ملخص
تواجه أوروبا لحظة مصيرية مع تراجع المظلة الأميركية، وتصاعد التهديدين الروسي والصيني، وتنامي الشعبوية داخل القارة. ويرى الكاتب أن إنقاذ الاتحاد الأوروبي يتطلب قفزة نحو تكامل أعمق في الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي، استناداً إلى إصلاحات ماريو دراغي. ويؤكد أن ألمانيا، بقيادة فريدريش ميرتس، هي القوة الوحيدة القادرة على دفع أوروبا إلى التصرف ككيان موحد يضمن أمنها وازدهارها ومكانتها العالمية.
يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم مجموعة من التحديات الخارجية التي تهدد وجوده. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أبلغ مسؤولون في البنتاغون دبلوماسيين أوروبيين أن على القارة أن تتولى قيادة حلف شمال الأطلسي بحلول عام 2027، في إشارة إلى أن التحالف عبر الأطلسي قد يكون في طريقه إلى النهاية. وفي الوقت نفسه أدى قرار واشنطن خوض الحرب ضد إيران، من دون تشاور جاد مع حلفائها الأوروبيين، إلى أزمة طاقة عالمية وأثار مزيداً من الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة. وبطريقة موازية، فإن تصاعد العدوان العسكري الروسي والضغوط التجارية والتكنولوجية الصينية يفرضان على أوروبا مشكلات اقتصادية وأمنية خطرة.
وفي الوقت ذاته، تواجه أوروبا خطراً حاداً من الداخل. فحال انعدام الأمن الاقتصادي وقضايا الهجرة تغذيان نزعة قومية شعبوية قد تضعف مشروع التكامل الأوروبي، هذا إن لم تؤد إلى تفكيكه. وتكتسب الأحزاب اليمينية المتطرفة زخماً في جميع أنحاء القارة وتسعى إلى استرجاع السلطة من بروكسل. كذلك تقوض القوى الشعبوية الإرادة الجماعية للاتحاد الأوروبي، وهو ما يزيد من صعوبة تولي الأوروبيين مسؤولية أمنهم الخاص.
وللاستجابة بفاعلية لهذين التهديدين المتزامنين، الخارجي والداخلي، ليس أمام الأوروبيين سوى خيار واحد، وهو استكمال مشروع التكامل الأوروبي. ويتمثل الطريق إلى الأمام في ربط مقترحات الإصلاح التي طرحها ماريو دراغي، رئيس الوزراء الإيطالي السابق والرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، بالقيادة الألمانية. فدراغي يدعو إلى تسريع التكامل من خلال صياغة سياسة أوروبية مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة. وتعد ألمانيا الدولة الوحيدة التي تمتلك القوة السياسية اللازمة لدفع الاتحاد في هذا الاتجاه، كذلك فإن قادتها يدركون مدى إلحاح اللحظة الراهنة: ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، اعترف المستشار الألماني فريدريش ميرتس بتفكك النظام الدولي وأكد أهمية تعزيز وحدة الاتحاد الأوروبي وقدرته التنافسية استجابة لهذه التطورات.
ومن الممكن أن تمنح جهود الإصلاح التي تقودها ألمانيا الاتحاد الأوروبي طابعاً يتجاوز الحدود الوطنية وهو ما يحتاج إليه للتحرك نحو الاستقلال الاستراتيجي والعمل كقوة واحدة على الساحة العالمية. ومن شأن تعميق التكامل أيضاً أن يولد الانتعاش الاقتصادي اللازم لمواجهة المد المتصاعد من الشعبوية غير الليبرالية. ويرى دراغي أن أوروبا تحتاج إلى تحقيق قفزة نوعية في التكامل إلى الحد الذي يجعل القارة قادرة على “التصرف أكثر فأكثر كما لو كانت دولة واحدة”. ويتعين على ألمانيا اغتنام هذه اللحظة وأخذ زمام المبادرة في مساعدة الدول الأوروبية على العمل معاً من أجل تحقيق هذه القفزة.
