ملخص
تطوي الحرب مع إيران صفحة الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط، بعدما كشفت محدودية قوة واشنطن وهشاشة ضماناتها الأمنية لحلفائها. ومع تراجع الثقة به، تبدو المنطقة مقبلة على نظام جديد، قد يمنح الولايات المتحدة فرصة أخيرة لاستبدال التدخل العسكري بالدبلوماسية والدفاع الجماعي.
الشرق الأوسط الأميركي بلغ خواتيمه. فالنظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 كان واحداً من الضحايا العديدة للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وقد أثبت الفشل الأميركي والإسرائيلي في الإطاحة بالنظام في طهران عقم سياسة العقوبات والعنف التي استمرت لعقود. كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها من الهجمات الإيرانية أو عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً قد وجّه ضربة قاصمة إلى جوهر الصفقة الأمنية التي برّرت وجود شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة. وأدى موقف إسرائيل العدواني المتزايد، وتخليها عن أي تظاهر بالاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، إلى إنهاء المهمة التي اضطلعت بها واشنطن لعقود، والمتمثلة في الجمع بين حلفائها العرب وإسرائيل ضمن شراكة أمنية دائمة.
لقد كان هدف الولايات المتحدة الأساسي على مدى ثلاثة عقود ونصف هو دمج حلفائها المتباينين في نظام يقوم على حماية إسرائيل، واحتواء إيران والعراق في الفترة السابقة، ثم إيران وحلفائها من غير الدول في الآونة الأخيرة. ولم تمثّل حرب الرئيس دونالد ترمب انحرافاً أو خروجاً عن ذلك النهج، بل أوصلته إلى نهايته المنطقية، من خلال السعي إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة وبضربة واحدة. وتماماً مثلما فعل القادة الأميركيون قبل غزو العراق عام 2003، ومثلما فعلت إسرائيل في حروبها ضد “حزب الله” و”حماس”، بالغ مهندسو هذه الحرب إلى حد كبير في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، واستخفوا بقدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا أن الحلفاء سينصاعون، وتجاهلوا بلا اكتراث حياة الناس العاديين. ولم تكن مغامرة واشنطن العسكرية انحرافاً عن المسار بل كانت أبلغ تجسيد للعيب الجوهري المتأصل في استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط.
في البداية، قد لا يبدو أن الحرب تركت أثراً كبيراً في التحالفات التي تشكل النظام الأميركي. وفي مواجهة حرب غير حاسمة وإيران أكثر قوة، قد تتجه دول الخليج إلى زيادة مشترياتها الدفاعية والمطالبة بضمانات أمنية إضافية، بما قد يوحي باستمرار الترتيبات القائمة رغم التحولات المتسارعة في المنطقة. لكن النظام القديم يفسح المجال في الواقع أمام شيء جديد. اليوم، تُذكر أزمة السويس عام 1956 باعتبارها الرمق الأخير للقوة الإمبراطورية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الأمر استغرق سنوات قبل بلوغ تلك النهاية الحتمية. وعلى نحو مشابه، لن تنتهي الهيمنة الأميركية على الفور، لكن الشكوك المتراكمة منذ فترة طويلة بشأن القوة الأميركية وغاياتها قد بلغت مرحلة حاسمة. أما ما كشفته الحرب مع إيران، وقبلها الحرب الإسرائيلية في غزة، فقد أعاد رسم حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء. ولن تؤدي جولة أخرى من القتال أو انتخاب رئيس أميركي مختلف، إلى إصلاح هذا الشرخ.
وتنبئ السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات. فإسرائيل وإيران لديهما مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة سوى وسائل محدودة لكبح أي منهما. وتأمل إسرائيل في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض نفوذها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة. وبافتراض أن النظام الإيراني لن ينهار في المستقبل القريب، وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية، فإن طهران التي ازدادت جرأة ستأمل في الدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه من خلال توريط واشنطن في صراعات “المنطقة الرمادية”، صراعات لا نهاية لها ولا حدود لها، لطالما برعت فيها طهران.
ومع ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة أخيراً للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فإن انهيار نظام ما يمكن أن يشكل فرصة لبناء نظام جديد وأفضل. ومن المسلم به أن الظروف بعيدة كل البعد عن المثالية. فعلى الرغم من أن معظم قادة المنطقة وشعوبها يتوقون بشدة إلى فترة من الهدوء بعيداً عن الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، فإنهم يشعرون أيضاً باستياء عميق من واشنطن لأنها جرتهم إلى كارثة. لكن التخلي عن سياسة دعم المستبدين، ومنح الحلفاء حصانة من المساءلة والعقاب، واحتواء الأعداء بالوسائل العسكرية، قد يتيح للولايات المتحدة التعامل مع المنطقة بطريقة أكثر صحة وتوازناً، بما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الاستقرار المستدام الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تريده.
