رغم تصاعد الحديث خلال الأشهر الماضية عن مؤشرات تعافٍ نسبي في الاقتصاد السوري، وتوقعات بتحقيق معدل نموّ قد يصل إلى نحو 10 بالمئة خلال عام 2026، فإن هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة تحسناً في الأوضاع الاقتصادية على مستوى الأسر أو سوق العمل. ما يزال الاقتصاد السوري يعمل ضمن مستويات إنتاج واستثمار منخفضة، ويظلُّ أثر أيِّ نموٍ محدوداً في ظلّ التحديات الهيكلية التي خلفتها سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي. وفي هذا السياق، تبرز البطالة بوصفها أحد أبرز تجليات الأزمة، لا بوصفها مؤشراً مستقلاً فحسب، بل نتيجة لتراجع النشاط الاقتصادي وضعف الاستثمار واستمرار اختلالات سوق العمل.

أصدر صندوق التنمية السوري «تقرير الأداء الربعي – الربع الأول 2026»، الذي بيّن أن نحو 15 مليونَ شخصٍ يحتاجون إلى مساعدات لتغطية احتياجاتهم الأساسية، ويواجه 12 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، ويعيش أكثر من 80 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، مع تجاوز معدل البطالة العام 50 بالمئة، وبطالة الشباب 60 بالمئة. ويوجد أكثر من مليوني طفلٍ خارجَ المنظومة التعليمية، إضافة إلى وجود 6 ملايين لاجئ و7 ملايين نازح داخلياً.

وبعيداً عن لغة التقارير والإحصاءات، يبدو الواقع على الأرض أكثر قسوة. فالأزمة السورية اليوم لا تتمثّل في وجود عاطلين عن العمل فحسب، بل أيضاً في اتساع شريحة العاملين في وظائف مؤقتة أو منخفضة الأجر، لا توفر الحدّ الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.

وعلى مستوى الدخل، ورغم الزيادات الرسمية التي رفعت الحدَّ الأدنى للأجور من 278,910 ليرات سورية قديمة في عام 2024 إلى 750 ألف ليرة في عام 2025، ثم إلى نحو 1,256,000 ليرة سورية في عام 2026، وهو ما يُعادل أقل من 100 دولار وفق سعر الصرف الحالي، فإن هذه الزيادات لم تُحدث أثراً ملموساً في القدرة الشرائية. وحتى الزيادات التي وُصفت بالنوعية وشملت قطاعات مثل التعليم والصحة والأوقاف والرقابة والتفتيش والمصرف المركزي، فقد تراجع أثرها بسبب الضرائب المرتفعة التي فُرضت عليها، كما هو الحال بالنسبة للمعلمين، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والطاقة والسكن والنقل والخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك، أصبح حتى العاملون والموظفون غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية من دون اللجوء إلى أعمال إضافية أو مصادر دخل أخرى.

ولم تعُد الأزمة مرتبطة بالحصول على وظيفة فحسب، بل بقدرة هذه الوظيفة على تأمين حياة كريمة. وبحسب صحيفة الثورة المحلية، التي قدّرت تكلفة المعيشة الشهرية الأساسية لأسرة سورية مكوّنة من أربعة إلى خمسة أفراد، فإنها تتجاوز 60,000 ليرة سورية جديدة (6 ملايين ليرة قديمة)، وذلك من دون احتساب أيِّ نفقات إضافية أو طارئة.

يجلس أبو عامر كل مساء أمام منزله المتواضع في أحد أحياء دمشق الشعبية، بعد انتهاء دوامه الطويل في شركة كهرباء دمشق. الرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في الوظيفة الحكومية، ويتقاضى راتباً يبلغ نحو مليون وستمئة ألف ليرة سورية قديمة، بعد زيادة 50 بالمئة الأخيرة على الراتب، لم يعُد راتبه كافياً لتأمين الحدِّ الأدنى من متطلبات أسرته. يضع أبو عامر بعض علب السجائر أمامه على طاولة صغيرة قرب منزله، يبيعها للمارة وأبناء الحي. يقول: «عندي ثلاثة أولاد بالمدارس، وبعد كم سنة بطلع تقاعد، ورغم هيك مضطر دور على شغل تاني بعد الوظيفة لأنه الراتب ما بكفي».

ويجد الشباب السوري أنفسهم اليوم أمام خيارات محدودة وقاسية، تتراوح بين البطالة، أو القبول بوظائف منخفضة الأجر لا ترتبط بتخصصاتهم، أو الاتجاه نحو الهجرة والعمل خارج البلاد، أو البحث عن مصادر دخل بديلة عبر الإنترنت والمشاريع الصغيرة. ودفع العجز عن إيجاد عمل مستقر بعضهم نحو أعمال غير قانونية، مثل السرقة أو عمليات الاحتيال والإعلانات الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي توهم الشباب بإمكانية تحقيق أرباح سريعة خلال فترات قصيرة.

