس إثني، وتبلورت حدود الهويات الإثنو-دينية بشكل دموي، وسادت لغة سياسية متمركزة حول هذه الهويات، وسردياتٌ تطييفية للتاريخ المحلي بعمومه. التباين بين العراق وسوريا لم يتعدَّ التباين في مواقع الطوائف؛ الشيعة في العراق في مقابل السُنة في سوريا. في العراق قامت القوى الشيعية بتسنين النظام البعثي السابق والتعامل مع الحكم الحالي بوصفه غلبة شيعية يجب حمايتها، فقد عاد العراق لأهله وهم الشيعة الأغلبية. وفي سوريا، قامت القوى السُنّية بعلونة النظام البعثي السابق والتعامل مع الحكم الحالي بوصفه غلبة سُنّية يجب حمايتها، فقد عادت سوريا إلى أهلها وهم السُنّة الأغلبية.
لا تختلف الصورة في لبنان لجهة انفجار الدولة الوطنية فيها وصعود الجدران بين الهويات الطائفية بشكل حاد، فلبنان يعيش انهياراً اجتماعياً ونزاعات منذ اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري. عاش لبنان حربين إسرائيليتين 2006 و2025، والأخيرة لم تزل مستمرة. لم يعرف لبنان انقلابات عسكرية ولا تجارب حكم سلطوية وقومية، إنما حافظ على الحكم البرلماني الديمقراطي وفضاء واسع من الحريات، وإن كان ضمن سياق مداوم من النزاعات الطائفية التي تحولت إلى حروب أو مواجهات عنيفة. وهذا يُشكِّك في العلاقة السببية الحصرية بين النظم السلطوية والديكتاتورية من ناحية والانهيار الوطني وصعود الطائفية من ناحية أخرى، ويُشير بالمقابل إلى العلاقة المتوترة والكامنة أساساً في تكوين الدولة الوطنية نفسها في المشرق بوصفها مشروعاً لجمع جماعات/إثنيات مختلفة تحت مظلة «وطنية» واحدة.
الصورة اليوم انهيارُ مشروع الدولة الوطنية وفكرة الجماعة الوطنية، وهي جماعة لا تمتلك في المشرق أساساً تاريخياً صلباً مُستقلاً عن الدولة نفسها، واختفاءُ السوريين والعراقيين واللبنانيين لصالح صعود الشيعة والسُنة والمسيحيين والعلويين والدروز والكُرد وغيرهم. انهيار الفكرة الوطنية، أيّاً كان محتوى الوطنية، ترافقَ مع صعود الهويات الإثنية والسعي لتحويلها إلى مشاريع قومية على أنقاض الدولة الوطنية، جماعات لا تملك ذاكرة مشتركة ولا ترغب بالعيش معاً. ربما، في الحالة السورية، تبدو الإحالة إلى غياب هذه الرغبة بالعيش معاً مناقضة للتعبيرات السياسية الرسمية، هل لا يرغب المسيحيون – فقط على سبيل المثال – حقاً بالعيش مع مسلمين؟ أليس هذا معاكساً لما يقوله رسمياً الكثير من المسيحيين؟ لننسى لغة التقية ذات الإرث العريق في سوريا، ولننظر إلى واقع المسيحيين نفسه، وهنا تظهر الإجابة واضحة تماماً عبر الانهيار الديمغرافي للمجتمعات المسيحية في سوريا، وحتى المشرق، وهو انهيار لا يمكن تفسيره فقط بتباين نسب التكاثر الطبيعية. لقد انهارَ الوجود المسيحي في سوريا من نحو 20 بالمئة بداية القرن إلى حدود 10 بالمئة مع بداية الحرب الأهلية، وصولاً إلى حدود 3 بالمئة حالياً. كان الوجود المسيحي، في مدينة حلب، على سبيل المثال، هاماً وذا شأن بالغ في تاريخ المدينة وموقعها، وقد شكَّلَ المسيحيون 22.6 بالمئة من سكانها في بداية القرن العشرين، وكانوا نحو 12 بالمئة من سكانها مع بداية الحرب، واليوم هم جماعة هامشية من سكان المدينة حيث يُشكِّلون ما يقارب 1.4 بالمئة من سكانها. يُقدّم تاريخ المسيحيين في سوريا إجابة واضحة عن سؤال العيش المشترك وإمكانياته، إجابة يُمكن تعميمها على كامل المشرق.
تُقدِّم السلطة السورية واللغة الشعبية السائدة في الوسط السُنّي تعبيرات رمزية هامة على هذه النهاية، عبر القطيعة الرمزية التي دَشَّنتها السلطة الحالية مع رموز الدولة السورية وسرديتها المُؤسِّسة، وإن أدعت أنها تُقاطِع رموز النظام السوري. فتغيير أسماء المدارس طال أسماء لا ترتبط بالنظام السوري، بل تعود لشخصيات كانت رمزية في تاريخ الفكرة الوطنية نفسها، من أدباء ومصلحين وحتى سياسيين. إلغاء الاحتفال بعيد الشهداء في أيار (مايو) (وهو عيد رسمي في سوريا منذ 1925)، ومعاملتهم بوصفهم خونة للدولة العثمانية يضرب كل تاريخ الدولة الوطنية في سوريا بوصفها مشروعاً تأسَّسَ على الاستقلال عن العثمانيين، الذين صاروا هنا الأصل باعتبارهم رموز السلطة والشرعية للإسلام السنّي.
