أبدأ مقالي بهذا التساؤل: في كتاب “الضحك والنسيان” الصادر عن المركز الثقافي العربي، ترجمة محمد التهامي العماري، ماذا يريد ميلان كونديرا أن يخبرنا من خلال هذا العنوان الملفت؟ فالسؤال يتبادر إلى ذهن المتلقي/ القارئ بمجرد أن يسمع/ يقرأ عنوان العمل، ما الذي يثير ضحك الإنسان؟ وهل ما يثير الضحك قابل للنسيان؟ ما أعلمه أن الذي يثير الضحك ليس قابلًا للنسيان، إذ يمكننا لسنوات طويلة أن نحتفظ بفكاهة أضحكتنا لدقائق زمنية، ولا نستطيع حتى الآن نسيانها، رغم مرور سنوات طويلة عليها. والضحك في هذهِ الحالة مرحٌ، لكنه لا يكون في مواضع أخرى ناتجًا عن سماع فكاهة، بل استهزاءً وسخرية من موقف أو حديثٍ ما. إذًا للضحك أسبابه الخاصة. مثلًا: المرح والسخرية والخديعة. فالضحك محاكاة كما المسرح تمامًا. لكن ماذا عن النسيان؛ نسيان الذي أضحكنا في الفكاهة، والذي أضحكنا في السخرية؟ ففي كلا الحالتين نشوة للمنتصر؛ في الأولى على الحياة، والثانية على الخصم، فيكون الضحك الساخر هو أفضل جواب لإصابة الهدف. بينما الحالة الأولى تبقى عصية على الفهم بسؤال آخر يتبادر إلى ذهننا مرة أخرى؛ هل كانت الضحكة مجرد فاصل إعلاني قبل العودة إلى طبيعة حياتنا، وما تحمله من الصعاب، أم الهروب من قسوة العيش كحالة وجودية؟
الضحك والنسيان أداة للتعبير
في الجزء الأول من الكتاب المعنون بـ “الرسائل الضائعة” يشير ميلان كونديرا إلى تاريخ الشيوعية في بوهيميا، بعد أن ألقى الزعيم الشيوعي كليمان غوتوالد كلمته من شرفة قصرٍ في براغ، يعود تاريخها إلى العصر الباروكي، محاطًا برفاقه. بجانبه وقف كليمانتس والثلج بدأ يتساقط، فيقوم كليمانتس بوضع قبعته الفرو على رأس كليمان العاري. تلك إشارة من الكاتب إلى شكلية العلاقة بين رِفاق الفكر ورمزيتها. والضحك هنا تعبيرٌ عن التأسف عن مفهوم الصداقة/ الرفقة، إذ أصبحت حالة رمزية جُردت من مضمونها المدني في العرف السياسي، فهي بنيت على الإيمان بقيم الحزب وأهدافها، فالمصلحة الحزبية تجمعهم وليست المودة؛ ثم إلى هيمنة جهاز الدعاية والإعلام الأيديولوجي في مدى تأثيره على العقول التي طبعت مئات الآلاف من تلك الصورة ــــ صورة وضع كليمان لقبعته الفرو على رأس كليمانتس أثناء إلقاء الخطاب، والتي اكتسبت شهرة واسعة بين الأطفال لكثرة مشاهدتها في الكتب المدرسية والمتاحف والملصقات.
لكن بعد أربع سنوات من ذلك سيشنق كليمانتس بتهمة الخيانة، فتقوم أجهزة الدعاية والرقابة التشيكوسلوفاكية بمحو أثر الصورة من التاريخ، ولا يبقى شيئًا من أثره سوى تلك القبعة. بينما النسيان رد فعل وتحفيز للذاكرة العامة من الضياع. فالسلطة لا تعترف بالصداقة، والاثنان كليمان غوتوالد وكليمانتس لا يعرفان شيئًا عن تاريخ مدينة براغ والتغيرات التي طرأت عليها في حقبٍ سابقة، بينما الأديب يعرف جيدًا. فالسلّم الذي صعداه لبلوغ الشرفة التاريخية كان كافكا يصعده يوميًا لمدة ثماني سنوات؛ وذلك دلالة إلى أسبقية الأديب في المعرفة، وإشارة صريحة إلى أن الإنسان السياسي لا يهمه شيء سوى السلطة.
