بعد أشهر من الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، يبدو العراق أمام اختبار سياديّ مؤجّل، تتداخل فيه الحسابات الداخليّة مع صراع النفوذ بين واشنطن وطهران. وبين انسحاب القوّات الأميركيّة وضغوط الفصائل المسلّحة، لا تزال بغداد تبحث عن صيغة تتيح لها تنفيذ قراراتها من دون تفجير توازناتها السياسيّة والأمنيّة.
بات من الواضح أنّ المشهد العراقيّ، وبعد الجدل الواسع والصراع المحتدم حول مستقبل العمليّة السياسيّة بعد 30 أيلول الجاري، قد استقرّ على ثابتين أساسيَّين:
– أوّلاً، نهائيّة انسحاب القوّات الأميركيّة والتحالف الدوليّ من العراق، وتفكيك القواعد داخل الجغرافيا العراقيّة، بما فيها إقليم كردستان.
– ثانياً، عدم التوصّل إلى اتّفاق بين الحكومة بقيادة عليّ الزيديّ والفصائل المسلّحة حول آليّات وكيفيّة تنفيذ المسار الذي تبنّاه الزيديّ لإنهاء السلاح خارج الدولة، ما يضع الحكومة ورئيسها أمام تحدّيات تتعلّق بمصداقيّتهما وقدرتهما على تنفيذ القرارات السياديّة التي تصدر عنهما.
الحاجة إلى دعم أميركيّ
التزام الزيديّ بإنهاء السلاح خارج الدولة، الذي أكّده خلال لقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في الزيارة التي قام بها إلى البيت الأبيض في 14 تمّوز الماضي، كان يستند إلى الدعم الأميركيّ الذي كان يعوّل عليه لمساعدته في تنفيذ هذا القرار. إلّا أنّه اصطدم بحقائق واعتبارات عطّلت قدرته على التنفيذ ضمن الجدول الزمنيّ الذي حدّده، خصوصاً أنّه لم يأخذ في الاعتبار الصراعات التي تشهدها المنطقة، وما تعيشه من حالة حرب مفتوحة بين القوى الدوليّة والإقليميّة الفاعلة على الساحة العراقيّة، أي إيران من جهة، والولايات المتّحدة الأميركيّة وحلفائها في المنطقة من جهة أخرى.
اعتبر الزيديّ أنّ قرار إنهاء السلاح خارج الدولة مدخلاً ضروريّاً وشرطاً أساسيّاً لأيّ عمليّة نهوض اقتصاديّ بالواقع العراقيّ المأزوم، إضافة إلى كونه المدخل الرئيس لاستعادة العراق الثقة الدوليّة والإقليميّة بقدرته على ضبط الأمن والسلاح، والالتزام بالوعود التي تفتح الطريق أمام تنمية حقيقيّة واحتضان سياسيّ واقتصاديّ من المجتمع الدوليّ.
إلّا أنّ الحقيقة التي اصطدم بها الزيديّ وكلّ الفريق الداعم له في هذا المسار، هي أنّ الفصائل المعنيّة بالقرار، وهي كتائب سيّد الشهداء، حركة النجباء، كتائب حزب الله، وأنصار الله الأوفياء، إضافة إلى فصائل رديفة أو ما يعرف بفصائل الظلّ، مثل أولياء الدم وأهل الكهف، تقع خارج الشأن العراقيّ الداخليّ، وتشكّل انعكاساً لصراع معقّد وحرب نفوذ وسيطرة بين واشنطن وطهران.
واشنطن: العراق ثمّ لبنان
ترى الإدارة الأميركيّة أنّ النجاح في تحقيق هدف إنهاء الفصائل الموالية لإيران في العراق سيشكّل مدخلاً يمكن البناء عليه في التعامل مع سلاح “الحزب” في لبنان، في حين تعتقد طهران أنّ السكوت على تفكيك الفصائل العراقيّة يعني تقديم هديّة مجّانيّة لواشنطن وسط معركة مفتوحة بينهما، قد تضعف موقفها وموقعها في أيّ معادلة جديدة في المنطقة.
أمام الضغوط الأميركيّة على حكومة الزيدي للالتزام بوعودها، بدأت طهران حراكاً حثيثاً ومكثّفاً باتّجاه العراق، بهدف استعادة المبادرة من الطرف الأميركيّ، خصوصاً بعدما لمست تراجع قبضتها واستعداد العديد من القوى السياسيّة المحسوبة عليها للتعاون مع الزيدي في ما تسمّيه “الشروط الأميركيّة”.
ردّة الفعل الإيرانيّة الأولى تمثّلت في الموقف الذي أبلغته للزيدي خلال زيارته لطهران بعد واشنطن، من خلال رفض التوقيت “الأميركيّ” لحصر السلاح. ثمّ جاءت سلسلة زيارات لبغداد قام بها قائد قوّة القدس إسماعيل قاآني على دفعتين، ثمّ وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي، وبعدهما رئيس البرلمان ومسؤول ملفّ التفاوض محمّد باقر قاليباف الذي تناول ملفّ السلاح بشكل واضح.