خاتمة
تاريخُ القرن العشرين في المشرق هو تاريخُ الدولة الوطنية والفكرة الوطنية بوصفها مشروعاً، بوصفها مسعىً مرتبطاً بالعالم الحديث والدخول إليه مع صعود طبقات وسطى حديثة تلقت تعليماً حديثاً وغربياً، وانتظمت في مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة، سواء تلك التي تشكّلت خلال التحديث العثماني أو خلال الفترة الانتدابية، ولاحقاً خلال محاولة بناء الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار ومشروعها التنموي والتحديثي. مشروع بناء أمة من الجماعات العديدة والمنقسمة التي تقطن إقليم الدولة هذه. اليوم انتهى هذا المشروع إلى فشل تام، وانهارت الدولة وتحولت إلى دولة فاشلة وماتت الفكرة الوطنية كمشروع مستقبلي، وفي مكانها صعدت التعبيرات السياسية للجماعات الإثنو-دينية في حالتنا بوصفها هويات سياسية بديلة ومُهيمنة.
هذه الحالة ليست خاصة بالمشرق؛ في دول أفريقيا ما بعد الاستعمارية أمثلة مشابهة كثيراً لواقعنا، فالصومالية والكونغولية والسودانية نماذجُ للفكرة الوطنية المُتجاوِزة للانقسامات الإثنية في مجتمعاتها، للفكرة الوطنية بوصفها مشروعَ دولة وطنية ما بعد استعمارية. واليوم، تعيش هذه الدول بمجملها وضعية الدولة الفاشلة أو شبه الفاشلة مع فشل هذا المشروع التوحيدي للوطنية فيها، ومع انكساره على خطوط الانقسامات الأهلية. وأيضاً، وبشكل شبيه جداً ببلادنا، لعبت النخب في تلك البلاد أدواراً مزدوجة تجاه انقساماتها: اللعب عليها في سياق الصراعات السياسية، وفي الوقت نفسه الدفاع والتمسُّك بشرعية الفكرة الوطنية.
من الصعب أن نقول ما الذي سوف يأتي بعد نهاية الدولة الوطنية، أو متى يتم استخراج شهادة وفاة لها؛ الصومال والكونغو والسودان دول تعيش حالة فشل مزمنة منذ عقود دون ولادة أي جديد. ربما يكون مستقبلنا صورةً عن هذه الدول، لكن هناك أيضاً إمكانيات أخرى ليست أقلها المشاريع الفاشية التي نشهدها، والمُتمثّلة في السعي لتحقيق المُطابَقة بين الدولة وجماعة إثنو-دينية بعينها، أو على الأقل تحقيق غلبة واضحة لها على الجماعات الأخرى وإخضاعها. وهو مسعىً قد لا يكون مصيره النجاح، لكنه يَعِدُ بقدر هائل من الخراب والموت للجميع، بقدر ما أنه مسعىً يتمتع بغواية سوابق تاريخية في المنطقة، حيث قامت تركيا وإسرائيل كدول على أساس تحقيق مستويات متباينة من هذه المُماهاة.
وربما يبدو الانقسام إلى دول جديدة مطابقة للهويات الإثنية، بشكل مماثل للحالة اليوغسلافية، مسألة مُستعَبدَة وشديدة الصعوبة، لكن ثمة أصواتٌ تتعالى في هذه الاتجاهات. ويوغسلافيا مثال بلقاني عن نهاية الوطنية اليوغسلافية والتحوُّلِ إلى هويات دونها، كرواتية وصربية وبوسنية. إن كنّا نواجه خيار تحقيق المُماهاة بين الدولة والجماعة الإثنية، ونواجه الحقيقة الواضحة في أن هذه الجماعات لا ترغب في، ولا تقدر على، العيش سوية، فلماذا لا يكون الحل إذاً بالخروج والاستقلال؟
هل هناك إمكانية للتفكير في خيار آخر يقوم على الاعتراف بحقيقة وجود شعوب عديدة من ناحية، وإيجاد صيغة لتعايُشها على أساس هذا الاعتراف من ناحية ثانية، مع ما يتطلبه ذلك من مساواة بينها واعترافٍ باستقلالها الذاتي في إدارة شؤونها؟ خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي طُرِحَت أفكار شبيهة في أوساط عدد من المجموعات اليهودية في فلسطين، مثل مجموعة تحالف السلام التي نادت بدولة مزدوجة القومية للعرب واليهود، ومشروع إيهود ماغنس، أول رئيس للجامعة العبرية، الداعي إلى دولة واحدة للشعبين اليهودي والعربي حيث يتمتع كل شعب بالحد الأدنى من السيادة على شؤونه. لم تلقَ هذه المشاريع أي نجاح، لكنها تبقى مثيرة للاهتمام ويمكن التفكير فيها بوصفها حلاً مشرقياً على أساس الاعتراف بتعددية الشعوب وحقها في السيادة على شؤونها، عوضاً عن خيار الاقتتال أو استمرار متاهة الدولة الفاشلة.
يصعب تَوقُّعُ ماذا يأتي بعد «مشروع الدولة الوطنية»، ولا متى يمكن دفن هذا المشروع رسمياً، وقد تُرافقنا الدولة الوطنية بصيغة الدولة الفاشلة لعقود مثلما هو الحال في دول إفريقية عديدة؛ لكن الخلاصة المُقترحة هنا هي أننا نشهد نهاية الدولة الوطنية في المشرق بوصفها مشروع فكرة وطنية قادراً على الاستمرار بالاعتماد على قدراته وموارده الخاصة.
-