
هناك شيء غريب في الطريقة التي نتحدث بها عن سوريا. نقول: سوريا خرجت من الحرب، سوريا عادت إلى المدرسة، سوريا نزفت، سوريا تعبت، سوريا ستنهض. نؤنّث البلاد من دون أن نتوقف عند الأمر، كأنّ اللغة وحدها تعرف أنّ البلد الذي نتحدث عنه ليس حجراً على الخريطة، بل كائن له ذاكرة وجسد ومزاج ومصير. لكن ما إن تنتقل المرأة من كونها جزءاً من اسم البلد إلى كونها جزءاً من مؤسساته حتى تبدأ المشكلة. تصبح كثرة النساء في التعليم موضوعاً يحتاج إلى تفسير، ويصبح حضور المعلمة أمام التلميذ شبهة على هيبة المدرسة، ويصبح الرجل في بعض التصورات التي ظهرت تحت قبة البرلمان السوري أخيراً، ليس مجرد معلّم محتمل إنّما حلاً لمشكلة اسمها ضعف السلطة.
لهذا، بدت جلسة مجلس الشعب في 14 أيلول، المخصّصة للاستماع إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو ومناقشة واقع التعليم، أوسع بكثير من المداخلتين اللتين أثارتا الجدل في اليوم التالي. كان المجلس يناقش وفق ما عرضه الوزير، منظومة تعليمية تستعد لاستقبال نحو ستة ملايين طالب، بعدما كان العدد نحو 5.3 ملايين في العام السابق و4.3 ملايين قبل سقوط نظام الأسد، فيما يقدّر عدد المتسربين بنحو مليوني طالب، وتواجه المدارس نقصاً في البنية التحتية، وتعمل الوزارة على معالجة أوضاع نحو 14 ألف معلم مفصول. وسط هذه الصورة الثقيلة، دخلت إلى النقاش مسألتان تبدوان للوهلة الأولى صغيرتين: هل نعيد ضرب الطلاب؟ وهل كثرة المعلمات أضعفت التعليم؟ لكنهما للحقيقة ليستا صغيرتين على الإطلاق. إنهما تفتحان باباً على السؤال الذي يهم أكثر: أيُّ صورة عن الإنسان تريد الدولة السورية الجديدة أن تضعها في رأس المدرسة؟
النائب الذي دعا إلى إعادة السماح بضرب الطلاب ضمن ضوابط، لم يتحدث عن الضرب بوصفه نزوة شخصية، بل منحه سنداً تربوياً ودينياً، مستشهداً بما اعتبره إجازة لاستخدام العقاب الجسدي في التربية. ولكن وزير التربية رفض الفكرة بوضوح، وقال إنّ الضرب “يروّض ولا يربي” معتبراً أن لجوء المعلم إليه يعكس فشلاً في إيجاد وسائل تربوية أخرى، وهو موقف ينسجم مع تعميم سابق للوزارة يحظر الاعتداء الجسدي واللفظي على الطلاب. وبين الموقفين، لم تكن القضية مجرد خلاف على أداة تأديب، بل خلافاً على تعريف التربية نفسه! فهل المطلوب من المدرسة أن تنتج طفلاً مطيعاً، أم إنساناً يعرف لماذا يلتزم؟
نحنُ السوريون أبناء مجتمع يعرف جيداً الفرق بين التربية والترويض، حتى لو لم نستخدم هاتين الكلمتين. في مدارسنا وبيوتنا ومؤسساتنا، تربت أجيال على فكرة أنّ السلطة تصبح أكثر صدقاً كلما أصبحت أكثر قدرة على العقاب. اليد كانت جزءاً من قاموس السلطة، لا في الصف المدرسي وحده. ولذلك فإن عودة فكرة الضرب إلى النقاش العام ليست عودة عصا إلى يد معلم فحسب؛ إنها عودة لسؤال قديم عن العلاقة بين القوة والاحترام. هل نحترم من يخيفنا، أم نخافه فقط؟ وهل يصبح الطفل أكثر قوة لأنه تعلّم أن الأقوى يستطيع أن يضربه، أم يصبح أكثر مهارة في البحث عن شخص أضعف منه حين يكبر؟
