منذ أن أعلن وليد جنبلاط رفضه الاتفاق الإطار، سارع بعض خصومه ومراقبون إلى قراءة موقفه بوصفه تقاطعاً سياسياً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو تموضعاً جديداً في خريطة التحالفات اللبنانية. لكن هل كان الأمر كذلك فعلاً، أم أن اعتراضه هذه المرة يأتي ضمن الثوابت التي لم يغادرها منذ نصف قرن؟
سلام مستحيل مع إسرائيل
“سلامٌ مستحيلٌ مع إسرائيل”. قال وليد جنبلاط جملته هذه وهو يطلق آخر مواقفه قبل أيام. سلّم الرجل رسميّاً زعامة حزبه التقدّميّ الاشتراكيّ لابنه تيمور، لكنّ كلمته وحدها هي التي ما زالت تصدح. وصف الاتفاق بأنّه “أحاديّ أملته إسرائيل” و”لا يوقف إطلاق النار”، وأنّه “تسليمٌ لمصير البلاد إلى جماعاتٍ لا خبرة لها في السياسة الدولية”. ثمّ أضاف ببراغماتيته المعهودة: “لن أكون جزءاً من ائتلافٍ لإسقاطه، لكنّي مستعدّ لمساعدة الدولة إن أرادت إعادة النظر فيه”. في هذا الموقف الواحد يتكثّف وليد جنبلاط كلّه. هو الثابت والمتحوّل معاً. الرجل الذي أمضى نصف قرنٍ يبدّل حلفاءه لم يبدّل عدوّه يوماً. وهو، في موسم “شهادته على العصر” يروي سيرته بوصفها سيرة نجاة لا سيرة انتصار.
الوريث الذي صافح قاتل أبيه
ربما لفهم البيك، لا بدّ من العودة إلى المشهد المؤسِّس. كان الأب كمال جنبلاط فيلسوفاً وزعيماً للحركة الوطنية اليسارية، حليفاً للفلسطينيين، ورجل مبادئ لا يساوم. في حزيران/ يونيو 1976، جلس إلى حافظ الأسد ستّ ساعاتٍ أو تزيد، ورفض شروطه بوقف الحرب. وكما يروي وليد في شهادته، كان الأسد “مكلَّفاً بدخول لبنان للقضاء على منظمة التحرير والثأر من عرفات، وإنهاء اليسار اللبنانيّ ممثَّلاً بكمال جنبلاط”. في آذار/ مارس 1977 اغتيل كمال. كانت دمشق خلف الجريمة، وعند هذا الفيصل اكتملت لحظة ولادة وليد جنبلاط الزعيم. شابٌّ في الثامنة والعشرين، ورث مقتل أبيه وزعامة طائفةٍ صغيرة محاصَرة، فماذا فعل؟ ذهب إلى دمشق، وصافح حافظ الأسد قاتل أبيه طلباً لحماية جماعته. في تلك المصافحة تحديداً تتلخّص عقيدته كلها في أنّ البقاء أثمن من الثأر، وأنّ زعيم أقلّيةٍ في جبلٍ محاصَر لا يملك ترف المبادئ الصافية التي قتلت أباه. لقد تعلّم من دم كمال درساً واحداً قاسياً، أنه في لبنان، المثالي يُقتل، والناجي ينحني! ومنذ تلك اللحظة صار وليد جنبلاط بطل “الانحناءات” التكتيكية التي تحفظ الظهر من الكسر.
الثابت: العدوّ الذي لا يتبدّل
لكنّ الانحناء لم يمسّ الثابت الوحيد في عقله، أي العداء لإسرائيل، ومعه بقاء الجماعة والجبل. ورث وليد عن أبيه عداءً للمشروع الصهيونيّ لم يتزحزح عبر كلّ تحوّلاته. في حرب الجبل عام 1983، قاتل الميليشيات المسيحية المدعومة إسرائيليّاً، وأعلن الحرب على المارينز الأميركيين، وهو شرح ذلك في شهادته عن “حروب إسرائيل التوراتية” في لبنان.
