لم يعد التصعيد بين السودان وإثيوبيا يقتصر على الملفّات التقليديّة المتمثّلة في سدّ النهضة والنزاع الحدوديّ “بالفشقة” في شرقيّ السودان، بل دخل مرحلة أكثر حساسيّة مع انتقال الاتّهامات من المجال السياسيّ والدبلوماسيّ إلى الميدان العسكريّ.
إعلان الجيش السودانيّ، للمرّة الثانية خلال يومين، إسقاط مسيّرة استراتيجيّة في سماء مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق، قال إنّها جاءت من جهة الأراضي الإثيوبيّة، يضع العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا أمام اختبار جديد، في وقت تتّسع الحرب السودانيّة وتتشابك ساحاتها مع حسابات إقليميّة متزايدة.
ليس إسقاط المسيّرة هو التطوّر الأهمّ في الحادثة، فقد سبق للجيش السودانيّ أن أعلن إسقاط مسيّرات استراتيجيّة في محور النيل الأزرق، وإنّما تكمن أهميّة التطوّر في جهة إطلاقها كما يعلن الجيش السودانيّ. فإذا تأكّد أنّ هذه الطائرات انطلقت من الأراضي الإثيوبيّة، فإنّ المسألة تتجاوز إسناداً لوجستيّاً لقوّات الدعم السريع إلى استخدام أراضي دولة مجاورة منصّة للعمليّات العسكريّة داخل السودان.
تتّهم الخرطوم إثيوبيا بالسماح باستخدام مواقع داخل أراضيها لإطلاق مسيّرات باتّجاه أهداف سودانيّة، فيما تنفي أديس أبابا هذه الاتّهامات. لكنّ انتقال الجيش السودانيّ إلى تسمية إثيوبيا صراحة في بياناته يمثّل بحدّ ذاته مؤشّراً إلى مستوى التوتّر الذي بلغته العلاقات بين البلدين.
من الدّعم إلى التّورّط؟
تكتسب المسألة أهميّة إضافيّة بسبب طبيعة المسيّرات التي يتحدّث عنها الجيش السودانيّ. فالمسيّرات البعيدة المدى والمجهّزة للاستطلاع الدقيق وتنفيذ ضربات موجّهة تحتاج إلى بنية تشغيليّة ولوجستيّة أكثر تعقيداً من المسيّرات الانتحاريّة أو التكتيكيّة الصغيرة. وإذا ثبت إطلاقها من الأراضي الإثيوبيّة، فإنّ ذلك سيطرح سؤالاً أكبر عن طبيعة المنشآت والتسهيلات التي استُخدمت لتشغيلها.
هنا تحديداً تبدأ القراءة السودانيّة للحادثة عبر التحوّل من اتّهام بتوفير دعم لوجستيّ إلى اتّهام ضمنيّ بتوفير بيئة عمليّات عسكريّة لقوّات الدعم السريع وحلفائها. وتقول دوائر سودانيّة إنّ هناك مؤشّرات سابقة إلى استخدام الأراضي الإثيوبيّة لتدريب عناصر من قوّات الدعم السريع، وتوفير ممرّات أو منشآت للإمداد، وتستشهد في هذا السياق بمناطق في بني شنقول ومطار أسوسا بغربيّ إثيوبيا. في المقابل تنفي إثيوبيا انخراطها العسكريّ المباشر في الحرب السودانيّة.
لكن بالنسبة إلى الخرطوم، لم يعد يسمح تراكم هذه المؤشّرات، بالتزامن مع حادثة المسيّرات، بالتعامل مع الدور الإثيوبيّ باعتباره موقفاً سياسيّاً أو حياداً غير مكتمل.
لماذا إثيوبيا؟
لا يمكن فهم التوتّر الجديد من دون العودة إلى الملفّات التي راكمت الشكوك بين البلدين على مدى سنوات.
ترتبط إثيوبيا والسودان بملفّات شديدة الحساسيّة تبدأ بسدّ النهضة ولا تنتهي عند منطقة الفشقة الحدوديّة. وفي الحالتين، تتداخل الاعتبارات الأمنيّة مع الحسابات الإقليميّة، فيما يمثّل السودان بالنسبة إلى إثيوبيا عمقاً جغرافيّاً واستراتيجيّاً بالغ الأهميّة، ويمثّل بالنسبة إلى مصر أحد أهمّ عناصر معادلة الأمن المرتبطة بالنيل.
تعرف أديس أبابا أنّ إضعاف الجيش السودانيّ أو إطالة الحرب داخل السودان لا يمكن أن يبقى بلا تأثير على موقع مصر في الإقليم. من هنا تنظر بعض الدوائر السودانيّة إلى الدعم الإثيوبيّ المحتمل لقوّات الدعم السريع باعتباره جزءاً من حسابات أوسع تتّصل بإدارة العلاقة مع الخرطوم والقاهرة في آن واحد.
أمّا الفشقة فتظلّ بدورها جرحاً مفتوحاً في العلاقات بين البلدين. فقد شكّل النزاع على الأراضي الزراعيّة والحدود مصدراً دائماً للتوتّر، ويمكن لأيّ تحوّل في موازين القوى داخل السودان أن يعيد فتح هذا الملفّ بصورة مختلفة.