ربما لهذا كانت المدرسة دائماً أكثر من مدرسة، فهي أول مكان يتعلم فيه الطفل شكل الدولة قبل أن يعرف معنى الدولة. هناك، للمرة الأولى، يلتقي بقانون لا يضعه هو، وبشخص يملك سلطة عليه، وبعقوبة يمكن أن تقع عليه إذا خالف القاعدة. المدرسة تستطيع أن تعلّمه أن القانون حدّ يحمي الجميع، أو أن القانون يد صاحب السلطة. تستطيع أن تقول له إن الخطأ يُناقش ويُصحح، أو أن تختصر التربية كلها في جملة واحدة: افعل لأنني أستطيع أن أعاقبك. ومن هنا تصبح المداخلة المتعلقة بالنساء في التعليم أكثر دلالة مما تبدو عليه. فقد قال العضو محمد ابراهيم الزعبي “إن غلبة المعلمات على العملية التعليمية تركت آثاراً سلبية في شخصية التلاميذ”، وربط كثرة النساء في المدارس بتراجع الهيبة وضعف شخصية الأطفال، داعياً إلى “توسيع حضور الرجال في قطاع التربية والتعليم”. المشكلة في هذه الفكرة ليست أن صاحبها يفضّل المعلمين الرجال على المعلمات النساء. الناس أحرار في تفضيلاتهم الشخصية. لكن حين تتحول هذه التفضيلات إلى تفسير مؤسسي لمشكلة التعليم، وحين يصبح جنس المعلم متغيراً تفسيرياً لأزمة هي في حقيقتها أعقد بكثير من ذلك.
ففي بلد لديه ملايين الأطفال، وآلاف المدارس التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومناهج تحتاج إلى مراجعة، ومعلمون عادوا إلى وظائفهم بعد سنوات من الفصل، وأطفال عادوا من اللجوء يحملون تجارب ومناهج ولغات مختلفة، يبدو السؤال عن جنس المعلم غريباً في توقيته، لا لأنه سؤال لا يجوز طرحه مطلقاً، بل لأنه يحاول تفسير أزمة مؤسسة كاملة من خلال جسد العاملين فيها. كأنّ المدرسة لا ينقصها التمويل والتجهيز والتدريب والمناهج والإدارة، وإنما ينقصها شيء أبسط بكثير المزيد من الرجال.
هنا تحديداً تصبح عبارة “سوريا مؤنثة” أكثر من لعبة لغوية. سوريا نفسها مؤنثة في اللغة، لكن المرأة السورية حين تدخل المجال العام تصبح في بعض الخطابات موضع مساءلة. يمكن للبلاد أن تكون مؤنثة، أما السلطة فيجب أن تبقى ذات نبرة مذكرة؛ ويمكن للمرأة أن تكون أماً تربي أبناءها، لكن حضورها كصاحبة سلطة تربوية يصبح موضعَ شك؛ يمكن للنساء أن يحملن عبء المدرسة حين لا يوجد الرجال، لكن حين يصبح وجودهن كثيفاً يُعاد تعريف الكثافة نفسها باعتبارها مشكلة. ولست أعتقد أنّ علينا أن نقابل هذه الفكرة بفكرة معاكسة تقول إن النساء أفضل من الرجال في التعليم. هذا سيكون مجرد قلب للمعادلة، لا الخروج منها. المعلم الجيد ليس جنساً، كما أن المعلم السيئ ليس جنساً. والهيبة التي تحتاج إلى رجل كي توجد ليست هيبة مؤسسة، بل استعارة عن مؤسسة لم تعرف بعد كيف تصنع سلطتها من القانون والكفاءة. إذا كانت المدرسة لا تستطيع أن تجعل الطالب يحترم معلمته إلاّ إذا كان خلفها رجل، فالمشكلة ليست في عدد النساء داخل المدرسة، وإنما في الطريقة التي نفهم بها السلطة نفسها. فماذا ستفعل المؤسسات الجديدة بالأفكار القديمة حين تصل إليها؟