عالم مقلوب رأساً على عقب
إن جهود الصين وروسيا والولايات المتحدة لتقويض النظام الأمني الدولي تخلق مستوى من عدم اليقين والاضطراب العالميين يؤدي إلى تهميش الاتحاد الأوروبي وتعريضه لأخطار غير مسبوقة. ويعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب المصدر الرئيس لهذا الاضطراب. فلم تكن تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند صادمة للدنمارك فحسب، بل وأيضاً لأوروبا بأكملها، كذلك فإن رسومه الجمركية تسببت في تعطيل التجارة العالمية. وأدى قرار ترمب بمهاجمة إيران إلى إشعال صراع إقليمي واسع النطاق وإلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. كذلك فإن دعم واشنطن اليمين المتطرف الأوروبي أربك الحكومات التي تسعى إلى الدفاع عن التيار الوسطي في مواجهة التطرف الأيديولوجي. ويشعر القادة والمواطنون الأوروبيون على نحو متزايد أن ترمب ينظر إلى الحلفاء باعتبارهم عبئاً، أو حتى خصوماً.
ولعل النهج الذي اتبعه ترمب تجاه الحرب في أوكرانيا يشكل التهديد الأكثر خطورة للثقة والتضامن عبر الأطلسي. فقد خلصت الدول الأوروبية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هاجم أوكرانيا لأنه يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الذي نشأ بعد الحرب الباردة بطريقة تعزز قوة روسيا وتضعف الاتحاد الأوروبي. وقد أسهمت الحملات العسكرية الروسية وعمليات التخريب السيبراني التي شنتها روسيا في تعزيز هذا التصور، إذ اخترقت طائرات وصواريخ وطائرات مسيرة روسية المجال الجوي للاتحاد الأوروبي وعطلت العمليات في مطارات رئيسة، بما في ذلك مطارات ميونيخ وكوبنهاغن. وقد ولدت مبادرات ترمب الودية تجاه موسكو وموقفه المتجاهل لكييف شعوراً بخيبة الأمل وبالابتعاد عن واشنطن في أوروبا.
في المقابل، تزداد روسيا تقارباً أيضاً مع الصين، وهو ما يوحي لكثيرين في أوروبا إلى أن موسكو وبكين تمثلان على نحو متزايد تحدياً استراتيجياً واحداً. ففي عام 2024، شاركت قوات صينية في تدريبات للعمليات الخاصة في بيلاروس، مما جعل التهديد الصيني أقرب إلى القارة الأوروبية. وقدمت بكين دعماً غير مباشر لحرب بوتين في أوكرانيا. وفي نظر كثيرين في أوروبا، فإن ترمب يتماشى مع بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ في السعي إلى تفكيك النظام الدولي الليبرالي، في تحول حاد عن نهج سلفه الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي تعاون مع أوروبا للدفاع عن ذلك النظام.
وقد يفضي التواطؤ بين بوتين وترمب وشي جينبينغ إلى ثلاث نتائج محتملة، جميعها غير مرحب بها في بروكسل. فقد ينزلق العالم نحو حرب جديدة بين القوى العظمى، أو قد يتوصل القادة الثلاثة إلى اتفاق شبيه بمؤتمر يالطا عام 1945، مما يؤدي إلى إنشاء مناطق نفوذ جديدة، أو قد يتآكل النظام الدولي، تاركاً وراءه عالماً هوبيزياً [نسبة إلى فلسفة توماس هوبز]، لا يحكمه سوى قانون الغاب. ويمثل كل من هذه السيناريوهات تهديداً خطراً لأوروبا. فالصراع بين القوى العظمى سيجبر الاتحاد الأوروبي على الانحياز إلى أحد الأطراف، مما قد يضع أوروبا في مواجهة مع قوة أو أكثر من القوى الخارجية. أما تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ جديدة، فقد يجعل أوروبا ضحية لهذا الترتيب، إذ يمكن أن تتفكك القارة مع انجذاب دولها إلى مدارات مختلفة. كذلك فإن استمرار الفوضى العالمية سيبقي القارة في حال من عدم الاستقرار ويهدد فرصها في الازدهار.
التهديد من الداخل
تواجه أوروبا أيضاً تهديداً داخلياً خطراً يتمثل في الشعبوية. ففرنسا، التي كانت فترة طويلة إحدى الركائز الثابتة للاتحاد الأوروبي، شهدت تعاقب خمسة رؤساء وزراء خلال العامين الماضيين، مع تنامي قوة التيارات الشعبوية يميناً ويساراً. فقد استقال سيباستيان لوكورنو، الذي عين رئيساً للوزراء في سبتمبر (أيلول) 2025، بعد نحو شهر واحد فقط من توليه المنصب، وبعدما أعاد الرئيس إيمانويل ماكرون تكليفه بعد أربعة أيام، تمكن لوكورنو من تشكيل حكومة استندت إلى تسوية هشة مع حزب الجمهوريين المنتمي إلى يمين الوسط، وهو الخيار الوحيد المتبقي لإنقاذ حكومة قابلة للاستمرار وقادرة على العمل، لكن انهيار هذه الحكومة يبدو مرجحاً لأن ماكرون أصبح لا يحظى بشعبية كافية تمكنه من ضمان بقائها، مما قد يؤدي إلى انتخابات جديدة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن “حزب التجمع الوطني” اليميني المتطرف، المتشكك في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والمتعاطف مع بوتين، هو المرشح الأوفر حظاً للفوز.
