فجأة، ودون سابق إنذار، قفز رجل من العدم ليتولى سدة الحكم في أهم وأغنى دولة في المنطقة. شخص جاء من المجهول، لا اسم ولا حزب ولا كتلة برلمانية تدعمه، ولا تحالف سياسي يؤيده ويقف خلفه. جاء ممتشقًا سيفه ليعلن حربًا على الفساد والمفسدين، واستطاع خلال فترة قياسية أن يحقق انتصارات على أوكار الفساد تفوق ما أنجزه كل رؤساء الوزارات مجتمعين منذ عام 2003. انتصارات حقيقية وليست دونكيشوتية على طواحين الهواء! استطاع هذا “البطل” الذي جاء من غياهب المجهول أن يزج في السجون العشرات من صغار حيتان الفساد، ويعيد بعض الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة. هل هذا معقول؟ كيف لرجل واحد أن يتحدى مافيا الفساد التي يرعاها كبار رجال المال والسياسة في البلاد؟ ومن أين له كل هذه الثقة والقوة؟
هذه الخوارق موجودة في زمن “دونالد ترامب”، حيث كل شيء معقول وجائز: أن يتحول مجرم عالمي فجأة إلى شخصية دولية مرموقة، والعكس بالعكس. كما صنع من رجل وُصف بأنه إرهابي يقود تنظيمًا إرهابيًا لسنوات طويلة، محكوم عليه بأقصى العقوبات الدولية، سياسيًا بارزًا ورئيس دولة مفصلية، يستقبله رؤساء الدول بالقبلات والأحضان، ويفتحون له أبواب المجد والسعادة لبلده من خلال تدفق الشركات الاستثمارية ورؤوس الأموال الغربية إليه من كل حدب وصوب.
فجأة، يتحول “محمد الجولاني” ذو الخلفية الإرهابية حسب التصنيفات الأميركية إلى الرئيس “أحمد الشرع”، الرجل الوقور الذي دانت له كل القوى والمكونات السورية بعصا سحرية، وخضعت له الرقاب حتى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وزعيمها الجنرال “مظلوم عبدي”، الحليف الذي خدم السياسة الأميركية لعقود وحارب نيابة عن القوات الأميركية تنظيم “داعش” الإرهابي ببسالة وتفانٍ في الدفاع عن المصالح الأميركية. هذا المحارب الصلب ضحى به ترامب بكل سهولة، ودفعه إلى تفكيك قواته وتسليم سلاحه إلى الدولة، وإمعانًا في إذلاله أكثر، عيّنه “مستشارًا” لأحمد الشرع، وليس وزيرًا للدفاع مثلًا، تكريمًا لخدماته الطويلة!
◄ بين لعبة الإصلاح المحدود وضغوط أميركا لنزع سلاح الفصائل يقف الزيدي أمام اختبار مصيري: إما ضربة قاصمة للكبار أو خروج من المشهد
و”علي الزيدي” يشبه إلى حد بعيد “أحمد الشرع”. الاثنان شكّلا مفاجأة كبيرة لدى الدوائر السياسية العالمية بتصدرهما الصاروخي المشهد السياسي في سوريا والعراق، مع فارق أن الشرع محارب عنيد، والزيدي تاجر ومستثمر لم يسمع عنه أحد. الاثنان استلما السلطة بمباركة “ترامبية” لا مثيل لها، واستُقبلا في البيت الأبيض بالأحضان والقبلات. غير أن الأول، أي الشرع، تناغم تمامًا مع التوصيات الأميركية ولم يخرج عن المسار الذي وُضع له، في حين أخفق الزيدي في “نزع السلاح” عن الفصائل، أو يبدو أنه سيخفق ولن يستطيع إكمال المهمة. حاول الرجل أن يوازن بين السياسة الأميركية والإيرانية ويُخرج العراق من الصراع الأميركي–الإيراني، وهذا مستحيل!
ورغم أنه أظهر براعة في سياسة الإصلاح المحدودة التي قام بها ضد صغار حيتان الفساد وضعافهم، فطاردهم وأنزل عليهم أقصى الإجراءات القانونية، سواء بهدف كسب الدعم الشعبي وقد ناله، أو بهدف إخافة كبار حيتان الفساد، وفق ما قام به “عنترة بن شداد” عندما سألوه عن سر شجاعته فقال: “سر شجاعتي أنني أضرب الضعيف الجبان ضربة يخاف منها الشجاع ويطير لها قلب الشجاع”.
فهل يتحضر الزيدي لتوجيه ضربة قاصمة لكبار الحيتان، أم سيستمر في السياسة الفذة التي سلكها “عنترة”، وينشغل بالصغار ليخاف الكبار؟ هذه اللعبة لن تروق لأميركا التي تريد وضع حد قاطع وحاسم لسلاح وكلاء إيران في العراق، وضمن جدول زمني معين ألزم الزيدي نفسه به وهو 30 سبتمبر، دون تحريف أو تبديل أو تلاعب بالألفاظ. ورغم أن مستشاره الأمني قاسم الأعرجي قد صرّح أن هذا الموعد ليس “مهلة نهائية صارمة لتسليم السلاح”، فإن الزيدي لزم الصمت المريب إزاء هذا الخرق الواضح، والصمت دائمًا علامة رضا.
وطبعًا هذا التراجع يعني لأميركا البحث عن شخص آخر بديل، يكون أكثر صرامة وقوة وسلاحًا ونفوذًا عسكريًا.