يعمل أبو طلال داخل مكتب عقاري صغير منذ سنوات، رغم أنه خريج قسم المكتبات في جامعة دمشق وكان يحلم بحياة مختلفة تماماً. لم يكن العمل في العقارات ضمن طموحاته، لكنه اضطر للقبول به بعد أن ضاقت فرص العمل في المجالات الأخرى المرتبطة بتخصصه الدراسي. ومع مرور السنوات، تحوّلت حياته إلى سلسلة طويلة من التنازلات من أجل تأمين مستقبل أفضل لعائلته، وخاصة لابنه الذي تخرج طبيباً من جامعة دمشق. كان أبو طلال يرى في ابنه الوحيد أملاً أخيراً لتعويض سنوات التعب والحرمان، لكنه في الوقت نفسه كان يدرك أن الطبيب الشاب لن يجد داخل سوريا الفرص التي تليق بتعبه وشهادته. لذلك اتخذ قراراً قاسياً غيّر حياة العائلة بالكامل: باع منزله الوحيد، وانتقل للسكن مع أهل زوجته حتى يتمكّن من تأمين تكاليف سفر ابنه إلى ألمانيا. يقول: «كان الخيار صعباً، لكن مستقبل ابني أهم من أي شيء آخر. الحمد لله وصل إلى ألمانيا، ومن فترة قريبة بدأ العمل في أحد المشافي». الهجرة أو السفر ليسا خياراً فردياً، بل مشروع نجاة جماعي تدفع العائلات أثمانه الباهظة، التي قد تصل إلى فقدان الحياة، كما حدث مؤخراً مع الشاب علي سمور ابن قرية الناصرية في القلمون بريف دمشق، الذي قُتل على يد عنصر أمن عراقي في بغداد بعد مشاجرة بينهما، وعاد جثمانه إلى زوجته وأولاده وقريته، التي غادرها قبل أقل من عام، بحثاً عن لقمة العيش.

ووجد آلاف الشبّان، ممّن كانوا متطوعين في وزارتي الدفاع والداخلية في نظام الأسد، أنفسهم خارج سوق العمل، إلى جانب أعداد كبيرة من الموظفين الذين سُرِّحوا من وظائفهم، سواء كانت مثبتة أم بعقود المؤقتة، ما أدى إلى اتساع دائرة البطالة على نحو غير مسبوق. ويضاف إليهم آلاف العائدين من الخارج خلال العامين الماضيين، بحثاً عن فرصة للاستقرار والعمل داخل البلاد، لكنهم اصطدموا بسوق يعاني أساساً وعاجز عن استيعاب الداخلين الجدد، الأمر الذي ضاعف من حجم الضغط على الاقتصاد المحلي وفرص التشغيل المحدودة.

بعد سقوط نظام الأسد وحلّ الجيش، وجد مصطفى نفسه فجأة خارج كل ما عرفه طوال سنوات حياته. لم يكن الشاب الذي تطوع في جيش نظام الأسد لسنوات طويلة ووصل إلى رتبة نقيب يتخيل أن ينتهي به الحال بلا وظيفة، وبلا مصدر دخل، وحتى بلا هوية شخصية تثبت وجوده القانوني: «قبل سقوط النظام قدّمت أربعة طلبات تسريح رسمية، لكنها رُفضت». ومع انهيار مؤسسة الأسد العسكرية، خرج مصطفى منها دون أوراق رسمية تمكِّنه من بدء حياة جديدة حتى الآن. يعيش مصطفى اليوم مع زوجته وابنته الصغيرة التي لم تتجاوز عامها الأول في منزل والديه، بعدما أصبح عاجزاً عن تحمل تكاليف السكن أو تأسيس حياة مستقلة. حاول البحث عن عمل في الشركات والورش وحتى المحلات التجارية الصغيرة، لكن غياب البطاقة الشخصية وكونه ضابطاً مسرحاً كانا كفيلين بإغلاق الأبواب في وجهه. أصحاب العمل يخشون توظيفه بسبب وضعه القانوني غير الواضح، فيما تبدو الخيارات أمامه شبه معدومة. وفي النهاية، لم يجد سوى العمل داخل المنزل إلى جانب شقيقته في صناعة الإكسسوارات والحلي المقلدة، بدخل بالكاد يكفي للطعام والاحتياجات الأساسية. تعكس قصة مصطفى حالة الكثير من العسكريين والموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج سوق العمل، ليس فقط بسبب ضعف السوق، بل أيضاً بسبب غياب الأوراق الرسمية أو نقص المهارات المطلوبة أو نظرة الخوف والشك التي تلاحق بعضهم، في حين ما يزال ملف العدالة الانتقالية واحتمالية تعرّض أحدهم للمحاسبة من عدمه غير واضح المعالم.