وفي مكان آخر، يواصل “حزب البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف إحراز تقدم مطرد، وأصبح الآن متعادلاً مع حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” المنتمي إلى يمين الوسط، أو حتى متقدماً عليه، في استطلاعات الرأي. وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قد يتمكن اليمين المتطرف من الوصول إلى منصب المستشارية الألمانية (ومن المقرر إجراء الانتخابات المقبلة عام 2029). وقد أثار موقف “حزب البديل من أجل ألمانيا” المتشدد ضد الهجرة والاتحاد الأوروبي ودعمه روسيا مخاوف كثير من المراقبين الأوروبيين من عودة شكل عدواني وعنصري من القومية الألمانية. وإذا وصل “حزب التجمع الوطني” إلى السلطة في فرنسا، و”حزب البديل من أجل ألمانيا” إلى الحكم في ألمانيا، فقد يؤدي ذلك إلى نهاية الاتحاد الأوروبي.
وفي إيطاليا، وفرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني الاستقرار من خلال ائتلافها الحكومي المحافظ، لكن عندما يتوجه الإيطاليون إلى صناديق الاقتراع عام 2027، ستواجه حكومتها تحديات من داخل ائتلافها وخارجه. فسيسعى ماتيو سالفيني، زعيم حزب “الرابطة” اليميني الشعبوي المعارض للهجرة والمؤيد لبوتين إلى استغلال دعم ميلوني النسبي للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا من أجل كسب أصوات اليمين المتطرف. كذلك فإن تحالف المعارضة، المكون من “الحزب الديمقراطي” الوسطي اليساري و”حركة خمس نجوم” الشعبوية، سينافس ميلوني. ويشكل تحالف محتمل بين اليمين المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي، ممثلاً بـ”حزب الرابطة”، واليسار الشعبوي ممثلاً بـ”حركة الخمس نجوم”، تهديداً خطراً للاتحاد الأوروبي. أما في المملكة المتحدة، فيواصل حزب “ريفورم” بزعامة نايجل فاراج اكتساب مزيد من القوة، وقد يتمكن من السيطرة على داونينغ ستريت [رئاسة الحكومة] مع تعثر حكومة “حزب العمال”. وقد يطلق حزب “ريفورم” أجندة تركز على تعظيم السيادة البريطانية إلى أقصى حد، مما قد يقوض جهود “حزب العمال” الرامية إلى إعادة إبرام اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي في شأن قضايا مثل الدفاع والهجرة.
ويعد رد الفعل العنيف تجاه الهجرة أحد المحركات الرئيسة للموجة الشعبوية في أوروبا، وهو ما يمثل مشكلة خاصة لمشروع التكامل الأوروبي. فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تحتاج إلى المهاجرين لمواجهة التراجع الديموغرافي وتعزيز النمو الاقتصادي، لكن دمج الوافدين الجدد أصبح قضية شديدة الحساسية سياسياً إلى درجة أنها تهدد أي مقترح إصلاحي. وتبدو الخلافات حول سياسات الهجرة عميقة للغاية في الوقت الراهن بحيث يصعب حلها، لذلك يجب أن تركز جهود التكامل على متابعة الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الظروف الاجتماعية، على أمل أن يؤدي ازدياد الازدهار إلى خلق الظروف السياسية المواتية لمعالجة قضية الهجرة في مرحلة لاحقة.