تصدعات في الأساس
على مدار عقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية، تحددت طموحات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بفعل تنافسها العالمي مع الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي منح واشنطن اهتماماً كبيراً للغاية بالسياسة الإقليمية، لكنه جعلها في الوقت نفسه حذرة من التدخل العسكري المباشر. أما النظام الحالي في الشرق الأوسط، الذي أرسته إدارة جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج عامي 1990 و1991، فقد اتّسم بالهيمنة الأميركية. وبعد أن أتيحت لها فرصة تاريخية لإرساء هيمنة بلا أي منازع في منطقة كانت موضع تنافس منذ فترة طويلة، جعلت واشنطن من نفسها قوة لا غنى عنها من خلال إنشاء قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. وكان دعمها العسكري والسياسي بمثابة الأساس لبقاء جميع أنظمة المنطقة تقريباً.
ولكي تضفي الشرعية على دورها باعتباره أكثر من مجرد هيمنة افتراسية، أطلقت واشنطن عملية السلام العربية الإسرائيلية على أمل دمج حلفائها العرب وإسرائيل في إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين كتلة تقودها الولايات المتحدة تضم إسرائيل وتركيا ومعظم الدول العربية تقريباً، وكتلة معارضة أقل رسمية تضم إيران وسوريا في عهد عائلة الأسد، وجماعات مسلحة مثل “حماس” و”حزب الله” والحوثيين. وقد ظل هذا الهيكل ثابتاً بصورة لافتة على مدى ثلاثة عقود على الرغم من التغيرات الجذرية في السياسة العالمية والإقليمية والأميركية.
ووفقاً للرواية الأميركية، وفّر هذا النظام قدراً من الاستقرار، وحمى في الوقت نفسه المصالح الأميركية الأساسية مثل تجارة النفط وأمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب. وكان ذلك صحيحاً من نواحٍ عديدة. فلم تواجه إسرائيل تهديداً على مستوى الدول، ولم تخض حرباً ضد منافس ند لها منذ عام 1973، وهو ما دفعها ربما إلى التقليل من شأن التحدي الذي تمثّله مهاجمة إيران. وقد تعاونت الدول العربية مع إسرائيل ضد الأعداء المشتركين على الرغم من غياب حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفي معظم الأحيان، ظلّ النفط يتدفق بصورة منتظمة وبأسعار معقولة. ولم تواجه الهيمنة الأميركية تحدياً جدياً من أي قوة عظمى منافسة، ولا حتى الصين التي اكتفت بالجلوس والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها توفير الولايات المتحدة للأمن.
وبالنسبة إلى واشنطن، بدت الفوائد الاستراتيجية الناجمة عن هذا النظام كافية لتبرير تكاليف الحروب اللازمة للحفاظ عليه. لكن الثمن كان باهظاً للغاية بالنسبة إلى الذين يعيشون في المنطقة. فقد شهدت السنوات الـ35 الماضية خوض إسرائيل عدداً كبيراً من الحروب الصغيرة ضد جيرانها الأضعف بكثير، وانهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بالكامل، وهجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، ثم شروع إسرائيل في تدمير غزة. وفي العراق، فرضت الولايات المتحدة 12 عاماً من العقوبات القاسية، والقصف المتقطع، ومحاولات فاشلة لتغيير النظام ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، أعقبها غزو واحتلال كارثيان عام 2003، وكل ذلك بتكلفة بشرية هائلة. وتحت إشراف الولايات المتحدة، مزقت حروب كارثية لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.
لقد استند النظام الإقليمي إلى ضمانات أمنية أميركية. ولفترة وجيزة خلال الانتفاضات العربية في 2010–2011، بدت موجة السعي إلى التغيير عصية على الكبح، لكن الترتيب الإقليمي ظل يعمل على النحو المعتاد فيما عدا ذلك. فقد حافظت جميع أنظمة الحكم تقريباً ضمن منظومة التحالف الأميركي على السلطة. وشجع الدعم الأميركي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية على اتباع برامج الخصخصة التي فاقمت فساد النخب وأفقرت غالبية السكان. كما شجعت الحملة الأميركية لمكافحة الإرهاب حلفاءها على تبني أشكال واسعة من المراقبة والتضييق على المعارضة المحتملة باسم الأمن. وعلى الرغم من أن دول الشرق الأوسط وشرائح صغيرة من النخب المحلية ازدهرت في ظل هذا النظام، لم تكن صورة النظام الأميركي، بالنسبة إلى معظم الناس، زاهرة. وبحسب جميع المؤشرات الاقتصادية والسياسية والتنموية تقريباً، كان أداء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأميركية أسوأ بكثير من أداء أي منطقة أخرى.
