ولكن، هل هنالك قصدية ضمنية علوية دينية أو روحية كانت موجودة كشبح خفي في أيديولوجيا ودوافع النظام السوري؟ لا دليل على ذلك. لو وُجِدت يوتوبيا دينية أو أجندة طائفية علوية لم يكن حافظ الأسد ليقمع أي إكليروس ديني علوي يحاول أن يمركز نفسه روحيًّا داخل الطائفة بمعزلٍ عن النظام، ولم تكن ستوجد شخصيات سنية مفصلية وحاسمة في “الدولة الباطنية” المؤثّرة والمتنفّذة، لا “الدولة الظاهرة” القشرية وعديمة التأثير، ولم يكن حافظ الأسد ليغض الطرف عن تغوّل نفوذ المؤسسة الدينية السنية التقليدية وتحويلها إلى الدين العام الافتراضي للمجتمع. في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مثلًا، تحقيق مبدأ ولاية الفقيه هو غاية دستورية قصوى منصوصة علنًا في الدستور. هنالك اتفاق وإجماع شبه كامل بين دارسي حقبة الأسد بأنّه كان معجبًا بنظام كوريا الشمالية حيث استطاعت أسرة حاكمة أن تورِّث أيديولوجيا اشتراكية شعبوية، ووليد جنبلاط في سلسلة لقاءاته التي تعرض مؤخّرًا في برنامج “شاهد على العصر” مع أحمد منصور، يقول بأنّ حافظ الأسد في أحد لقاءاته مع كمال جنبلاط، قال له بأنه لا يؤمن بكيانات مثل سورية ولبنان وفلسطين، في إشارة إلى الميول القومية السورية لحافظ. وهذه كلها علامات لا تتسق مع وجود أي غائية دينية علوية بالمعنى الروحي في سلوك النظام السوري.
والحال فإنّ مقولة “النظام السوري كان علويًا” يجب أن تكون فعّالة وشغّالة مثل مقولة “النظام السياسي الإسرائيلي هو نظام يهودي”. في حالة الدولة العبرية، القصدية الغائية اليهودية في جذر الدولة الإسرائيلية شفافة وقابلة للإثبات بسهولة. قانون القومية الذي صدر في يوليو/ تموز سنة 2018 يقول علنًا بإن إسرائيل هي دولة لليهود فقط، كما أنّ المقولات اليهودية التوراتية متجذرة سياسيًا بعمق في كافّة اتّجاهات الطيف الحزبي الإسرائيلي، والمزحة اللماحة بأنّ “مشكلة اليسار الماركسي الإسرائيلي هي قناعاته التوراتية” هي أبلغ إشارة إلى هذه الغائية اليهودية. في عمق المشروع الصهيوني أيضًا قصدية مادية تفضيلية يهودية تقوم بشكل فعال وممنهج بإفقار وإقصاء وتكسير الفلسطينيين مقابل تحسين كافة أوضاع اليهود وتعزيز أحوالهم. إذا كان النظام السوري علويًا فعليه أن يُظهر محركًا علويًا داخليًا شبيهًا بالمحرك اليهودي الداخلي في الدولة العبرية. وإطلاق أمجد يوسف لشعارات طائفية عند ارتكاب جرائم لا يجعل من النظام علويًا بالشرط الغائي، وعدم إطلاق الجيش الإسرائيلي بمعظمه لشعارات طائفية أثناء عملياته العسكرية ضد الفلسطينيين لا يجعل من النظام الإسرائيلي نظامًا غير يهودي. بل سأزيد الطين بلة وربما أضغط على عصب الكثيرين وأزعم أنّ القصدية السنية في نظام هيئة تحرير الشام أوضح وأقوى بما لا يقاس من الغائية العلوية في نظام آل الأسد. ألم يقل أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي لرئاسة سلطة الشرع، بأنّ هوية سورية والهويات الوطنية فُرضت على سورية عبر سايكس بيكو وعزّز طرح فكرة “الكيان السني”؟ وألم يكن أحمد الشرع حين كان في هيئة أبو محمد الجولاني يشير علنًا إلى “مشكلة النصيرية” في مقابلاته ونداءاته؟
ولكن مهلًا، من المسؤول عن إكساب مقولة “النظام السوري كان علويًا” معقوليتها السياسية ورنّتها على الأذن؟ ألم تكن تصمت فورًا وتغيّر الحديث عن السياسة حين كنتَ تسمع اللهجة العلوية؟ ألم تكن نسبة العلويين في الجيش والأمن أكبر بما لا يُقاس من نسبتهم الكمية في المجتمع؟ هذا كلّه صحيح، ولكنه لا يزال غير كافٍ لتوليد مقولة “النظام السوري كان علويًا”.