لا تنظر الخرطوم إلى التطوّرات الأخيرة باعتبارها حادثاً عسكريّاً منفصلاً، وإنّما باعتبارها جزءاً من شبكة مصالح إثيوبيّة مرتبطة بأمن الحدود، سدّ النهضة، علاقات أديس أبابا بالقوى الإقليميّة، ومستقبل النظام السياسيّ والعسكريّ في السودان.
الإمارات في الخلفيّة
يزداد تعقيد الصورة بسبب العلاقة الوثيقة التي تطوّرت خلال السنوات الأخيرة بين إثيوبيا والإمارات، وهي علاقة تتجاوز الجانب السياسيّ إلى الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعاون الأمنيّ.
تتّهم الخرطوم أبوظبي بدعم قوّات الدعم السريع، ويضيف وجود شراكة وثيقة بين أبوظبي وأديس أبابا بعداً إقليميّاً إلى الأزمة، ويجعل الخرطوم تنظر بعين الريبة إلى أيّ دور إثيوبيّ محتمل في الحرب.
في الحساب السودانيّ، قد لا تكون المسألة أنّ إثيوبيا تخوض الحرب نيابة عن طرف آخر، بقدر ما يتعلّق الأمر بتقاطع مصالح بين أطراف إقليميّة مختلفة، لكلّ منها حساباتها في السودان والقرن الإفريقيّ والبحر الأحمر.
هذا هو الجانب الأخطر في حادثة المسيّرات: إذ إنّ ثبوت الرواية السودانيّة بشأن مصدرها يعني أنّ الحرب السودانيّة بدأت تقترب أكثر من الحدود الإثيوبيّة، وأنّ المناطق المحيطة بمسرح العمليّات قد تتحوّل تدريجاً إلى امتداد للبنية العسكريّة للصراع.
تاريخ من انعدام الثّقة
ليس التوتّر الحاليّ وليد الحرب السودانيّة. فالعلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا مرّت خلال العقود الثلاثة الماضية بمحطّات عميقة من انعدام الثقة، بعضها ارتبط بالأمن الإقليميّ وبعضها الآخر بالخلافات الحدوديّة والمائيّة.
كانت محاولة اغتيال الرئيس المصريّ الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 محطّة مفصليّة في العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، بعدما وُجّهت اتّهامات إلى عناصر مرتبطة بالنظام السودانيّ آنذاك بالمشاركة في العمليّة، الأمر الذي أدخل البلدين في مرحلة طويلة من التوتّر الأمنيّ والسياسيّ.
ثمّ جاء النزاع على الفشقة ليعيد إنتاج التوتّر الحدوديّ، قبل أن يضيف سدّ النهضة طبقة جديدة وأكثر تعقيداً إلى العلاقة، خصوصاً مع تحوّل مياه النيل إلى أحد أبرز ملفّات الأمن القوميّ المصريّ والسودانيّ. وجاءت الحرب السودانيّة الحاليّة لتجمع هذه الملفّات كلّها في بيئة واحدة.
في كانون الأوّل 2023، أثار استقبال إثيوبيا لقائد قوّات الدعم السريع محمّد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، غضب الخرطوم، ثمّ ازدادت الحساسيّة بعد استضافة أديس أبابا في كانون الثاني 2024 لقاءات سياسيّة ومدنيّة سودانيّة انتهت إلى توقيع “إعلان أديس أبابا” بين حميدتي ورئيس الوزراء السودانيّ السابق عبدالله حمدوك.
رأت الخرطوم في تلك الخطوات خروجاً عن الحياد، بينما اعتبرتها أديس أبابا جزءاً من جهودها السياسيّة للتعامل مع الأزمة السودانيّة. لكنّ المشكلة أنّ المسافة بين الوساطة السياسيّة والانخراط في الصراع تصبح ضيّقة عندما تبدأ الأراضي الحدوديّة بالتحوّل إلى ممرّات أو قواعد محتملة للعمليّات العسكريّة.
النّيل الأزرق… الجبهة الأكثر حساسيّة
تأتي حادثة المسيّرات في وقت تشهد جبهة النيل الأزرق تصعيداً عسكريّاً، وهي جبهة ذات أهميّة استثنائيّة بسبب موقعها على الحدود الإثيوبيّة. فالقتال هناك لا يجري في فراغ جغرافيّ، بل يحدث بالقرب من حدود دولة ترتبط مع السودان بسلسلة من الملفّات المتنازَع عليها، في حين تتقاطع في المنطقة مصالح إثيوبيّة وسودانيّة ومصريّة.
لا يكمن الخطر الحقيقيّ في المسيّرة نفسها، بل في ما يمكن أن تكشفه عن تحوّل طبيعة الحرب. فالحرب السودانيّة، التي بدأت باعتبارها صراعاً على السلطة بين الجيش وقوّات الدعم السريع، تحوّلت تدريجاً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليميّة ودوليّة. وكلّما اقتربت هذه الحرب من حدود الدول المجاورة، صار احتمال تحوّلها إلى أزمة إقليميّة أكبر.