وساهمت الظروف الاقتصادية الصعبة في دفع أعدادٍ متزايدة من النساء إلى دخول سوق العمل، خصوصاً في حالات غياب ذكور العائلة بسبب الهجرة أو الاعتقال أو الإخفاء القسري. لكن كثيرات يعملن في ظروف غير مستقرة وبأجورٍ متدنية، تقل حتى عن أجور الرجال، التي هي أصلاً منخفضة، وسط غياب الحماية القانونية والاجتماعية. وتجسد إيمان، خريجة معهد الاتصالات، جانباً آخر من أزمة سوق العمل السوري، فهي تبحث منذ تخرجها عن فرصة عمل تناسب اختصاصها، لكنها لم تجد حتى اليوم وظيفةً حقيقية تمنحها الاستقرار أو تسمح لها ببناء مستقبل مهني واضح. تعيش إيمان مع والديها وشقيقتها الصغرى في منزل متواضع وسط ظروف مادية صعبة، فيما تتحول أحلامها المهنية تدريجياً إلى مجرد محاولة للعثور على أيِّ فرصة تساعد الأسرة على مواجهة أعباء الحياة. تقول للجمهورية.نت: «من وقت لآخر أعمل مع خالتي في صالات الأعراس، عمل لا يشبهني ولا يرضيني كفتاة متعلمة، لكن للأسف هذا هو الخيار الوحيد المتاح حالياً». تشعر إيمان كغيرها من آلاف الخريجين والخريجات، بأن سنوات الدراسة والجهد لم تعد كافية للحصول على وظيفة مناسبة، في وقت تتزايد فيه أعداد الخريجين مقابل تقلّص فرص التشغيل. وبالنسبة لكثير من الشباب السوري، لم يعد السؤال عن الوظيفة المناسبة، بل عن أيِّ عمل يمكن أن يؤمن الحد الأدنى من الدخل.

وتفاقمت الأزمة مع استمرار إغلاق أعداد متزايدة من المعامل والمصانع والورش الصغيرة، التي كانت سابقاً تُشكِّل مصدراً مهماً للتشغيل والإنتاج. فارتفاعُ تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية، وضعف التمويل، وتراجع القدرة الشرائية، ودخول البضائع الخارجية، كلها عوامل دفعت كثيراً من المنشآت إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق الكامل. ولم يقتصر أثر ذلك على فقدان الوظائف المباشرة فحسب، بل أدى أيضاً إلى شلل اقتصادي أوسع طال قطاعات مرتبطة بالإنتاج والتوزيع والخدمات، إذ كانت كل منشأة تُغلِق أبوابها تضيف عشرات أو مئات العمال إلى قوائم البطالة.

أمضى وسيم سنوات طويلة يعمل في ورشة لتصليح السيارات في منطقة حوش بلاس الصناعية، لكن بعد إغلاقها وجد نفسه بلا عمل، ما اضطره للعمل بائعاً في محل للثياب براتب 2 مليون ليرة سورية قديمة شهرياً، على أمل أن تعود الورشة للعمل في وقت قريب كما وعده أصحابها. ويكفي التجول شوارع دمشق وأسواقها لنشاهد أعداداً كبيرةً من الرجال والنساء، من مختلف الأعمار، وقد تحولوا إلى باعة متجولين، بحثاً عن أيِّ مصدر للرزق. في المقابل، ورغم الحديث المتكرر عن اتفاقيات استثمار ومشاريع اقتصادية وعقود تعاون وقعتها الحكومة خلال العام والنصف الماضيين، فإن معظم هذه المشاريع ما يزال حتى الآن ضمن الإطار النظري أو الإداري. وحتى لو أصبحت واقعاً، فإن نتائجها الاقتصادية تحتاج إلى سنوات قبل أن تترجم إلى فرص عمل واسعة أو تحسُّن حقيقي في مستوى المعيشة، ما يجعل الحديث عن التعافي الاقتصادي بالنسبة لكثير من السوريين أقرب إلى الوعود المؤجلة منه إلى واقع ملموس.

يبقى التعافي الحقيقي في سوريا مرهوناً بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة وآمنة، لا بمجرد ارتفاع الأرقام أو توقيع الاتفاقيات. فالسوري اليوم لا يبحث عن فرصة عمل فحسب، بل عن فرصة لحياة مستقرة تحفظ كرامته وتمنحه الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل البطالة، وضعف الأجور، وإغلاق المنشآت، وهجرة الكفاءات، وتراجع الاستقرار المعيشي، هي العناوين الأبرز للمشهد الاقتصادي والاجتماعي السوري.