أفكار إيطالية، قوة ألمانية
يرى دراغي، الذي ترأس البنك المركزي الأوروبي بين عامي 2011 و2019، أن أوروبا تواجه خطر التهميش والخضوع للآخرين ما لم تحرز خطوات كبيرة نحو مزيد من التكامل. ففي تقرير للمفوضية الأوروبية صدر عام 2024، وفي كثير من الخطابات التي ألقاها منذ ذلك الحين، طرح برنامجاً طموحاً للإصلاحات يهدف إلى بناء أوروبا مبتكرة، ورائدة، وقادرة على النجاح في أن تصبح أقرب إلى دولة واحدة. وتتضمن خطة دراغي أربعة مقترحات رئيسة: إصلاحات اقتصادية لتعزيز التنافسية والنمو، واستثمارات في الذكاء الاصطناعي لتحفيز الابتكار وتمكين الاتحاد الأوروبي من مواكبة الولايات المتحدة والصين، وإصلاح سياسة الطاقة لتحسين أمن الطاقة وخفض الأسعار، وإحداث تغييرات في السياسة الأمنية ومشتريات الأسلحة من أجل إنشاء دفاع مشترك.
علاوة على ذلك، يدعو دراغي إلى تبسيط عملية صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي. فتنفيذ مقترحاته الاقتصادية يتطلب إرادة سياسية جماعية كافية تدفع الدول الأعضاء إلى تجاوز مصالحها الضيقة القصيرة الأجل. وفي الوقت الراهن، لا يمكن لمقترحاته أن تحظى بالموافقة لأنها تتطلب إجماع جميع الدول الأعضاء، كذلك فإن القيادة السياسية للاتحاد الأوروبي أضعف من أن تتمكن من تنفيذ إصلاحات كبرى. لذلك يقترح دراغي أن تتخذ جميع القرارات، بما فيها القرارات المتعلقة بالدفاع، بالغالبية، بما ينهي اعتماد الاتحاد الأوروبي على مبدأ الإجماع.
وتعد مقترحات دراغي الأساس لاستجابة ناجحة في مواجهة الشعبوية لأنها تدفع أوروبا إلى تعزيز مؤسساتها، وهو تحديداً ما يعارضه الشعبويون. ويركز دراغي على ثلاثة مجالات حيوية في المرحلة الراهنة، وهي سوق طاقة موحدة لحماية المستهلكين من الاستغلال من جانب الموردين، ومنظومة دفاع موحدة للتصدي للتهديد الروسي المتزايد، وتطوير الذكاء الاصطناعي لخلق فرص عمل وإمكانات جديدة. ومن شأن تحسين مؤسسات أوروبا في هذه المجالات أن يرد على مزاعم المنتقدين الذين يرون أن بروكسل عديمة الفائدة، بل وربما ضارة بمواطني الاتحاد الأوروبي. ويمكن للإصلاحات الناجحة أن تثبت للشعبويين، سواء في اليمين أو اليسار، أن أوروبا ليست المشكلة بل هي الحل.
وحدها ألمانيا تملك النفوذ اللازم لتنفيذ إصلاحات دراغي
لكن دراغي ليس في السلطة. ففي إيطاليا، تقود ميلوني ائتلافاً محافظاً يعارض نقل السلطة من الدول الأعضاء إلى الاتحاد الأوروبي. وتفتقر إيطاليا إلى النفوذ اللازم داخل أوروبا للدفع بإصلاحات واسعة في بروكسل. أما فرنسا، التي كانت تاريخياً إحدى القوى القيادية في أوروبا، فيعد رئيسها ماكرون من أشد المؤيدين للاستقلال الاستراتيجي. إلا أن ماكرون وائتلافه يمران حالياً بمرحلة ضعف غير مسبوقة، في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الفرنسي انقسامات عميقة في ظل تصاعد شعبية اليمين المتطرف.
إذاً، وحدها ألمانيا، أقوى دول أوروبا، تملك النفوذ اللازم لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات. فميرتس يقود ائتلافاً وسطياً يضم الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين. وتكمن قوته في رؤيته الواضحة للأهداف: فهو يدرك أن العلاج الفعال الوحيد للشعبوية يتمثل في إصلاحات اقتصادية موثوقة تعزز النمو والقدرة التنافسية. وبصفته محافظاً مالياً يتمتع بخبرة واسعة في القطاع الخاص، يتحدث ميرتس بلغة الأسواق مع دفاعه في الوقت نفسه عن النموذج الألماني للديمقراطية الاجتماعية. كذلك فإنه يفهم جيداً منطق توازنات القوة في السياسة الدولية. فهو مؤيد بشدة لحلف الناتو، وقد تمكن من إيجاد طريقة للتعامل مع ترمب من خلال تحديه في قضيتي غرينلاند وإيران، مما سمح لبرلين بالحفاظ على علاقة واقعية وبراغماتية مع واشنطن. وفي اتحاد أوروبي منقسم سياسياً وأيديولوجياً، يعد ميرتس الزعيم الوحيد القادر على تحويل أجندة دراغي الإصلاحية إلى مشروع سياسي ملموس.