ومن المفارقات أن الضمانات الأمنية الأميركية شجعت الحلفاء على تجاهل المصالح السياسية لواشنطن. فقد شعر معظمهم بالأمان من أي غزو أو هجوم خارجي، مما خلق مخاطر أخلاقية: إذ أصبح بإمكانهم متابعة مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية الخاصة من دون الخوف من عواقب حقيقية. كما أن انشغال واشنطن بسياستها الداخلية، وعدم اهتمامها بتفاصيل المنطقة وتعقيداتها، ومخاوفها المبالغ فيها من التقدم الصيني والروسي، كلها جعلت الولايات المتحدة هدفاً سهلاً للقوى المحلية القادرة على التلاعب بها. ونتيجة لذلك، فشلت مراراً وتكراراً على مدى عقود في كبح جماح إسرائيل بشكل فعّال أو منع الحلفاء العرب من تبني سياسات تقوض الأهداف الأميركية المعلنة. كما عارض معظمهم بنشاط الاتفاق النووي مع إيران لعام 2015، الذي كانت إدارة أوباما تأمل في أن يساعد على استقرار المنطقة.
ودفعت انتفاضات 2010-2011 الحكومات العربية إلى اتّباع أشكال جديدة من التدخل، ويرجع ذلك جزئياً إلى فقدانها الثقة في قدرة الولايات المتحدة واستعدادها للتعامل مع ما اعتبرته تلك الحكومات تهديدات ملحة. فالحلفاء الذين كانوا يخشون أصلاً احتمال حدوث انقلابات واندلاع انتفاضات شعبية، باتوا يرونها واقعاً وشيكاً، في وقت كانوا يواجهون فيه تحديات من جماعات شيعية مدعومة من إيران، وحركات إسلامية وجهادية، ونشطاء ليبراليين ديمقراطيين شباب. وعندما شاهدت هذه الأنظمة انتشار الاحتجاجات بسرعة البرق، أدركت أن التهديد الداخلي يمكن أن يبدأ في أي مكان، حتى خارج حدودها. وعندما رأت الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك عام 2011، خلصت إلى أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. وإذا أرادت ضمان بقائها، فعليها أن تخرج بنفسها لاحتواء الخطر. لكن تدخلاتها أسفرت مراراً عن نتائج مدمرة، وأسهمت في انقلاب عسكري في مصر وفي اندلاع عدة حروب أهلية.
وشجّع هذا النظام إيران وإسرائيل أيضاً على انتهاج سياسات مزعزعة للاستقرار، وإن بأساليب مختلفة. فقد اعتبر النظام الإيراني العداء الخارجي أمراً مفروغاً منه، وصمم استراتيجية بقائه وفقاً لذلك. ولم تكن الحكومة الإيرانية مكترثة إلى حد كبير بالعقوبات الأميركية والدولية التي أفقرت الشعب، بينما عززت نفوذ أركان النظام الذين سيطروا على الأسواق السوداء. وعلى مدى عقود، بنت إيران شبكة من الجماعات الحليفة وسلحتها، فازدهرت هذه الشبكة على أنقاض الدمار الذي خلّفته الحروب الأميركية والإسرائيلية. ومع انقطاع وصولها إلى التكنولوجيا العسكرية الأميركية والأوروبية، استثمرت إيران في الإنتاج منخفض التكلفة، وطورت طائرات مسيرة وصواريخ باليستية رخيصة الثمن يمكنها مواجهة أنظمة خصومها المتطورة تقنياً والمكلفة للغاية. وكما هو الحال مع معظم دول المنطقة، سارعت القيادة الإيرانية إلى قمع الاحتجاجات، خشية وجود يد أجنبية خفية وراء ما كان في الواقع احتجاجات حقيقية وصادقة نابعة من السخط الشعبي.