ربما من المفيد هنا التمييز بين أجهزة العنف ومؤسسات السلطة، بين الإكراه والهيمنة. الوجود غير المتناسب للعلويين في أجهزة العنف لا يكفي لوصف كل مؤسسات السلطة بأنّها علويّة. اصطباغُ أجهزة العنف بالطابع الأهلي العلوي لا يكفي لإقرار اصطباغ كل مؤسسات السلطة بالطابع الأهلي العلوي. الخطأ هو المطابقة بين العنف والسلطة، بين “أجهزة الدولة القمعية” و”أجهزة الدولة الأيديولوجية”، بلغة ألتوسير، والاعتقاد بأنّ لا شيء يبقى خارج هذه المطابقة، وأنّ مجموعة العنف الإكراهي متطابقة تمامًا مع مجموعة هيمنة السلطة. العنف شرط لازم، لكنه ليس كافيًا للسلطة، ومؤسسات السلطة تتضمن أجهزة العنف، لكنّ العكس غير صحيح. بالنهاية لا يمكن أن تحكم بلدًا كبيرًا ومعقدًا مثل سورية فقط من خلال سجن صيدنايا والقوة المحضة العارية. مؤسسات الهيمنة أوسع بما لا يقاس، وهي تتضمن أدوات الإقناع الأيديولوجية وجهاز الإعلام والبعثات الدبلوماسية والاقتصاد السياسي وشبكات المجتمع المدني واتحاد الكتاب العرب والدراما الرمضانية وقطاع التعليم وبيروقراطية الدولة. لا يمكن القفز من مسألة هيمنة العلويين على أجهزة العنف إلى فرضية هيمنة العلويين على مؤسسات السلطة. ومن يعتقد ذلك عليه أن يُقرّ بأنّ الطائفة العلوية خارقة القدرة وكلية التأثير وقادرة على التحكم بكل شيء، وأنّها الفاعل السياسي الأوحد في كل من مؤسسات السلطة وأجهزة العنف. وهذا أيضًا يتناقض مع البداهة السورية النزيهة بالحد الأدنى. من موقعي كسوري كردي، حيث الإقصاء شبه كلي من مؤسسات السلطة وأجهزة العنف، يبدو لي الفرق بين الإكراه والهيمنة واضحًا، والنظام بعثي مركزي في منطقة الجزيرة أكثر من كونه طائفيًا علويًا. ومنطقة الجزيرة هي ثلث البلاد. أكثر من ذلك، يوميًا يخرج علينا في بودكاست شخصية تسرد لحظاتها الأخيرة مع بشار الأسد كصديق شخصي أو كرجل أعمال مقرب أو كدبلوماسي نافذ أو كمدير مكتب أو حتى أحيانًا كشخصية أمنية وعسكرية، وكلهم غير علويين. ما هذا النظام العلوي الذي ينزف من رقبته وأعداؤه على مشارف قصره وعلى وشك السقوط ولا يزال يتواصل مع غير علويين في لحظاته الأخيرة؟ لو كنتُ نظامًا علويًا، على الأقل في لحظاتي الأخيرة، لن أتواصل سوى مع علويين.
