..سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
وايّ اتجاهاتٍ معكوسة ستوقِف؟
لا زِلتُ اذكر جسر القّمار الحدودي بين سوريا ولبنان، كما اذكر المعبر في مدينة حلب إبان امتداد الأزمة السورية إليها في صيف العام ٢٠١٢.
كانت فترة تاريخية في حياة الشعب الحلبي المَفطوم على الكَبّاب، والمحاشي، والكِبب. ولم ينتعش من ذلك المعبر سوى الأشخاص الذين قرروا ان يمتهنوا تمرير الخبز، واللحم، والجبن إلى أحيائها خلال فترة فتح المعبر صباحاً .
كان احد زملائي من السَّباقين إلى تلك المرحلة، رُبّما لتركيبة شخصيته، قد كان أصغر اعوان رئيس قِسمنا، و سائقه، وحارِسِهِ الأمين، والمُطيع، والمُطاوع.
هذا ما كُنا نظنه لسنوات، حتى اتت الأزمة، وصار بين حلب العاقلة، وحلب المشاغبة معبر، وصار ذلك المَعبَر يُفتَح، ويُغلَق لشخصيات مُسَلّحة، وأسباب غير أمنيّة؛
بعيدة عن سيكولوجيا أي كلب. عندما اغلق المعبر لأول مرّة، بقينا طوال الدوام ننتظر مجيء زميلنا مع احتياجاتنا، و مرت أيام ولم نسمع عنه شيئاً وماكاد يمر اسبوع على غيابه حتى انقطع المدير عن الشركة، وحلَّ معاونه مكانه، وعندما عاد المدير؛
عاد زميلنا يَجر رجله اليمنى، وخلفه زوجته مع كيسٍ واحد، فانحصرت افكارنا لأسبوعٍ كاملٍ بالمحظوظ: صاحب الكيس الواحد، ثم إن كانت عودة المدير وراء توقفه عن التهريب.
في النهاية قال: ” وألله تغيّر الطريق يا جماعة ” فقلتُ في نفسي: ” المسار الاقتصادي ” هذا ماحدث بالفعل، ففي الوقت الذي كان فيه الإعلام السوري، والدولي يشتغلان على تشتيت تفكير الشعب السوري؛
كانت السياسة تقّنُص إدراكه، وامّا المعبر فقد كان كحكاية علي بابا والأربعين حرامي، ومسلسل / الزير سالم /؛ يخلُط الحق بالباطل، والواقع بالتمثيل، ويخلِق مواضيع يوميّة بلا قيمة، ولا معنى ،ولا فائدة، ويجعل الملل من التفكير؛
مخيفاً في نظر مواطن مثلي. لقد تعَطّل النقاش، والاخذ والرد في الشركة لشهر كامل ثم لأشهر، وصارت مجريات الأحداث بين حلب المسلحة، وحلب تحت وطأة الضغوط؛
آخر همنا وكأنَّ احداً حقننا جميعاً بجرعةٍ تُعَطّلُ التفكير ، او شلَّ وعينا. هذا ما كنت التمسه منذُ مطلع كل شهر تحديداً، ولكن مرَّت الأشهر، ولم أحظى بفرصة التعرّف إلى ذلك المعبر.
الخوف اليوم في ان يتعرض الجنوب لجُرعة النسيان، و يُشُلَّ الوعي الجَمعي في كُلّ من درعا، والسويداء؛ فلا تتذكّر أي منهما الظالم من المظلوم، ولا اي ثورة كانت الأسبق، ولا اليد التي رُفِعَت في الأعلى، ولا اللّحية التي كانت في الأسفل، و لا تَعِ أي منهما كيفَ شعرت بأن كرامتها لا علاقة لها باي جزء مهدور، او جبل شامخ، او نهر انتصر على الجغرافيا، او تُفاح ينتظر موعد القطاف بأُمِّ عينِه، مُنذُ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية العراقية اللبنانية، ومع كل فترة ذات حساسية طائفية؛
يُهيمن على الجنوب السوري عفريت رمادي، ليذكّرهُ بكل ما لا ينفعه، ويرغمه على محي الماضي ليبعد رأسه عن وجدانه الذي يجب ان يبقى فوق الجميع (هذا ما اشعر به)، وكُل موجات الضجيج الثقيلة العيار في ارجاء سوريا بكفّة، والموجات التي افتُعِلَت في الجنوب السوري بكفة؛
ليظُن الجنوب انه كبش الفداء القادر على ان يتوكّل مصير سوريا بنفسه.
إن كانت عودتي إلى معبر ٢٠١٢ غريبة، فلأنّ الأشياء أبضاً لم تَعُد ترضى ان تبقى على حالها في سوريا، وصار يليقُ بمعانيها الجامدة الحَراك.
ما اريد قوله ببساطة: إن كان لسوريا حياة جديدة فلابُد وان تنتفض من جنوبها. فهل سيستدرك الجنوب السوري عطالة وعّيه الجمعي من كُل الجوانب، أم سينتظر حتى تفتح المعابر السورِيّة الأُردُنيّة أفواهها، ويضحك التُفاح؟
وإن فتحت المعابر السورِيّة الحُدودية أفواهها بأي لُغةٍ ستتكلم ؟ وأي اتجاهات معكوسة ستوقِف؟ تنتهي الحياة، ولا تنتهي الأسئلة في سوريا