أما إسرائيل، فقد تمتعت بأكثر الضمانات الأمنية الأميركية حصانة ورسوخاً. وعلى الرغم من كونها دولة ديمقراطية، على الأقل بالنسبة إلى المواطنين اليهود، فإن رؤساء حكوماتها وقعوا في كثير من الأحيان في فخ يشبه ذلك الذي وقع فيه حلفاء الولايات المتحدة المستبدون. فالتفوق العسكري الإسرائيلي والثقة بالدعم الأميركي قد مكّنا قادة إسرائيل من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة والتصدي للتهديدات السياسية الداخلية على حساب معالجة القضية الفلسطينية بجدية أو تخفيف عدم الاستقرار الإقليمي. لكن عندما حطمت هجمات السابع من أكتوبر هذا الشعور بالاطمئنان، كان ردّ إسرائيل هو المضي قدماً بكل قوتها في التصعيد العسكري. فأظهرت إفراطاً متزايداً في استخدام القوة في أنحاء المنطقة، ورسخت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، بل وفي أجزاء من لبنان وسوريا.
وكان أحد أسباب استمرار النظام الأميركي طوال هذه المدة هو أن التفاهمات الأمنية التي شكلت جوهره لم تخضع قط لاختبار حقيقي. فقد اشتكى قادة المنطقة مراراً وتكراراً من شعورهم بالتخلي عنهم، لكنهم لم يتصرفوا قط كما لو أن التخلي عنهم كان احتمالاً جدياً وواقعياً. ولأعوام طويلة، لم يكن احتمال نشوب حرب بين الدول يُنظر إليه باعتباره تهديداً بارزاً. وكانت إسرائيل تقصف غزة ولبنان بشكل متكرر، لكن أياً من الدول العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة لم يكن يشعر بقلق مفرط من هجوم إسرائيلي. وكانت إيران تمثل مصدر قلق أكبر بالنسبة إلى تلك الدول، ولكن حتى الهجوم الإيراني المباشر كان يبدو مستبعداً للغاية. ولم تؤدِّ الهجمات غير المباشرة التي شنها وكلاء إيران إلا إلى تعزيز الاعتقاد الأساسي بأن التفوق العسكري الأميركي كان واضحاً وكاسحاً إلى درجة أن إيران لن تتحداه. وبدأت هذه الثقة تتزعزع عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على هجوم استهدف منشآت نفطية سعودية ونُسب إلى إيران، ومرة أخرى عندما تعرّضت الإمارات العربية المتحدة لضربات بطائرات مسيرة شنها الحوثيون عام 2022. وظلت البنية الأمنية الإقليمية قائمة، لكن الشقوق والتصدّعات بدأت تظهر فيها.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تحاول ترسيخ نظامها في الشرق الأوسط وإضفاء طابع مؤسسي عليه من خلال التوسط لإقامة تعاون عسكري وسياسي علني بين حلفائها العرب وإسرائيل. ولم يكن الهدف جديداً. فقد كان تشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أميركية هدفاً لكل إدارة أميركية منذ عام 1991. إلا أن ترمب اختلف عن أسلافه في دفع هذا المسار إلى الأمام من دون ربط خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي بالتقدم المحرز في القضية الفلسطينية. وفي عام 2020، توسطت إدارته لإبرام “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل وكل من البحرين والإمارات في البداية. وانضم المغرب بعد ذلك بوقت قصير، بينما وقّع السودان اتفاقية مبدئية لم تُفعّل رسمياً. لكن عندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالانضمام، أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي. ولم تدرك مدى تنامي العداء الشعبي للتطبيع، كما لم تتوقع الكارثة الوشيكة في غزة.
ضربة مزدوجة
سبق أن تعرّض النظام الإقليمي الذي أقامته الولايات المتحدة لاضطرابات من قبل، بما في ذلك خلال الغزو الكارثي للعراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، لكنه كان يعيد تشكيل نفسه دائماً. وكان صانعو السياسات الأميركيون أسرى للهيكل الذي صمموه بقدر ما كانت القوى الإقليمية المنخرطة فيه أسيرة له. فمنذ بيل كلينتون، دخل كل رئيس أميركي إلى البيت الأبيض متعهداً بتقليص التدخل الأميركي في الشرق الأوسط، لكنّ كل رئيس وجد نفسه في نهاية المطاف منجراً مجدداً إلى السياسات نفسها والحروب نفسها.
وقد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران مجرد حلقة أخرى في هذه الدورة. لكن الحقيقة هي أن هذين الحدثين معاً وجّها ضربة قاضية إلى الشرق الأوسط الأميركي. فقد أدى الدعم الأميركي لهجوم إسرائيل على غزة، لا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، إلى تبديد ما تبقى من سلطة أخلاقية كان بإمكان الولايات المتحدة الادعاء بأنها تمتلكها. أما كارثة ترمب في إيران فقد حطمت وهم القدرة العسكرية الأميركية المطلقة. وأظهر الحدثين معاً للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي داخل النظام الإقليمي، وتضاؤل جدوى الضمانات الأمنية الأميركية.
