قبل عام، شهدت السويداء ما لا يجوز أن يُختزَل في لغة «التجاوزات» أو «الأحداث» أو حتى «الأفخاخ». ولم تكن تلك «أحداثاً أمنية» فحسب. شاهد السوريون رجالاً يتلذذون بإذلال دروز وقتلهم بوصفهم دروزاً، وبكسر كرامتهم كمُعتقَد وكجماعة أهلية. حصل هذا ضمن مشهد يُقال بوجاهة نسبية إنه كان معقداً، وإنه تداخلَ مع صراعات محلية مع البدو وتدخلات خارجية وحسابات عسكرية وسياسية متعددة، لكن شيئاً من ذلك لا يُغيّر الحقيقة الأساسية: جماعة أهلية استُهدِفَت في دارها تحت راية طائفية، وبمشاركة قيادية فاعلة من «سلاح الدولة»، لأنها جماعة أهلية.

هذه الأسطُر ليست مُوجَّهة إلى دروز السويداء. وليست سِجالاً مع إنكاريِّي فداحةِ ما جرى. ولا هي معنيّة بـ«الكيان السنّي» ومنظّريه والمتحمسين له. إنها مُوجَّهة إلى جمهور آخر: العرب السنّة الذين ما تزال تعنيهم سوريا بوصفها دولة حديثة قابلة للحياة، لا بوصفها غلبةَ جماعةٍ أهلية على أخريات. إلى من انحازوا للثورة السورية يوماً بوصفها مشروعَ تأسيسِ دولة عامة لجميع السوريين. إنها مُوجَّهة لأقرانٍ يتسع صدرهم للتذكير بأن ما جرى في السويداء لن يمضي مع الأيام فحسب. فسوريا تعرف، أكثر من غيرها، أن المجازر لا تصبح من الماضي بمجرد أن تصبح خبراً قديماً. المجزرة تعيش تحت الجلد، وفي الخوف، وفي العلاقات بين الجماعات، وفي السياسة. وما يجعلها تمضي ليس الزمن، بل الحقيقة، والمسؤولية السياسية، والعدالة، والإنصاف. أمّا حين يُترَك الدمُ للوقت، فإن الوقت لا يدفنه، بل يحفظه نازفاً.

لكن إذا كان الذنب لا يُورَّث، ولا يُمكِن أن يكون جماعياً، وإذا كان مرتكبو هذه الجرائم أفراداً مُحددين تَجبُ مساءلتهم، فما الذي يتبقى سياسياً؟ كيف يمكن لمن ينتمي إلى الجماعة التي ارتُكِبَت الجرائمُ باسمها، أو عبر الموقع الذي تشغله في لحظة تاريخية معينة، أن يتعاملَ مع هذا الواقع بنجاعةٍ تتجاوز البُعد الشخصي لسؤال البراءة والذنب، وتفيد الشأن العام في البلد؟

يُفيد هنا التمييز الذي تقترحه حنة آرنت بين الذنب والمسؤولية. الذنبُ شخصيٌ دائماً. لا يكون الإنسان مذنباً إلا بما فعله، أو شاركَ فيه، أو حرّضَ عليه بوعي. لذلك لا معنى لفكرة الذنب الجماعي، لأنها تُحوِّلُ الجريمة من فعل يمكن مساءلة مرتكبيه إلى صفة سرمدية تلتصق بجماعة بأكملها، وليس هناك بالتالي تعاملٌ سياسي أو حقوقي ممكن معها. لكن رفضَ الذنب الجماعي لا يحلُّ المشكلة كلها. فهو يجيب عن سؤال: هل أنا مذنب؟ وهذا سؤال شخصي قد تكون له أهميته لأفرادٍ في علاقتهم بذواتهم، لكنه لا يجيب عن سؤال آخر ذي أهمية عمومية، سؤال المسؤولية: كيف أتصرف سياسياً حيال ما ارتُكِبَ باسم الجماعة التي أنتمي إليها، أو عبر الامتيازات النسبية، أو غياب التمييزات السلبية، التي يُتيحها موقع «جماعتي» في لحظة تاريخية معينة؟

في مَألفنا السوري، المُفخَّخ بكثيرٍ من السُمّ الصامت تاريخياً بخصوص الطوائف والجماعات الأهلية، أحدُ ثلاثة مخارج جاهزة لهكذا تساؤلات. الأول هو العصبية، حيث يُصبِح الدفاع عن الجماعة – صراحةً أو مداورة – مُقدَّماً على الدفاع عن الحق. والثاني هو التذنيب الجماعي، الذي يُحمِّلُ الإنسان ما لم يفعله فقط لأنه وُلد في جماعة بعينها. أمّا الثالث فهو التبرؤ من الجماعة نفسها، والخروج عنها للحديث بصفة «المواطن الكوني» الذي لا جذور أهلية له، أو بصفة «كاره نفسه» الذي لا يجد وسيلة لإثبات براءته إلا بإعلان القطيعة مع منبته الأهلي.

هذه السطور محاولة لاقتراح مَخرَجٍ مختلف: الأخذ على العاتق.

