منذ تشكيلها، مرّت حكومة الرئيس نواف سلام بثلاث محطات أساسية لنيل ثقة مجلس النواب، عكست كل واحدة منها حجم التأييد البرلماني للحكومة، ولو أنّها في الجلستين الأخيرتين (تموز 2025 وأيلول 2026)، استقرت على حافة الـ68-69 صوتاً. في ظل غياب نواب كتلة “الوفاء للمقاومة” عن التصويت في جلسة الثقة الأخيرة، يطرح السؤال نفسه: من عوّض غياب الكتلة عن رصيد مجدّدي الثقة للحكومة؟
نالت حكومة نواف سلام الثقة في مجلس النواب يوم الأربعاء 26 شباط 2025، بعد جلستين متتاليتين استمرت خلالهما المناقشة العامة للبيان الوزاري نحو 18 ساعة، وتكلّم فيهما 48 نائبًا. حصلت الحكومة حينها على تأييد حركة “أمل”، و”القوات اللبنانية”، و”الكتائب”، و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، إضافة إلى نواب مستقلين، في حين رفض “التيار الوطني الحر” منحها الثقة بسبب عدم تمثيله فيها.
جاء توزيع الأصوات في هذه الجلسة على الشكل التالي: 95 صوتًا لمنح الحكومة الثقة، مقابل 12 صوتًا ضد الثقة، فيما امتنع 4 نواب عن التصويت، وغاب 17 نائبًا عن الجلسة.
بعد نحو خمسة أشهر على تشكيل الحكومة، عقد مجلس النواب جلسة لمساءلة الحكومة في تموز 2025، شهدت تراجعًا ملحوظًا في نسبة التأييد مقارنة بجلسة الثقة الأولى، إذ خرجت الحكومة بثقة 69 نائبًا فقط — من ضمنهم نواب “الحزب” — أي بأقل من 26 صوتًا مقارنة بالجلسة الأولى.
توزّعت الأصوات في هذه الجلسة على النحو التالي: 69 صوتًا لمنح الثقة، شملت كتل حركة “أمل”، و”الحزب” “القوات اللبنانية”، و”الكتائب”، و”اللقاء الديمقراطي”، ونواب مستقلين، مقابل 9 أصوات لحجب الثقة اقتصرت على “التيار الوطني الحر”، فيما امتنع 4 نواب عن التصويت.
سجّلت الجلسة الأخيرة مسارًا مختلفًا عن سابقتيها، مع دخول كتل جديدة على خط حجب الثقة وأخرى على خط الامتناع أو الانسحاب. فقد صوّتت لمنح الثقة 68 صوتًا، توزعت بين كتلة “القوات اللبنانية”، وكتلة “الكتائب اللبنانية”، و”اللقاء الديمقراطي”، وكتلة “التنمية والتحرير”، ونواب مستقلين، إضافة إلى عدد من النواب السنّة. في المقابل، حجبت كتلة “لبنان القوي” الثقة بواقع 12 صوتًا، بينما امتنع عن التصويت نائبان هما حليمة قعقور وجهاد الصمد، فيما غادرت كتلة “الوفاء للمقاومة” القاعة قبل التصويت ولم تشارك فيه.
قراءة الأرقام
يُظهر تتبّع نتائج الجلسات الثلاث تحوّلًا تدريجيًا في خريطة التصويت داخل المجلس النيابي: فمن إجماع واسع نسبيًا بلغ 95 صوتًا في الجلسة الأولى، إلى تراجع حاد إلى 69 صوتًا في جلسة المساءلة بعد خمسة أشهر، وصولًا إلى تبدّل في هوية الكتل المؤيدة والمعارضة في الجلسة الأخيرة، حيث تمسك “التيار الوطني الحر” في موقعه في حجب الثقة، بينما غابت كتلة “الوفاء للمقاومة” عن التصويت بشكل كامل بدل المشاركة فيه كما حصل سابقًا.
يقول أحد النواب إنّه رغم أن الأرقام الحرفية للجلستين الأخيرتين (69 ثم 68 صوتًا) قد تُقرأ للوهلة الأولى على أنها مؤشر تراجع في التأييد البرلماني للحكومة، فإن قراءة أدق للخريطة النيابية تُظهر أن مؤيدي الحكومة من كتل ونواب المستقلين تُقدَّر أصلًا بنحو مئة نائب. وحتى في حال استُبعدت كتلة “الحزب” بالكامل من هذا الحساب، فإن رقم المؤيدين لا ينخفض عن 85 نائبًا.
بناءً على ذلك، فإن رقم 69 الذي نالته الحكومة في جلسة تموز، ورقم 68 الذي نالته في الجلسة الأخيرة، لا يعبّران فعليًا عن الحجم الحقيقي للتأييد البرلماني، بل يرتبطان أساسًا بعدد النواب الذين كانوا حاضرين وصوّتوا فعليًا في الجلسة الختامية لا أكثر. فالفارق بين الرقمين المسجَّلين (68-69) والرقم الأقرب إلى الواقع (85-100) يعود بشكل رئيسي إلى الغياب والانسحاب من القاعة قبل التصويت.
لكن لنائب آخر وجهة نظر تقول إنّ الكتل الداعمة للحكومة استنفرت عشية الجلسة أعضائها خشية من هبوط “السكور” بشكل دراماتيكي، كما أنّ بعض النواب الذين امتنعوا في التصويت في المرة السابقة، عادوا ومنحوها الثقة في الدورة الأخيرة منهم مثلاً أسامة سعد، نبيل بدر، عماد الحوت وغيرهم. وهذا ما عوّض خروج كتلة “الحزب” من القاعة.