لقد فشل المسؤولون الأميركيون في عهد كل من بايدن وترمب في إدراك الآثار الزلزالية للحرب الإسرائيلية في غزة. فقد اشتركوا في رؤية مفادها أن آراء قادة المنطقة هي الوحيدة التي تهم، وأن هؤلاء القادة نسوا الفلسطينيين منذ فترة طويلة، وأنهم كانوا يتوقون لإقامة علاقات أوثق مع إسرائيل القوية والمتمتعة بقدرات كبيرة، وللحصول على الضمانات الأمنية الأقوى التي عرضتها الولايات المتحدة كحوافز. وربما يكون أوضح مثال على قصر النظر السياسي هذا هو سعي بايدن غير الواقعي إلى التوسط في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، حتى بعد أن جعل ارتفاع عدد القتلى في غزة هذا التعاون ساماً سياسياً بين الشعوب العربية التي كانت الرياض تطمح إلى قيادتها.
ستستغرق الآثار الكاملة للكارثة في إيران وقتاً لتتبلور وتظهر
وأدى إصرار واشنطن المتواصل على التعاون العربي مع إسرائيل إلى خلق مزيد من الانقسامات. وإذا كانت الحرب في غزة قد تركت مستقبل القيادة الإقليمية الأميركية موضع شك، فإن الحرب مع إيران كانت بمثابة تأكيد على نهاية هذا النظام. وبعض قادة الشرق الأوسط فاجأهم إقدام الولايات المتحدة وإسرائيل على بدء الحرب من غير جولة استشارية واسعة، على رغم علم إسرائيل وواشنطن بتحفظهم عنها ومعارضتهم لها، وفي أثناء مفاوضات مع إيران. وقد عرّضتهم حرب لم يكن لهم أي رأي فيها لانتقام إيراني مباشر. وعلى الرغم من أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية حمت الخليج من أسوأ وابل الهجمات، فإن عدداً من الضربات الإيرانية اخترق هذه الدفاعات وألحق أضراراً جسيمة، وزعزع مظهر الاستقرار الذي كان يقوم عليه النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. واستهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها الدول التي كانت تربطها بها علاقات أكثر ودية مثل عُمان وقطر، لكنها ركزت نيرانها على الدول التي وقعت “اتفاقات أبراهام”: وفي غضون أسابيع قليلة، تمكنت إيران من إلحاق أضرار بأجزاء كبيرة td شبكة القواعد العسكرية التي قامت عليها الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.
وتراجعت ثقة حلفاء الخليج بواشنطن أكثر عندما أثبتت الحملة الأميركية الإسرائيلية عدم قدرتها على الإطاحة بالنظام الإيراني. فعلى مدى عقود، جادل مؤيدو قصف إيران بأن مثل هذا الهجوم قد يكون فوضوياً، لكنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى إزالة التهديد الإيراني. لكنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، بكل ما تمتلكانه من قوة عسكرية، فشلتا ببساطة. وعلاوة على ذلك، وقفت الولايات المتحدة عاجزة بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، ما عرّض اقتصاد الخليج بأكمله للخطر. ومرة أخرى، صُدم قادة الخليج ليس لأن الولايات المتحدة تجاهلت تفضيلاتهم فحسب، بل أيضاً لأنهم اكتشفوا مدى عجزها. وتحولت صدمتهم إلى غضب عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، وقصفت إسرائيل مستودعات النفط الإيرانية. لقد كانت واشنطن تُقامر بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران باستهداف منشآت المياه الخليجية أو مواقع الطاقة النووية، لكان من الممكن أن تنتهي دوامة التصعيد الناجمة عن ذلك إلى كارثة اقتصادية تواجهها دول الخليج، وإلى درجة من الدمار البيئي يجعلها غير صالحة للسكن.
وما استخلصته دول الخليج من كل ذلك هو أن الضمانات الأمنية الأميركية، التي تشكل جوهر الترتيب الإقليمي، لم تعد موثوقة. وكانت المنطقة قد أدركت بالفعل عام 2011 أن واشنطن لا تستطيع حمايتها من التهديدات الداخلية. فإذا لم يكن بالإمكان حتى التعويل على واشنطن لاستشارة حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تداعيات مغامراتها الإقليمية، فما قيمة الوعود التي تقطعها؟ لقد انهار الترتيب الأساسي الذي عرضته الولايات المتحدة، ولن يكون من السهل إعادة بنائه.