من ذلك الخطّ نفسه يخرج موقفه اليوم من الاتفاق الإطار. العداء إيّاه لكن بلغةٍ جديدة. هذا هو مفتاح شخصيته. لم يوقّع يوماً على تطبيعٍ، ولم يبدّل قناعته بأنّ “السلام مع إسرائيل مستحيل”. وحتى حين هادن الجميع تقريباً (سوريا، حزب الله، السعودية، أميركا) لم يهادن إسرائيل. يبدّل من يقف إلى جانبه، لكنّه لا يبدّل من يقف في مواجهته. وهذه، في تقلّبه الشهير، هي الجزيرة الصلبة التي لا تغرق، ذلك أن هذا الثابت هو وريث خطٍّ أطول من عمر وليد نفسه. فكمال جنبلاط جعل القضية الفلسطينية ركناً من مشروع “الحركة الوطنية”، وتحالف مع منظمة التحرير في وجه مشروعٍ رأى فيه امتداداً للهيمنة الإسرائيلية على لبنان.
ويروي وليد جنبلاط مفارقةً دالّة أنّ حافظ الأسد نفسه “لم يكن يعترف بوجود فلسطين التاريخية”، وكان يعدّ ما يُسمّى فلسطين “جنوباً سوريّاً”، وكأنه بغمزه على الأسد يريد التلميح أيضاً إلى أنّ جنبلاط الأب دفع ثمن تمسّكه بفلسطينَ حين تخلّى عنها آخرون. من هذا الإرث ورث وليد عداءه لإسرائيل لا كشعارٍ عابر، بل كخطٍ أحمرَ عائليّ مكتوب بدم الأب. ولهذا حين يقول اليوم “سلامٌ مستحيل”، فإنّه لا يطلق موقفاً سياسيّاً فحسب. هو يوقّع باسم كمال بيك. ولهذا أيضاً يقول إنه أوصى ابنه تيمور بالالتصاق بالكوفية الفلسطينية كإرث وطني، وراح يشدد منذ أحداث السابع من أكتوبر على أن من أهم الأسلحة اليوم هو توريث الذاكرة للأجيال، لأن إسرائيل لا تريد احتلال الأرض فقط، بل إعادة كتابة الرواية ومحو الهوية. لذلك سيصبح الدفاع عن فلسطين عنده دفاعاً عن الذاكرة العربية نفسها، وعن التعددية التاريخية في المشرق، لا مجرد موقف من نزاع حدودي.
ووليد جنبلاط تحديداً لا ينظر إلى الصراع مع إسرائيل بوصفه خلافاً على حكومة أو نظام أو تحالف إقليمي. هو يراه صراعاً وجودياً على هوية المشرق نفسه، وعليه يستطيع أن يغيّر موقعه من دمشق أو الرياض أو واشنطن أو حزب الله، لكنه لا يستطيع أن يغيّر تعريفه للعدو، لأن هذا التعريف جزء من فهمه لهوية لبنان والمنطقة، لا مجرد موقف سياسي قابل للمساومة. ومن هنا أيضاً أمكن فهم رفضه المتكرر لكل مشاريع الفيدرالية والتقسيم. فهو يستعيد ما يسميه في شهادته نفسها “نظرية التعددية الحضارية” التي طُرحت عام 1976 والتي غذّت طموحات مشروع الدولة المارونية الكبرى آنذاك، معتبراً أنها لم تكن اعترافاً بالتنوع اللبناني بقدر ما كانت وصفة لتفكيك الدولة إلى كانتونات مذهبية. ولذلك يعارض اليوم أي خطاب لبناني يعيد إنتاج تلك الأفكار، لأنه يرى فيها امتداداً للمشروع الإسرائيلي بصورة مختلفة.
