ملخص
كما كان كاتو الأكبر ينهي خطاباته أمام مجلس الشيوخ بعبارة: “يجب تدمير قرطاج”، فينطبق الأمر نفسه على المليشيا الحوثية في اليمن، لقد حان وقت تدميرها، وينبغي أن تدرك واشنطن أن إظهار الضعف لا يهدد الشرق الأوسط وحده، بل العالم بأسره.
يستخدم الحوثيون في اليمن البروباغندا على مدى سنوات لخداع العالم بتقديم أنفسهم كجزء من “محور المقاومة” الذي تقوده إيران وقوة مستقلة لا تخضع لسيطرتها. وظلت الازدواجية السمة الأبرز لنهجهم، فخلال الحرب الأهلية اليمنية بعد 2014، تستر الحوثيون خلف خطاب إنساني يزعم “الحرص” على المدنيين اليمنيين، على رغم أن الحوثيين أنفسهم كانوا السبب في تعريضهم للخطر.
انتهت تلك المرحلة وآن الأوان للتعامل مع الحوثيين باعتبارهم وكلاء إيران، وهو الدور الذي يؤدونه منذ أكثر من عقد، فإعلانهم في الـ20 من يوليو (تموز) فرض حظر على حركة السفن عبر مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، كشف عن حقيقتهم بما لا يدع مجالاً للشك. وما كان ينبغي التأخر في إدراك بصمات طهران، لكن السياسات الأميركية المتقلبة عبر إدارات متعاقبة، إلى جانب حالة التشرذم بين خصوم الحوثيين داخل اليمن أسهمت للأسف في ذلك.
لكن الوضع لم يعد مقبولاً، فمنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، يعيش الشرق الأوسط على وقع الحرب التي أشعلها وكلاء إيران الإرهابيون، ومن بينهم الحوثيون. كما أن إصرار طهران على المضي في برنامجها النووي دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى شن غارات جوية على منشآتها النووية في يونيو (حزيران) عام 2025، وقد قادت مساعي إيران إلى امتلاك السلاح النووي، إلى جانب دعمها للإرهاب الدولي، إلى خلق الصراع الراهن، كما غذت مساعيها إلى فرض الهيمنة على مضيق هرمز.
قدم الحوثيون دعماً ملموساً للمجهود الحربي الإيراني بوسائل عدة، إذ استهدفوا حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر وشنوا هجمات على أهداف إسرائيلية. ورداً على ذلك، نفذت كل من إسرائيل والولايات المتحدة ضربات ضد مواقع للحوثيين، لـ”استعادة الردع”، لكن نهج إدارة ترمب لم يستند إلى استراتيجية متماسكة. ومع ذلك، فإن الحكومات المعنية لا تزال قادرة، حتى في غياب خطة إقليمية شاملة، على وضع استراتيجية خاصة بالساحة اليمنية تقضي على تهديد الحوثيين بصورة نهائية.
شكلت حرية الملاحة ركناً أساساً في السياسة الخارجية منذ تأسيس الولايات المتحدة، وكانت أولى حروبها الخارجية “الحرب شبه المعلنة” بين عامي 1798 و1800 ضد فرنسا النابليونية في شمال الأطلسي، وأعقبتها بعد فترة وجيزة الحرب ضد قراصنة الساحل البربري في البحر المتوسط بين عامي 1801 و1805، ومثلت حرية البحار القضية المحورية في كلتا الحربين. واليوم، يشكل وجود إيران في مضيق هرمز والحوثيين في البحر الأحمر تحدياً مباشراً لهذا المبدأ الحيوي. وحتى في ظل تنامي النزعة الانعزالية داخل الولايات المتحدة، ينبغي أن تدرك واشنطن أن إظهار الضعف لا يهدد الشرق الأوسط وحده، بل العالم بأسره.
أعلن ترمب أنه سيحمل إيران مسؤولية أية هجمات يشنها الحوثيون على السفن قرب اليمن، وعلى رغم أن هذا الموقف يبدو حازماً، إلا أن علينا تذكر أنه أدلى بالتصريح نفسه في مارس (آذار) عام 2025، غير أن الضربات التي استهدفت الحوثيين حينها استمرت شهرين فقط، ولم تنجح في إنهاء التهديد. ولذلك فإن تكرار هذا النهج سيؤدي إلى استمرار العدوان الحوثي، وعليه لا ينبغي أن يقتصر نهج ترمب على الرد على هجمات الحوثيين، بل يجب أن يهدف إلى إنهائها بصورة دائمة.
طاولت هجمات الحوثيين على إسرائيل والسعودية والإمارات أهدافاً مدنية، من بينها مناطق سكنية ومطارات تجارية، ومنشآت تابعة لصناعة النفط، وجاءت الهجمات على إسرائيل في إطار دعم هدف إيران المتمثل في “القضاء على إسرائيل”، وهو ما يبرر اتخاذ إجراءات دفاعية انتقامية.
كما أن هجمات الحوثيين على الدول العربية خدمت العدوان الإيراني، وفي الوقت نفسه ارتبطت بمجريات الحرب الأهلية في اليمن. وفي جميع الأحوال، فإن استهداف المدنيين عمداً يعد عملاً إرهابياً، لكن الحوثيين اتبعوا في ذلك نهج إيران. وبالنسبة إلى دول الخليج العربية، فإن وجود وكيل لإيران في محيطها الاستراتيجي يشكل تهديداً قاتلاً طال أمده. ولذلك يتطلب القضاء على التهديد الحوثي موقفاً خليجياً موحداً ورأب الانقسامات بين القوى اليمنية، لتشكيل جبهة موحدة قادرة على إنهاء التهديد العسكري للحوثيين وإزاحتهم من السلطة.
رضخت الولايات المتحدة، بما في ذلك إدارة ترمب الأولى، مراراً لضغوط دولية استندت إلى مزاعم الحوثيين بأن الحرب ضدهم تعرقل جهود المساعدات الإنسانية، لكن الحقيقة هي أن الحوثيين استغلوا الأزمة الإنسانية في اليمن لتحقيق أهدافهم الخاصة، مستخدمين عمليات إيصال المساعدات إلى المدنيين الأبرياء غطاء لعمليات تهريب الأسلحة والذخائر التي أبقت جهودهم العسكرية في الحرب الأهلية اليمنية مستمرة. ولا يزالون يواصلون ذلك حتى اليوم، ومن المرجح أن يؤدي الرد العسكري للتحالف على أهداف عسكرية حوثية في الحديدة إلى إثارة ردود الفعل نفسها.
ويتعين على الولايات المتحدة المحافظة على موقف حازم، من خلال تقديم الدعم المهم لتعزيز التحالف العربي المناهض لإيران، والعمل في الوقت نفسه على هزيمة الحوثيين، والتعاون مع الدول الإقليمية، بما فيها عمان، لمنع وصول الذخائر إلى الحوثيين.
في روما القديمة، كان كاتو الأكبر ينهي خطاباته أمام مجلس الشيوخ بعبارة: “يجب تدمير قرطاج”، وينطبق الأمر نفسه على نظام الحوثيين في اليمن، لقد حان وقت تدميره.