هذه المرة الوضع مختلف
أصبح من الشائع وصف الحرب الإيرانية بأنها لحظة “السويس 1956” بالنسبة إلى واشنطن. ولا شك في أن هناك أوجه تشابه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، وهو مخطط حقق نصراً سياسياً مدوياً للرئيس المصري جمال عبد الناصر. وأصبحت السويس رمزاً لانهيار الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية ساد خلال الحرب الباردة. لكن أزمة السويس لم تُنهِ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط على الفور. فقد واصلت فرنسا حربها للحفاظ على الجزائر ست سنوات أخرى، وظلت المملكة المتحدة القوة المهيمنة في الخليج لعقد ونصف، حيث حاربت حركات التمرد في عُمان واليمن الحالي قبل انسحابها النهائي من المنطقة عام 1971. فالأحداث عموماً تحتاج إلى وقت لكي تتكشف تداعياتها بالكامل.
وعلى نحو مماثل، ستستغرق الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران وقتاً لتتبلور وتظهر. على المدى القريب، لن يزول النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن. وقد تتخلى الولايات المتحدة عن القواعد العسكرية التي دمرتها إيران، لكنها ستظل تلعب دوراً محورياً في الدفاع عن المنطقة. ومن غير المرجح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن فوراً. وربما تعمد، خوفاً على مستقبلها، ولعدم وجود بدائل واضحة، إلى تعزيز علاقاتها بها، كما حاولت السعودية أن تفعل عندما أبرمت اتفاقاً نووياً طال انتظاره، قبل أن يغيّر ترمب بنوده في اليوم التالي، تاركاً الاتفاق معلقاً في حالة من عدم اليقين. ومن غير المرجح أيضاً أن تشكّل هذه الدول أي تهديد عسكري لإسرائيل أو أن تقترب من إيران أكثر مما تقتضيه الضرورة. أما الشرخ بين الولايات المتحدة وإسرائيل، على الرغم من كونه حقيقياً وأن أثره قد يستمر لعقود، فلن يؤدي إلى تفكيك هذا التحالف قريباً.
وقد لا تبدو التعديلات الطفيفة التي تبدأ الجهات الفاعلة الإقليمية في إجرائها ذات أهمية كبيرة في البداية. فلطالما دأبت الدول على اتباع أجنداتها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأميركية. وحتى أكثر حلفاء الولايات المتحدة اعتماداً عليها أتقنوا فنون المماطلة والتحرر من القيود وممارسة الضغط السياسي على واشنطن. وهم سيواصلون الانخراط في صراعات محلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتهم، ومحاولة ضمان أمنهم. وأحياناً سيعني ذلك التعاون مع واشنطن، وأحياناً أخرى لا.
إلا أن استمرار الوضع على المدى القصير لا يعني بالضرورة قدرته على الاستمرار على المدى الطويل. فبحلول أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية قد أصبح حتمياً، ليس بسبب فشل سياسي واحد، بل بسبب صعود النزعة القومية ومناهضة الاستعمار، فضلاً عن الإنهاك الاقتصادي والسياسي الذي أصاب النموذج الإمبراطوري الأوروبي. كذلك، كان النظام الأميركي في الشرق الأوسط يتدهور منذ سنوات مع تراكم الإخفاقات في السياسات التي اتبعتها واشنطن والإخفاقات المرتبطة بالسياسية وصنع القرار، وصولاً إلى فقدان الهدف المشترك والعجز العسكري الذي كشفت عنه الأزمات الأخيرة.
ستميل واشنطن إلى التمسك بالسياسات التي حددت نهجها في الشرق الأوسط لعقود، معتمدة على علاقاتها مع قادة يشعرون بعدم الأمان، وينتهجون القمع. وهم يسودون المشهد الذي صممته بنفسها. وإذا أصرّ القادة الأميركيون على النهج نفسه، فعليهم توقع النتيجة نفسها: منطقة تعاني من عدم استقرار دائم، وفشل اقتصادي وسياسي، واندلاعات متكررة للصراعات العنيفة. وقد لا تستدعي هذه الصراعات تدخّل القوات العسكرية الأميركية إلا من حين إلى آخر، لكن الفوضى ستتطلب اهتماماً أميركياً باستمرار، وستستنزف الموارد بلا جدوى. وستستمر الحروب الأبدية.
قد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصناع السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على العلاقات مع جهات فاعلة سيئة. لكن واشنطن لا تستطيع منع الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئاً لم يتغير. فالحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة سيصبحون أكثر استقلالاً في قراراتهم وتصرفاتهم. وقد يعني ذلك أحياناً السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا خلافاً لرغبة أميركا.