ومع ذلك، يواجه ميرتس، مثل سائر قادة الاتحاد الأوروبي، تحديات داخلية ويكافح للحفاظ على شعبيته، لكنه أظهر استعداداً فريداً لقيادة الاتحاد الأوروبي. ففي مواجهة التهديدات الروسية المتزايدة على الجبهة الشرقية لـ”الناتو”، زار ليتوانيا في مايو (أيار) 2025 لمناسبة نشر لواء ألماني في المنطقة، مؤكداً لدول البلطيق أن أمنها جزء لا يتجزأ من الأمن الأوروبي. وعندما تحدث ترمب عن الاستيلاء على غرينلاند، كان ميرتس من أوائل القادة الذين تعهدوا بإرسال قوات للدفاع عنها، وفي يناير الماضي، أرسلت ألمانيا وحدة استطلاع صغيرة إلى غرينلاند ضمن مهمة أوروبية مشتركة لتعزيز الأمن في القطب الشمالي. وليس من قبيل المصادفة أنه بعد أيام قليلة من صدام ترمب مع القادة الأوروبيين في دافوس خلال يناير الماضي، توجه ميرتس إلى روما لتوقيع اتفاق مع ميلوني يهدف إلى ضمان أن يكون الاتحاد الأوروبي، على حد تعبير رئيسة الوزراء الإيطالية، “ممسكاً بمصيره”.
وبعد وقت قصير من زيارته لروما، شارك ميرتس في قمة غير رسمية للاتحاد الأوروبي في بلجيكا ركزت على تعزيز القدرة التنافسية للقارة، والتقى مجدداً ميلوني لمناقشة إصلاحات الاتحاد الأوروبي. كذلك حضر دراغي القمة وألقى خطاباً حذر فيه من أن أوروبا ستواجه خطر التبعية والانقسام وتراجع الصناعة إذا لم تتحول إلى “اتحاد فيدرالي حقيقي”. ويمكن لميرتس أن يبدأ بالدعوة إلى إلغاء شرط الإجماع في عملية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما من شأنه أن يسرع فوراً قدرة أوروبا على العمل ككيان واحد ويجعل مقترحات دراغي المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة أكثر قابلية للتحقيق.
معاً إلى الأمام
أكدت الحرب في إيران مدى إلحاح تنفيذ مقترحات دراغي. فقد أوضحت أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع أن الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى توحيد سوق الطاقة الخاصة به. ومن شأن دمج أسواق الطاقة الوطنية في نظام موحد أن يخفض الكلف ويقلل من حال التشتت المزمنة التي تعانيها القارة في هذا القطاع. ويدعو دراغي إلى شراء مشترك للغاز الطبيعي لمنح أوروبا قوة تفاوضية أكبر، واستثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء العابرة للحدود للسماح بحرية تدفق الطاقة بين الدول الأعضاء، وفصل أسعار الكهرباء عن أسعار الغاز الطبيعي لضمان وصول الكلفة المنخفضة لمصادر الطاقة المتجددة والنووية إلى المستهلكين والصناعة. ومن أجل تمويل كل هذه المشاريع، يؤيد دراغي إصدار دين أوروبي مشترك على شكل سندات اليورو. وقد تسهم الحاجة الملحة إلى أمن الطاقة في خلق الزخم السياسي اللازم للمضي في الإصلاحات الهادفة إلى تعزيز التنافسية والابتكار.
إضافة إلى ذلك أبرزت الحرب أهمية وجود دفاع أوروبي مشترك. ففي مارس (آذار) الماضي، أطلق “حزب الله” طائرات مسيرة إيرانية الصنع باتجاه قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، مما كشف عن هشاشة الجبهة الجنوبية لأوروبا. وكشف الصراع عن أوجه قصور خطرة في القدرات الأوروبية: فقد واجهت جيوش الدول الأعضاء صعوبة في إرسال سفن للمساعدة في الدفاع عن شركائها في الخليج ضد أي رد إيراني محتمل. ومع ذلك، أظهرت الحرب أيضاً كيف يمكن للتعاون الموقت بين دول الاتحاد الأوروبي أن يشكل نموذجاً في السعي إلى تحقيق دفاع مشترك. فقد أرسل ائتلاف من الدول الأعضاء سفناً حربية وأنظمة دفاع جوي لحماية قبرص، كذلك أرسل أنظمة دفاع جوي إلى دول شريكة في الشرق الأوسط كانت مهددة من إيران.