الأخذ على العاتق ليس ذنباً جوهرانياً لأنني أنتمي إلى جماعة ما، وليس مسؤولية مُعمَّمة تُحمِّلُ كل أفراد الجماعة تبعات ما يفعله قليلٌ أو كثيرٌ من أبنائها. وهو، بالقدر نفسه، ليس نُطقاً باسم الجماعة ولا ادعاءً لتمثيلها، ولا اعتذاراً عنها أو بالنيابة عنها. إنه فعلٌ سياسيٌ فردي وواعٍ. نعم، ينطلق من الانتماء إلى جماعة ما، ومن إدراكِ أن أفعالاً قد ارتُكِبَت باسمها، أو عبر الامتيازات النسبية التي يُتيحها موقعها، لكنه لا يستند إلى منطقها الأهلي أو عصبيتها، بل إلى فكرة المجال العام.

ولذلك، فإن الأخذ على العاتق لا يطلب من الإنسان أن يخرج من جماعته، كما لا يطلب منه أن يتحدث باسمها. لا يقتضي – كما في حالتنا هذه – أن يكون «سنّياً جيداً» ولا «سنّياً سيئاً» في نظر جماعته ولا في نظر خصومها المفترضين، ولا بالطبع «سنّياً كيوت». إنه يفترض، على العكس، عدم الاكتراث بكل هذه الامتحانات. فالمقصود ليس تبرئة النفس، ولا تبرئة الجماعة، بل القيام بفعل سياسي واعٍ ومُواطِني. وبهذا المعنى، فإن الأخذ على العاتق ليس تمثيلاً للجماعة، بل هو رفضُ تكريسِ أوضاع غير عادلة للآخرين عبرها أو عبر موقعها التفضيلي، ومُقاومةٌ لأن تصبح هذه الأوضاع غيرُ العادلة جزءاً طبيعياً من المجال العام.

من هذا المنطلق، يستطيع العربي السنّي أن يأخذ على عاتقه ما جرى في السويداء، لا لأنه مسؤول عنه، ولا لأنه يتحدث باسم أحد، بل لأنه هو مَن يَشغلُ اليوم الموقع الذي يُفترَض أن تنطلق منه قراءة السويداء بوصفها أزمة وطنية. يتصل ذلك بما يمكن تسميته تفاوتاً في الأمان الأهلي داخل سوريا اليوم. فالعربي السنّي قد يتعرض اليوم للإزعاج أو التشهير، أو حتى لحوادث أمنية، بسبب ما يقوله أو يكتبه أو يفعله، لكن ليس لأنه عربي سنّي. هذا ليس حال جُلِّ الدروز والعلويين خارج مساحات أمان ضيقة وهشّة، فلديهم اليوم أسباب واقعية للخوف بسبب ما هم عليه، لا بسبب ما فعلوه. يخشون المرور في مناطق معينة، أو السفر، أو الاحتكاك بأوساط بعينها، لا لأنهم متهمون بفعلٍ ما، بل لأن منبتهم الأهلي نفسه قد يجعلهم عُرضةً للاستباحة. وهذا ليس انطباعاً نفسياً ولا مبالغةً خطابية، بل خوف قائم على وقائع.

هذا التفاوت في الأمان لا يؤسِّس لذنب، ولا يمنحُ أحداً تفوقاً أخلاقياً على أحد. لكنه يقتضي إقراراً ويُحمِّلُ مسؤولية سياسية. فمن يوجد في موقع تقلُّ فيه احتمالات الاستباحة بسبب ما يكونه، لا بسبب ما يفعله، من واجبه أن يأخذ على عاتقه مسؤولية خاصة في رفض تكريس هذا الواقع ورفع الصوت للمناداة بما هو أكثر عدالة، لا باسم جماعته، بل باسم المجتمع السياسي الذي يريده، ومن أجل الدولة التي يُفترَض أن يسعى إليها.

إذا كان ثمّة متنٌ عربي-سنّي يريد لسوريا أن تبقى مشروعه السياسي، ولا يريدها مجرد فضاء جغرافي للغَلَبة الأكثروية، فلا يجوز أن يتوهم أن مجزرة السويداء يمكن أن تمرَّ كما لو أنها شأنٌ يخصُّ الدروز وحدهم. والأخذُ على العاتق ليس موقفاً تضامنياً، ولا تَنازُلاً، ولا مَشهديةً للرِّفعة الأخلاقية. إنه شرطٌ سياسيٌ لحماية إمكان قيام دولة عامة، وشرطٌ أيضاً لحماية الدور الذي يمكن أن تؤديه الأكثرية العربية السنّية في مستقبل سوريا. إن وجود متنٍ عربي-سنّي يأخذ على عاتقه الكارثة الوطنية التي اقترفها مجرمون طائفيون في السويداء قبل عام هو ما يجعل هذه الأكثرية قادرة على حمل دولة، لا مجرد أكثرية عددية تستندُ إلى غلبتها.

وإذا ضاع هذا الفرق، فلن تكون الخسارة في السويداء وحدها، بل في الفكرة السورية نفسها.