المتحوّل: الحليف الذي يُستبدَل
أمّا الحلفاء، فسجلّهم عند جنبلاط دفترُ حساباتٍ يُفتح ويُغلق حسب الريح. تحالف مع دمشق عقوداً بعدما قتلت أباه، ثمّ انقلب عليها عام 2005 إثر اغتيال رفيق الحريري، فصار من أعمدة “14 آذار” وخطيبها الأشدّ ضدّ الوصاية السورية. ثمّ حين تبدّلت الموازين، عاد فهادن دمشق وحزب الله 2009\2010. وبعد الثورة السورية 2011، انقلب على الأسد الابن. حليفٌ اليوم، خصمٌ غداً، ثمّ حليفٌ بعد غد، حتى لصق به وصف الزعيم المتقلّب. لكنّ التقلّب هنا ليس سوى حساب نجاةٍ لزعيم طائفةٍ لا تتجاوز نسبتها بضعة في المئة، محشورةٍ في جبلٍ بين طوائف أكبر وقوى أعتى في نظامٍ سياسي طائفي يجعل موازين القوى الداخلية والإقليمية جزءاً من معادلة البقاء.. جنبلاط يقرأ اتجاه الرياح قبل أن تهبّ، ويقفز إلى المركب الذي يحمي جماعته من الغرق، ولو كان مركب خصمه بالأمس. هي براغماتية البقاء حيث لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، إلّا عداوةً واحدة. من يقرأ مساره بحثاً عن اتّساقٍ أيديولوجيّ يخيب، ومن يقرأه بحثاً عن منطق بقاء الجماعة يفهم كلّ منعطف. وتفاصيل المفاصل تكشف المنهج. من 2005 إلى 2011 ثلاث انعطافاتٍ حادّة في ستّ سنوات كلّها تدور حول سؤالٍ واحد: أين مصلحة الجبل والطائفة في هذه اللحظة بالذات؟ حتى علاقته بالسعودية والخليج خضعت للمنطق نفسه. تقاربٌ حين يحتاج، ومسافةٌ حين تتبدّل الحسابات.
كمال ووليد: الأيديولوجيّ والناجي
في المسافة بين الأب والابن تكمن حكمة وليد ومأساته معاً. كان كمال جنبلاط أيديولوجياً، صاحب مشروعٍ اشتراكيٍّ ديمقراطيّ، ورؤيةٍ عربيةٍ داعمةٍ للقضية الفلسطينية، رفض أن ينحني للأسد فدفع حياته ثمناً. وكان وليد نقيضه: لا مشروع كبير، بل مهمّة واحدة وهي أن يُبقي طائفته حيّة وجبله آمناً في بلدٍ يأكل زعماءه. الأب مات لأنّه لم يساوم، والابن عاش لأنّه ساوم على كلّ شيء إلّا الجوهر. لهذا يصحّ في وليد جنبلاط ما قد يصفه البعض بنهاية الأيديولوجيا وانتصار البراغماتية. لقد حوّل إرث أبيه العقائديّ إلى أداة بقاءٍ عملية، محتفظاً من الميراث برمزية العداء لإسرائيل وشعارات اليسار القديم، بينما يمارس في الواقع سياسةً واقعية باردة. هو ابن الشهيد الذي رفض أن يكون شهيداً، والوريث الذي فضّل أن يحكي التاريخ على أن يصير سطراً حزيناً فيه. وفي شهادته المطوّلة، يبدو كأنّه يشرح لنا بأثر رجعيّ لماذا كان لا بدّ أن ينحني كي لا ينكسر.