وفي الفصل ذاته، يشير كونديرا إلى معنى كلمة “المثقف” وفقًا لرأي السلطة السياسي، ومعناه “شتيمة”، ذلك إشارة منه إلى مدى هيمنة سلطة الدولة وتأثيرها على عقول الأفراد وتجريد الكلمة من مضمونها الأصلي بما يناسب منطقها الفكري. فكثير من الشيوعيين شنقوا رفقاءهم بهذهِ التهمة “مثقف”، فالسلطة استوضحت معناه حسب وجهة نظرها الفكري “من لا يفهم الحياة واختار الانفصال عن الشعب”. وكان للكلمة وقع آخر، إذ قالت زدينا إن ميريك جامعها كما المثقفين، ودلالة ذلك مدى هيمنة السلطة على الإنسان وتأثيرها على العقول، حتى في علاقة حميمة جمعت اثنين على سرير واحد، لكن تأثير فكر السلطة على زدينا أفسد ذلك. والضحك هنا أداة نقدٍ ساخرة من عقلية السلطة، فالدستور يضمن حرية التعبير، لكن القوانين تعاقب كل ما يمكن أن يمس الدولة. بينما النسيان هو رفض عقلية السلطة وإهانة للفرد ووضعه في خانة الموالين لها. وميريك صاحب مقولة “نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان”، كان ملاحقًا من قبل السلطة وأنظار مؤيديها كونه كان يواظب على كتابة مذكراته، وذلك دلالة أخرى على أن الإنسان المؤدلج ليس سوى إنسان آليّ يتم التحكم به وفق ما تشحنه السلطة من بياناتها الخاصة، وهي دلالة ترميزية إلى ثقافة القطيع، بينما ميريك ترمز إلى الفرد الحر الذي يترفع أن يكون فردًا متبعًا.
والسخرية أيضًا من الحروب الدموية التي حصلت في تشيكيا بعد تناوب احتلالين عليها؛ الأول الجيش الألماني، والثاني الجيش الروسي. بعد طرد الأول من بوهيميا، وأعيدت تسمية البلد جمهورية مستقلة، ثم وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في البلاد من دون أن تراق قطرة دمٍ واحدة، لأنهم كانوا يملكون أفكارًا مثالية في تحقيق العدالة للجميع، وتلك لفتة من الكاتب أن الشعوب تحب من يوفر لها العدالة. لكن الأمر تغير فيما بعد، فالمثالي تحول إلى مهيمن، وتلك دلالة نيتشاوية في التعبير. ميريك وابنه يُعتقلان من قبل بوليس السلطة بعد وشاية، والمثالية التي أوصلت الشيوعيين إلى سلطة الحكم تذهب سدى.
يضع كونديرا الإنسان ككائن موجود على محك العيش من خلال سؤاله “هل حقًا الدبابات أهم من الإجاص؟” بدون أن يترك جوابًا للمتلقي، كأنه يخيّر الإنسان بين العيش في ظل دبابة أو في ظل شجرة مثمرة. ثم ينتقل متسائلًا عن ممارسة فعل الضحك باقتباس تساؤلي من كتابٍ عنوانه “كلام امرأة”: هل يُهتم بالضحك، كأن الضحك حالة مادية تُلمس باليد، كما الشجرة تمامًا تحتاج إلى العناية؟ والضحك بطبيعته حالة وجودية تعبّر عن الموجود الشعوري.
ثم يستكمل “الضحك الحقيقي الذي يتجاوز المرح والسخرية والسخافة”، وعلى حد تعبيره “الضحك متعة عظيمة وعارمة، بل وكل المتعة”، فيشير إلى ضحك الخداع، الضحك الشيطاني من خلال ذلك الشيوعي الذي تلقى تكوينه في موسكو وآمن بقراءة الطالع، ثم إلى ضحكة الأمل بعد أن تتعرض السيدة (ر) لاستجواب أمني بسبب كاتب مقالات الأبراج التي تُنشر في زاوية مجلتها.