وحتى الآن، تقتصر هذه الجهود على عدد محدود من الدول الأعضاء، بصورة رئيسة فرنسا واليونان وإيطاليا وهولندا وإسبانيا، التي تعمل بالتنسيق مع المملكة المتحدة، وهي الدول التي أبدت استعدادها للاضطلاع بدور أكبر في الدفاع. ومن بين هذه الدول، تبدي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مبادرة مماثلة من خلال “قوة الطمأنة” التي أعلنت استعدادها لإرسالها في سبيل حماية كييف من أي عدوان روسي جديد بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.
تؤكد الحرب في إيران أهمية وجود دفاع أوروبي مشترك
واستطراداً، يوفر هذا النهج القائم على التحالفات نموذجاً مهماً للمستقبل. فهو يثبت أن عدداً من أقوى الدول الأعضاء الأوروبية ملتزمة المادة 42.7 من معاهدة لشبونة الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وهي تعادل المادة الخامسة من ميثاق “الناتو” التي تنص على الدفاع الجماعي عن أعضائه. وعلى رغم أن المملكة المتحدة لم تعد جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فإن استعدادها لتشكيل مجموعة “إي 3” (E3) إلى جانب فرنسا وألمانيا، والمشاركة في “تحالفات الراغبين” الأوروبية، يبعث برسالة إلى بوتين مفادها أن الردع الأوروبي لا يزال قائماً. وبفضل استعداد برلين لزيادة الإنفاق الدفاعي، ستصبح ألمانيا قريباً الدولة الأفضل تسليحاً في القارة.
وتتمثل الخطوة التالية للاتحاد الأوروبي في الاتفاق على تنسيق الإنتاج الدفاعي. فاليوم تطور كل دولة أوروبية وتشتري أنظمة أسلحتها الخاصة بصورة منفصلة، مما يؤدي إلى تكرار ضخم للجهود من دون أي قيمة عسكرية إضافية. وقد ندد دراغي مراراً وتكراراً بتجزئة الدفاع الأوروبي معتبراً إياه أحد أكثر أوجه القصور كلفة في القارة. وكما أشار في مقترحاته المقدمة للمفوضية الأوروبية عام 2024، زودت دول الاتحاد الأوروبي أوكرانيا بـ10 أنواع مختلفة من مدافع الهاوتزر، مما جعل العمليات الميدانية أكثر تعقيداً وفوضوية من دون داع. ويمكن لألمانيا أن تبدأ بتشجيع الاتحاد الأوروبي على اعتماد مشتريات عسكرية مشتركة، وتبادل نتائج البحوث والتطوير العسكري، وتوحيد الإنتاج الصناعي الدفاعي. فمن دون قوات جوية وبرية وبحرية متكاملة، ستظل أوروبا تدفع كلفة باهظة مقابل دفاعات ضعيفة.
وإذا نجح الدمج بين برنامج دراغي الإصلاحي وقيادة ميرتس الجريئة، فلن تقع أوروبا ضحية للتواطؤ الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، أو للشعبوية غير الليبرالية داخل حدودها. بدلاً من ذلك، ستبرهن على أنها فاعل رئيس في التحدي المتمثل في إعادة تشكيل النظام الأمني الدولي الجديد، لا مجرد ضحية له. وستضمن لنفسها مقعداً إلى جانب القوى الكبرى الأخرى في رسم ملامح القرن الـ21. في الواقع، إن الجمع بين الأفكار الإيطالية والقوة الألمانية يمكن أن يحول أوروبا إلى فاعل سياسي قادر على مواكبة الإيقاع المتسارع للتاريخ.
ماوريتسيو موليناري هو كاتب عمود صحافي ورئيس التحرير السابق لصحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية، ومؤلف كتاب “الصدمة العالمية: تأثير ترمب وعصر عدم اليقين”. هذا المقال هو نتيجة نقاشات وأبحاث جرت داخل “مجموعة لويد جورج لدراسة الحوكمة العالمية”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 22 يونيو (حزيران) 2026