الراهن: لماذا يقف ضدّ الاتفاق الإطار؟
يمكن القول إن اعتراض وليد جنبلاط على الاتفاق الإطار ليس وليد اللحظة. فمنذ نيسان/ أبريل 2025 انتقد الشروط الأميركية التي ربطت دعم الجيش اللبناني بملفات سياسية وأمنية داخلية من قبيل نزع سلاح حزب الله أو الإصلاح المصرفي، معتبراً أن تحويل المساعدات إلى أداة ابتزاز يضعف الدولة بدلاً من تقويتها. ولذلك بدا موقفه من الاتفاق الإطار امتداداً للمسار نفسه لا انقلاباً عليه. على هذا الفهم يُقرأ موقفه الأخير. ورفضه للاتفاق هو تطبيقٌ مثاليّ لمعادلته: الثابت (لا شرعنة لإسرائيل ولا سلام معها) يجعله يهاجم الاتفاق بوصفه “أحاديّاً يشرعن الاحتلال”، والمتحوّل (البراغماتية) يجعله يضيف فوراً أنّه “لن ينضمّ إلى ائتلافٍ لإسقاطه” وأنّه “مستعدّ لمساعدة الدولة”. يرفض المبدأ، لكنّه يترك لنفسه باب المناورة مفتوحاً. هذا هو جنبلاط: يقول “لا” للعدوّ، و”ربّما” لكلّ ما عداه.. وهو يقرأ اللحظة الراهنة بوصفها فصلاً جديداً من رواية الصراع العربيّ الإسرائيليّ التي عاشها منذ صباه، حيث يُدفع لبنان مرة أخرى لتقنين احتلالٍ تحت غطاء تسوية. ومثلما وقف أبوه في وجه مشاريع فرض الأمر الواقع، يقف هو اليوم لكن بحذر الناجي لا باندفاع الشهيد.
ما الذي سيتغير بعد وليد بيك؟
سلّم وليد جنبلاط زعامة العائلة السياسية لابنه تيمور عام 2017 في المختارة في ذكرى اغتيال جدّه كمال، ثمّ استقال رسميّاً من رئاسة الحزب عام 2023 بعد ستّةٍ وأربعين عاماً، لكنّه لم يغب. بقي الثقل الفعليّ والصوت الذي يُسمَع كما يثبت موقفه الأخير. غيابه الكامل عن المشهد بعد حينٍ بفعل طول العمر سيترك فراغاً من نوعٍ نادر، فوليد جنبلاط آخر زعماء زمن الحرب الأهلية الذين فاوضوا الأسد وعرفات والسعوديين والأميركيين شخصيّاً، وآخر من يجيد فنّ التراجع التكتيكيّ الذي حفظ بني معروف في كلّ العواصف.
يرث تيمور الاسم والحزب، لكنّه لا يرث الدهاء ولا الأرشيف ولا الشبكة الإقليمية ولا الهيبة المتراكمة عبر نصف قرن. لذلك فإنّ غياب وليد جنبلاط سيعني أوّلاً انكشافاً أكبر للطائفة الدرزية في لحظةٍ إقليمية متقلّبة، خصوصاً مع اشتعال جنوب سوريا وحساسية الملفّ الدرزي هناك، كما سيعني ثانياً فقدان السياسة اللبنانية لأحد صانعي التوازنات، إذ لطالما لعب جنبلاط دور بيضة القبّان التي ترجّح أو تُهدّئ في اللحظات الحرجة. ثمّ إنه سيعني ثالثاً طيَّ صفحةٍ من زمنٍ سياسيّ بأكمله، زمن الزعامات التاريخية التي تصنع القرار بحدسها وذاكرتها، لا بمؤسساتها فقط. الجبل بعد وليد بيك سيبقى، لكنّه سيفقد حارسه الأمهر، والأرجح أنّ وريثه سيحكم بحذرٍ أشدّ وهامشٍ أضيق، في بلدٍ لم يعد يرحم المبتدئين.
مرآة لبنان في رجل
في نهاية المطاف، ليس وليد جنبلاط إلّا مرآةً مصغّرة للبنان نفسه. كيانٌ صغيرٌ هشّ ينجو بإعادة الاصطفاف الأبديّة حول خطوط صدعٍ ثابتة. غيّر كلّ شيء، حلفاءه وخطابه ومعسكراته، ليحتفظ بشيءٍ واحد: جماعته حيّة، وعدوّه مسمّى. وهذه على بساطتها فلسفة بقاءٍ كاملة صاغها رجلٌ صافح قاتل أبيه ليعيش، ولم يصافح عدوّ أبيه مرّة. ويوم يغيب سيخسر لبنان لغةً في المناورة والنجاة قلّ من يتقنها. وستبقى جملته الأخيرة عن اتفاق الإطار “سلام مستحيل مع إسرائيل” بمثابة توقيعه على خمسين عاماً تقلَّبَ فيها في كلّ اتجاه، إلّا اتجاه العدوّ!