وفي الحقيقة لم تكن المشكلة في زاوية الأبراج، بل في هوية كاتب الأبراج، كونه كان من الأشخاص المعارضين للحزب والدولة. وإن السيدة (ر) خالفت النظام الداخلي في توظيف مثل هؤلاء الأشخاص، فالضحك والنسيان أدبية الأدب للدخول إلى عوالم النص، كالحديث عن تاميتا التي غادرت هي وزوجها البلاد لأسباب سياسية، وتأخرها في طلب كراساتها التي هي يوميات ومراسلات ذات فحوى سياسية من حماتها، ذلك لأن البوليس السري في بلدها الأم يراقب المراسلات، وزوجها المتوفي حديثًا كان اسمه مسجلًا على اللائحة السوداء التي تُعدها الحكومة حتى لو كان المطلوب ميتًا، لذا كانت تقول: إننا لا نحظى بالخلود إلا في أرشيف البوليس. نأخذ عبارتها هذه على محمل التورية الثقافية، ونترك الجواب للذين يؤيدون حكومات بلدانهم، ثم امتداح فكرة الكتابة وانتشارها في جميع الأوساط بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والعاشقات والقتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى.
يُثبت لي أن كل إنسان وبدون استثناء يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل بني آدم إلى الشارع ويهتف: كلنا كتّاب. والغاية من مديحها هي غريزة البقاء، أي الحفاظ على أثره في الوجود من خلال الأحداث التي يكتبها الكاتب، فللكلمة أثر في حياة الإنسان بعد موته. ثم يشيد برغبة التحدث من خلال هوغو الذي يرغب في تأليف كتاب يكسر كل التابوهات، كتاب سياسي عن الحب. نفهم أن كسر التابوهات من خلال الكتابة، يعني التحرر من الإشكاليات التي تعيق من حرية الفرد، ويمتدح لغة بلده تشيكيا من خلال كلمة الليتوست التي لا مقابل لها في لغات العالم، وهي حالة من العذاب الناشئة عن مشهد بؤسنا الخاص المنكشف فجأة.
وعن الكتاب يقول ميلان كونديرا في كلمة على غلافه الخلفي “إنها رواية حول تامينا، وفي اللحظة التي تختفي فيها تامينا عن الأنظار، تصبح رواية من أجل تامينا، فهي الشخصية الرئيسية، وهي أيضًا المستمع الرئيس، وكل الحكايات الأخرى ما هي سوى تنويع لقصتها الخاصة، وتتلاقى في حياتها كما في المرآة. إنها رواية تدور حول الضحك والنسيان، حول النسيان وحول براغ، حول براغ وحول الملائكة”.
إذًا جغرافية السرد واقعية مدينة براغ، صيغة سرد العمل بوليفوني، وذلك ما ناسب فكرة “الضحك والنسيان”. فيه يجتر الذاكرة من أدق تفاصيل الحياة اليومية المسحوبة بالمشاعر المختلطة بين الفرح والحزن، التي أثرت فينا فضحكنا منها مرة وسخرنا مرة أخرى، واستمتعنا لنعبّر عن موقفنا منها. فالضحكة كانت جوابًا، بينما كان النسيان رد فعلٍ عكسي “قاوم النسيان”. كونديرا أراد بالضحك القول إنه بليغ في الإشارة إلى الغموض التي تعجز عنه المنظومات الفكرية التي أقحمت نفسها في هذهِ التجارب، سواء أكانت منظومات فردية أو مجتمعية، بينما النسيان ليس فعل الذاكرة وإنما مرتبط بالضحك، لأن الضحك ينقلنا من الارتباط العضوي بالوجود الإنساني بمعارفه وأنظمة حكمه، فهو ينقلنا إلى نقطة خارج هذا السياق لننظر من خلاله إلى اللاعب المعرفي المرتبط بالوجود الإنساني، ومصيره وقدرته في التعامل مع الأشياء، فالضحك يمنحنا النظر إلى كوميديا المأساة الإنسانية.
* كاتب سوري.