البرلمان، في أيّ مجتمع، لا ينبغي أن يكون مرآة سلبية للمجتمع. صحيح أنه يأتي من الناس ويحمل معه اختلافاتهم ومخاوفهم وتصوراتهم، لكن مهمته ليست أن يضع كل ما في المجتمع تحتَ مكبر الصوت ثم يمنحه شرعية سياسية. لو كان المطلوب من البرلمان أن يعكس المجتمع كما هو فقط، لكان ميكروفوناً كبيراً في ساحة عامة أكثر منه مؤسسة تشريعية. وظيفة البرلمان أن يأخذ ما يقوله الناس، حتّى حين يكون متناقضاً أو قاسياً أو محكوماً بعادات قديمة، ثم يحوله إلى نقاش حول المستقبل والقانون والمصلحة العامة. وهذا ما يجعل المشهد الحالي مهماً. فالمشكلة ليست أن نائباً قال كلاماً قديماً. المجتمعات لا تتخلص من أفكارها القديمة بقرارٍ إداري، ولا يتغير الناس بمجرد تغيير السلطة. المشكلة تبدأ حين تدخل الفكرة القديمة المؤسسة الجديدة وهي تظن أنها دخلت المستقبل. الماضي لا يعود دائماً في صورة تمثال أو خطاب حنين. أحياناً يعود مرتدياً بدلة، ويجلس تحت قبة البرلمان، ويتحدث عن المستقبل بلغته الخاصة.
ومع ذلكَ، فإنّ الصورة ليست أحادية. داخل الجلسة نفسها كان هناك صوت رسمي يرفض الضرب ويصفه بأنه ترويض لا تربية، بينما كان النقاش النيابي يكشف وجود تصورات أخرى حول السلطة والجنس والتأديب. وهذا التناقض بالذات أهم من تحويل الجلسة إلى مادة للسخرية من نائب أو آخر. الدولة الجديدة ليست كتلة واحدة. هي مساحة صراع بين ما بقي من الماضي وما يحاول أن يصبح مستقبلاً. والسؤال ليس إن كانت الأفكار القديمة ما زالت موجودة، فهذا واضح، وإنما من الذي سيملك القدرة على تحويل وجودها إلى شيء آخر: هل تدخل إلى القانون أم تصطدم به؟ هل تصبح سياسة عامة أم تبقى رأياً فردياً؟ هل تنجح المؤسسة في إعادة صياغة المجتمع، أم ينجح المجتمع في إعادة إنتاج مؤسساته القديمة؟
لذلكَ، ليست المسألة بأن نحاسب سوريا لأنها مؤنثة بل أن نسأل لماذا يصبح تأنيث التعليم مشكلة حين تدخل المرأة إلى السلطة، ولماذا يبدو الضرب لبعضنا اختصاراً مقنعاً للهيبة، ولماذا نبحث عن الماضي كلما حاولنا تخيل المستقبل. ربما يكون الاختبار الآتي للدولة السورية الجديدة أبسط وأصعب مما نعتقد؛ ليس في القدرة على بناء مؤسسات تحمل أسماء جديدة، بل في قدرتها على أن تجعل الطفل الذي يدخل مدرستها للمرة الأولى يعرف، من دون عصا ومن دون خوف، أن الدولة تستطيع أن تكون قوية من غير أن تضربه، وأن المرأة تستطيع أن تكون صاحبة سلطة من غير أن تعتذر عن وجودها. فإذا كانت سوريا ستنهض، فلا يكفي أن تنهض الدولة فوق الخريطة. عليها أن تنهض أيضاً داخل الصف بين المقعد السبورة والمعلمة. وهناك حتماً سنلمَح إن كان المستقبل قد وصل فعلاً، أم أن الماضي وجد لنفسه مقعداً جديداً في الصف الأول.