ثمّة حدثان مستديمان وواضحان تمام الوضوح يُلخّصان الأزمة العميقة في المنطقة منذ عقود طويلة: إسرائيل تعتدي على المسجد الأقصى، أولى القبلتَيْن وثالث الحرمَيْن، وتريد هدمه والحفر تحته وتهجير جيرانه وتهويد القدس، وإيران تعتدي على بيت الله الحرام ومسقط رأس نبيّ المسلمين وآل بيته وصحبه وأبناء عمومته. وبين مكّة والقدس، تتكثّف الصورة وتنجلي، حيث تتقاطع مشاريع الهيمنة والتوسّع والكراهية والنفوذ، على حساب الدول والمجتمعات والهويّة العربيّة والإسلاميّة.
إيران تحاول منذ أكثر من عشرين عاماً أن تضرب النسيج الاجتماعيّ الداخليّ للدول العربيّة السنّيّة، فيما تسعى إسرائيل إلى استباحة هذه الدول منذ وعد بلفور. من سرقة فلسطين التاريخيّة إلى العدوان الثلاثيّ على مصر، وصولاً إلى سوريا التي ما إن طُردت منها إيران بعد أن دمّرت وخرّبت وحاولت تغيير وجهها ودورها وديمغرافيتها عبر أكبر ترانسفير مذهبيّ في التاريخ، حتّى دخلها الإسرائيليّ مدمّراً ومثيراً للفتن والعصبيّات، ومعزّزاً للنزعات الانفصاليّة، وكاسراً كلّ محاولة لقيام سوريا الموحّدة.
إيران ووجهها الأبشع
ما جرى في سوريا، انسحب أيضاً على لبنان وعلى العراق وعلى اليمن. ما لم تستطع إسرائيل فعله بقوّة الحديد والنار، استطاعت إيران أن ترسّخه بالتعصّب المذهبيّ وبخرق أنسجة المجتمعات التي تتعايش مع بعضها منذ آلاف السنين. المشكلة لم تكن فقط في السلاح الذي تحمله الميليشيات، بل أيضاً في تحويل الانقسام المذهبيّ إلى أداة سياسيّة وعسكريّة واجتماعيّة شديدة الفتك، وفي نقل الصراع من حدود الدول إلى داخل مجتمعاتها، حيث تصبح الهويّة نفسها مادّة للصراع، ويصبح الانتماء المذهبيّ مدخلاً طبيعيّاً إلى الولاء.
أخيراً كشفت إيران تماماً عن وجهها الأبشع. بينما كانت تتعرّض لضربات هائلة ومدمّرة وغير مسبوقة من أميركا ومن إسرائيل، كانت تصبّ جام غضبها على العرب وعلى المسلمين، فلم تتعرّض أميركا وبوارجها وفرقاطاتها لأيّ ضربة تُذكر، فيما لم تتجاوز الضربات التي وجّهتها إلى إسرائيل حاجز إثارة الهلع، من دون أيّ وزن عسكريّ استراتيجيّ لضربات كان من المفترض أن تردّ على كسر رأس النظام وسحق أذرعه.
استهداف إيران لمكّة المكرّمة هو خاتمة الإدانات التي ترفع الغشاوة عن عيون من لا يريد أن يرى ولا يريد أن يسمع، كونه التعبير الأوضح عن فداحة هذا المشروع وخطورته وظلاميّته. كلّ السرديّات المضلّلة التي استخدمتها إيران على مدى سنوات، لم تكن سوى شمّاعات خدّاعة لتغطية هدفها الأساسيّ، وهو كسر العرب السنّة، والاستيلاء على بلادهم ومقدّساتهم، وفي مقدّمة تلك البلاد المملكة العربيّة السعوديّة، التي كانت وستبقى في رأس أولويّات هذا النظام، لأنّها بلاد الحرمين، وقبلة المسلمين، ومسقط رأس نبيّهم وآل بيته وصحبه وخلفائه وأبناء عمومته.
جبلٌ من نار
البحث هنا ليس في إدانة تقليديّة لهذا العمل الجبان، بل في دليل إضافيّ ونهائيّ لكلّ مسلم يدبّ فوق الأرض كي يدرك حقيقة هذا المشروع الجهنّميّ الأسود، الذي لا يختلف قيد أنملة عن المشروع الصهيونيّ الدمويّ التوسّعيّ، بل يتقاطع معه على نحو مرعب ومهول، ولا يختلفان إلّا بقدر ما يشتهي الواحد منهما أن يكون الأكبر قدرة والأوسع نفوذاً، فهما يتّفقان ويتقاطعان حول الهدف، لكنّهما يتذابحان على الغنائم.
استهداف مكة هو الشعرة التي ستقصم ظهر البعير، وإيران تريد بعملها الجبان أن يبلغ الاحتقان أشدّه بين السنّة والشيعة، وأن تدخل المنطقة برمّتها في حمّام دم، لكنّ اليقظة ستحول دون الانجراف نحو خيار مماثل، والشيعة العرب الأقحاح سيقفون في وجه هذا المشروع الشيطانيّ الذي يريد جرف المنطقة برمّتها نحو الجحيم.
ثمّة من يفرح ومن يهلّل اليوم لسقوط المخا بيد الحوثيّين، وكأنّها معركة نهائيّة وفاصلة، لكنّه لا يدرك أنّ استهداف مكّة سيقلب السحر على الساحر، وسيحوّل الانتصار المزعوم عند تخوم باب المندب إلى سرديّة مشابهة لأساطير عليّ الطاهر التي تُشبه عاصفة من الغبار، ما يلبث أن يلتصق بالأرض عند أوّل زخّة مطر.
ليرفع العالم العربيّ والإسلاميّ صوته، ويبادر إلى الردّ على هذه الهمجيّة وهذا التغول وهذا الاعتداء، عبر الإطباق النهائيّ على ما بقي من إيران ومشروعها وأذرعها، وعبر كشف اللثام عن خطرها الذي لا يقلّ قيد أُنملة عن الخطر الإسرائيليّ، إن لم يتجاوزه بأضعاف. فالعداء مع إسرائيل أبديّ وسرمديّ وقرآنيّ، ولو قامت ألف اتّفاقية سلام أو ألف احتفاليّة تطبيع، فيما تجلس إيران في أحضاننا، وبيننا وبينها دين مشترك وشريعة ونبيّ وقرآن، لكنّها تريد العودة بنا جميعاً إلى كربلاء، لا لتنتصر لمظلوم، ولا لتقف بوجه ظالم، بل لتدمّر المنطقة برمّتها فوق رؤوسنا، ولتسرق مركزيّة الإسلام من العرب.
مكّة آخر حصون المسلمين بعد احتلال القدس. والمملكة آخر حصون العرب بعد إنهاك عواصمهم وحواضرهم. والقصّة ليست في مسيّرة آثمة طيّرها أرذال اليمن نحو بيت الله الحرام، بل في حقد مستحكم وفي غدر دفين، قال فيه ذات يوم فاروق مكّة عمر بن الخطّاب: ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار.