الشرط الثاني الذي يجب أن يتحقق كي تكون مقولة “النظام السوري كان علويًا” ذات قيمة هو أن يختار النظام المصلحة الوجودية طويلة الأمد للطائفة العلوية في حال سيناريو التعارض بين مصلحة الطائفة ومصلحة النظام. لو كان بشار الأسد وجماعته يفكّرون بمنطق طائفي علوي لاختاروا صفقة سياسية تضمن الأمن السياسي والوجودي للطائفة وفكّروا بمستقبلها. معروف أن بشار رفض كل الدعوات الدولية لإعادة تأهيل نظامه وسخر من المبادرات الأميركية ولم يردّ على نداءات رجب طيب أردوغان الذي كان يبحث عن صفقة سياسية مع الأسد حتى اللحظات الأخيرة. نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا كان نظام فصل عنصري أبيض بحق، ولمّا شعر آخر رئيس لجنوب أفريقيا قبل إزالة النظام العنصري الأبيض، دي كليرك (1936-2021)، بأنّ حركة نيلسون مانديلا المتزامنة مع مقاطعة دولية واسعة سوف تؤدّي إلى الإطاحة بحكمه، قرّر التفاوض مع مانديلا رغم أنّه كان لا يزال يمتلك قوة نارية قمعية هائلة على الأرض. فضل دي كليرك الحصول على ضمانات سياسية تحقق الأمن السياسي الطويل الأمد للجماعة البيضاء وتبعد شبح ردّ الفعل الانتقامي، وقرر الحل الكامل لنظام الأبارتهايد في مقابل حفظ حقوق الجماعة البيضاء. تجسّد ذلك في مسار المفاوضات الذي استمر بين عام 1990 وعام 1994، وانتهى بالاتفاق على “بند الزوال” Sunset Clause الذي يضمن دورًا للأقلية البيضاء في الحكم لفترة محددة، وتم اعتماد لجان المصالحة والحقيقة بدلًا من القصاص العشوائي المباشر، وتشكّلت إثر ذلك حكومة وحدة وطنية بين عامي 1994 و1999، كان فيها مانديلا رئيسًا ودي كليرك نائب الرئيس. ما هذا النظام العلوي الذي هرب بشكل سري وأناني وجبان مع عائلته المقربة وترك الطائفة تواجه مصيرًا غامضًا أمام مجموعة من الفصائل العسكرية الإسلامية والجماعات الجهادية؟ في فيديو بشار الأسد مع لونا الشبل أثناء زيارتهما إلى المناطق التي دمّرها في غوطة دمشق، يظهر بشار قرفًا واشمئزازًا وتأففًا واحتقارًا لضباط جيشه الذين يهرعون كي يقبّلوا يديه. ما هذا النظام العلوي الذي يحتقر العلويين المزعومين الذين يدافعون عنه بشبابهم وأولادهم؟
فشل النظام السوري في تحقيق شرطي الغائية وتفضيل مصلحة الطائفة على مصلحة النظام هو بالضبط ما لا يجعل منه نظامًا علويًا، حتّى لو ساد شعورٌ داخل أفراد الطائفة العلوية بأنّ مصيرهم صار مرتبطًا بمصير بيت الأسد. ربّما سيقول معترض بأنّ هذين الشرطين صارمان أكثر من اللازم، ويضعان بشكل مقصود سقفًا عاليًا لا يمكن أن يبلغه أي نظام على وجه الأرض. النسخة المتفق عليها من قبل دارسي الشأن السوري، هو أنّ نظام الأسد كان لديه إدراك حاد بأهمية المسألة الطائفية في ديمومة السلطة، وهذا ما يقتضي تنظيم شرايين وأوردة الثقة والولاء التي تنتهي إلى القلب القمعي على أساس يقيم وزنًا للمسألة الطائفية. ولكن حتّى هذا التوصيف الصحيح لا يكفي لإكساب أي شرعية لجملة “النظام السوري كان علويًا”. عبارة “استخدام الطائفة” الشائعة في الأدبيات السورية، تفرّق نفسها فعلًا عن عبارة “خدمة الطائفة”، والفرق بين العبارتين كبير، والأداتيَّة الاستخدامية تنقل المسؤولية الأخلاقية إلى نخبة النظام لا إلى الجماعة العلوية، حتى لو انحدرت نخبة النظام من الجماعة العلوية. النظام الذي تكون نواته القمعية مصبوغة بلون أهلي معين، لا يصبح أوتوماتيكيًا نظام تلك الجماعة. هذا ضروري جدًا لدحض الموّال الذي يطالب بالاعتذار الجماعي. اقتران مصلحة الطائفة العلوية مع مصلحة نظام الأسد هو ظرفي وعرضي، وليس جوهريًا وبنيويًا، وحقيقة هروب الأسد وفراره في اللحظات الأخيرة لا تشير سوى إلى الطابع العرضي لهذه العلاقة. ومنه، يمكن الجزم بأنّ عبارة “النظام السوري كان علويًا”، لا أساس لها، ولا تصمد أمام الحدس السوري النزيه بالحد الأدنى، ولا وجاهة في مطالبة العلويين، كعلويين، بالاعتذار.