وستُشكّل قوى غير خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة هذا النظام الناشئ. فإسرائيل، على سبيل المثال، مصممة على الاستمرار في التدخل العسكري بغض النظر عن التفضيلات الأميركية. وقد واصلت حربها مع “حزب الله” في تحدٍ لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي جرى التوصل إليها في يونيو (حزيران) الماضي، ولم تُبدِ أي استعداد لسحب قواتها من جنوب لبنان. ويصر المسؤولون الإسرائيليون على أن بلادهم ستحافظ على وجود عسكري في سوريا أيضاً. ومع غياب أي ضغط داخلي جدي يدفع إلى تبني سياسات أكثر اعتدالاً، لا يوجد ما يقف في طريق ضم إسرائيل للضفة الغربية وتدميرها الكامل لغزة.
وإيران، مثل إسرائيل، لديها كل الحوافز لاتباع سياسات تُديم حالة عدم الاستقرار. فاستمرار الصراع يساعد النظام على تحميل الآخرين مسؤولية الظروف العصيبة، وتبرير استراتيجية المقاومة أمام الشعب الإيراني. وقد احتفظت إيران بقدرتها على إثارة العنف. وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلاد جراء الحرب، فإن النظام لا يزال قائماً، وتزايدت قوته الإقليمية. كذلك، أظهرت إيران قدرتها على السيطرة الفعّالة على مضيق هرمز وضرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن غير المرجح أن تؤدي انتكاسات حلفاء مثل “حزب الله” إلى إنهاء قدرة طهران على بسط نفوذها من خلال وكلائها بشكل دائم. أما الضغط الأميركي على الحكومات الضعيفة في العراق ولبنان لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، فقد يفضي إلى اندلاع صراع إضافي تكون فيه اليد العليا لحلفاء إيران.
وستبتعد الاصطفافات الإقليمية أكثر عن التحالف المناهض لإيران الذي يتصوره المسؤولون الأميركيون. وبدلاً من الاعتماد على الحماية الأميركية، قد تسعى دول إلى إبرام صفقات جانبية مع إيران لتجنب إدراجها على قائمة الأهداف. وبدلاً من اتباع نهج واشنطن، من المرجح أن تدور السياسة الإقليمية حول منافسة متزايدة على الهيمنة.
أخيراً، ستتعرّض معظم الأنظمة لضغوط شعبية متزايدة، مع امتداد تداعيات الحرب الإيرانية إلى اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضررت بنيتها التحتية جراء الضربات الإيرانية فحسب، ففي مصر، على سبيل المثال، تتفاقم الأزمات المالية وأزمات البطالة القائمة أصلاً بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والغذاء، والخسائر الهائلة في إيرادات قناة السويس نتيجة تعطّل حركة الشحن العالمية بسبب الحرب. وهناك دول كثيرة متضررة أصلاً من خفض المساعدات الأميركية قد تفقد مصدراً حيوياً آخر للاستثمار الخارجي، في وقت تواجه فيه دول المنطقة الثرية مشكلاتها الاقتصادية الخاصة.
الفرصة الأخيرة
قد يؤدي الزوال العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى زعزعة أي محاولة لإقامة نظام جديد فعال أو حتى إلى إحباطها تماماً. لكن هذه اللحظة يمكن أن تكون أيضاً فرصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة التفاهمات الأساسية التي أفرزت مثل هذه النتائج المدمرة. ويقتضي وضع سياسة جديدة للشرق الأوسط على المسار الصحيح إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع حلفاء باسم البراغماتية. كما افترضت أن ترديد كلمات جوفاء حول دعم حل الدولتين، بينما تواصل إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً وتتجنب الدخول في مفاوضات سلام حقيقية، سيكون كافياً لإبقاء حلفائها العرب في صفها. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تفكر قط في تبني سياسات تحظى بقبول شعوب المنطقة، أو حتى بدعمها. كما يعني أن واشنطن لم تستطع قط الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأن استراتيجيتها كانت تعتمد على غيابهما.
ولن تغير إدارة ترمب، المُستهزئة بالديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، هذا الواقع. فمن الصعب تصور ترمب، الذي يتأرجح بين الاستراتيجيات بصورة حادة، وهو يُصمّم نظاماً إقليمياً جديداً من أيّ نوع. لكن خليفته سيحظى بفرصة حقيقية للخروج عن الوضع القائم وصياغة استراتيجية أكثر تماسكاً وفاعلية تجاه الشرق الأوسط. ويبدأ ذلك بالتخلي عن استخدام التدخل العسكري كخيار أول، وإنهاء ممارسة الدبلوماسية القائمة على الضربات الجوية. وينبغي أن تكون الأولوية بالنسبة إلى واشنطن هي الدفاع، وليس الهجوم. وإحدى الطرق لتوضيح هذه النية تتمثل في التخلي عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية المتضررة أو المدمرة في أنحاء الخليج، والتركيز بدلاً من ذلك على الاستثمارات في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي للشركاء الخليجيين، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال الدبلوماسية والدفاع الجماعي، وليس من خلال الاحتواء العسكري. فقد كشفت كارثة إيران بشكل كامل خواء الدعوات المتشددة إلى الحرب والوعود باتخاذ إجراءات حاسمة. وحان الوقت لكي تلتزم واشنطن بعملية دبلوماسية يمكن أن تدمج إيران في النظام الأمني الإقليمي كشريك ملتزم بنجاح هذا النظام. وقد تكون دول المنطقة منفتحة على مثل هذا النهج على الرغم من غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة. ففي نهاية المطاف، توصلت السعودية وإيران إلى تقارب عام 2023 بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني. واستحضرت إدارة أوباما رؤية مماثلة عندما كانت تتفاوض بشأن الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، بل إن نائب الرئيس جي دي فانس تحدث هو الآخر عن الاستعداد “لإحداث تحول جذري” في علاقة الولايات المتحدة مع إيران في أعقاب اتفاق جديد. فالرغبة في ذلك موجودة، لكن على الإدارة الجديدة أن تُثبت سريعاً وبحزم عزمها على المضي قدماً في هذا المسار.
تجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه
ويجب أن تمتد إعادة ضبط السياسة الأميركية أيضاً إلى الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع حلفائها. ويشمل ذلك إسرائيل. فالظروف مهيأة لإعادة التفكير في العلاقة الأميركية الإسرائيلية: فبحسب استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو الماضي، يرى ما يقرب من ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً لإسرائيل. وفي منتصف يوليو (تموز) الماضي، صوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون يقطع المساعدات العسكرية الأميركية عن إسرائيل. وينبغي للإدارة القادمة استغلال هذا الزخم لفرض نوع الضغط على إسرائيل الذي أحجمت الحكومات الأميركية طويلاً عن ممارسته. وليس مطلوباً من واشنطن التخلي عن حليفتها، لكنها ينبغي أن تطالب إسرائيل باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف الضم التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
وعلى نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تعيد الولايات المتحدة الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن، وأن تتوقف عن حث الحكومتين العراقية واللبنانية على نزع سلاح الميليشيات العراقية و”حزب الله” قبل أن تكونا على أتم الاستعداد للقيام بذلك. أما الاستقرار على المستوى الداخلي، فيتطلب تغييراً ديمقراطياً. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني ذلك تشجيع سياسات الإصلاح، بما في ذلك حماية حقوق الإنسان. لكن لن يكون من الممكن إجراء تحول حقيقي في النظام الإقليمي من دون معالجة الاختلالات البنيوية في أنظمته السياسية.
ولن تؤدي السياسات الأميركية الجديدة إلى إنشاء شرق أوسط مستقر ومسالم بين عشية وضحاها. وفي البداية، لن تحظى على الأرجح إلا بقدر ضئيل من التأييد الشعبي في منطقة اعتادت على النفاق الأميركي وإساءة استخدام القوة. وفي وقت لاحق، من المرجح أن يؤدي ظهور حكومات أكثر استجابة لإرادة شعوبها في المنطقة إلى متاعب كبيرة، مع تنافس السياسيين الطموحين على إدانة الولايات المتحدة والتنديد بها. لكن على المدى الطويل، من المرجح أن يكون الشرق الأوسط الذي يضمّ أنظمة أقل استعداداً لاتباع نهج واشنطن في سياساتها غير الشعبية، أو أقل ميلاً لقمع المعارضة الشعبية، أكثر استقراراً من الشرق الأوسط الحالي. وتجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه، وفي التفكير في بدائل حقيقية للنظام الإقليمي القائم، مهما بلغ فشله. لكن ذلك النظام يتداعى ويوشك على الانتهاء، وقد تكون هذه آخر فرصة أمام القادة الأميركيين لتغيير المسار. وإذا عجزوا عن ذلك، فسوف يشاهدون الشرق الأوسط الأميركي يتلاشى، تماماً كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.
مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة “جورج واشنطن”، ومؤلف كتاب “الشرق الأوسط الأميركي: دمار منطقة”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، سبتمبر (أيلول)/أكتوبر (تشرين الأول) 2026