عكست مواقف الفصائل المعنيّة بقرار حصر السلاح حجم الإرباك الذي تعاني منه طهران، في ظلّ تصاعد الضربات الأميركيّة وإطلاق استراتيجية “المنبوذ الاقتصاديّ”. إذ مارس قاآني على من بقي من الحلفاء العراقيّين ضغوطاً لتعطيل موعد 30 أيلول، وفصل مسار انسحاب القوّات الأميركيّة عن مسار حصريّة السلاح. وذلك بهدف إفراغ الموقف الصادر عن اجتماعَيْ “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ وتحالف إدارة الدولة، الذي يضمّ أيضاً القوى السنّيّة والكرديّة، من مضمونه، بعدما دعما قرار التعامل مع هذا السلاح، بعد الموعد المحدّد، باعتباره سلاحاً غير شرعيّ يخضع لقانون مكافحة الإرهاب.
طهران تعيد ضبط المواقف
أعادت الضغوط الإيرانيّة ضبط موقف بعض القوى السياسيّة داخل “الإطار التنسيقيّ”، وفتحت الطريق أمام تراجع مدروس للحكومة عن وعودها في تطبيق قراراتها. ولم يعد موعد 30 أيلول “مقدّساً” أو واجب الالتزام به، وهو ما دفع مختلف الأطراف إلى البحث عن صيغة وجدول زمنيّ جديدين، حيث تستطيع الحكومة تطبيق استراتيجيتها الأمنيّة والسياديّة، وتضمن في الوقت نفسه لإيران والفصائل عدم خسارة الورقة العراقيّة مجّاناً أمام الضغوط الأميركيّة.
أبقت استعادة الفصائل المبادرة، فضلاً عن تصاعد الصراع بين قوى “الإطار التنسيقيّ” على تقاسم تسعة مواقع وزاريّة، حكومة الزيديّ عرجاء وعرضة للابتزاز المستمرّ، سواء لجهة الإبقاء على الفراغ الوزاريّ الذي يعطّل الكثير من القرارات والإجراءات، أو عبر التلويح بإمكانيّة إسقاط الحكومة من خلال الدفع نحو استقالة وزير أو اثنين من الحكومة الحاليّة، البالغ عددها 14 وزيراً.
إلى الفراغ دُرْ
يبدو أنّ خيار الفراغ هو المرجّح في هذه المرحلة، خصوصاً في ظلّ تفجّر الصراع بين ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، المتمسّك بوزارة الداخليّة والرافض لاستحداث أربعة نوّاب لرئيس الحكومة، وعصائب أهل الحقّ بقيادة قيس الخزعليّ التي رأت في الأمر استهدافاً لها ولشخص أمينها العامّ، الذي يدفع إلى تعيين شقيقه “ليث” نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الأمنيّة.
الهجوم الإيرانيّ المعاكس بدأته الفصائل الموالية لها، وتحديداً كتائب سيّد الشهداء والنجباء وكتائب حزب الله، عندما وضعت عشرة شروط أمام الحكومة مقابل تسليم سلاحها والتحوّل إلى العمل السياسيّ. تبدأ هذه الشروط بإنهاء الوجود الأميركيّ والتحالف الدوليّ، وتمرّ بإنهاء الوجود العسكريّ التركيّ وحصريّة القرار الأمنيّ للحكومة الاتّحاديّة على قوّات البيشمركة الكرديّة في إقليم كردستان، وصولاً إلى إقرار قانون تنظيم “الحشد الشعبيّ” الذي يفترض أن يستوعب عناصر هذه الفصائل ضمن ألوية خاصّة.
أمّا النقطة الأبرز، فكانت شرط الاتّفاق على صيغة حول مستقبل السلاح الثقيل الموجود في مخازن تابعة لهذه الفصائل، مع إشراف ومراقبة مشتركة مع القوّات المسلّحة، على أن يتمّ استخدامه عندما تستدعي الحاجة، من دون توضيح الجهة التي تحدّد هذه الحاجة أو الشروط التي تحكم استخدامها.
إعادة ترتيب الأولويّات التي قامت بها طهران مع الفصائل الموالية والمستهدفة لم تكن نتيجة نقاشات داخليّة عراقيّة فقط، بل، وكما تقول بعض المصادر في “الإطار التنسيقيّ”، جاءت أيضاً نتيجة تفاهمات جرت بين القيادة الإيرانيّة ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان خلال زيارته الأخيرة إلى طهران. ما يعني أن القضاء، الذي عمل على تأمين الغطاء القانونيّ لقرارات مكافحة الفساد وحصريّة السلاح، سيعمل أيضاً على تأمين الغطاء للخروج من التوقيتات التي حدّدها الزيدي.
الحاجة إلى أكثر من عام
ترى هذه المصادر أنّ الاتّفاق على أيّ صيغة للحلّ تأخذ في الاعتبار شروط الفصائل، أو بعضها، يحتاج إلى مسار زمنيّ أبعد من نهاية أيلول، خصوصاً أنّ الآليّات التي تمهّد الطريق لخروج القوّات التركيّة، وإعادة تنظيم العلاقة مع البيشمركة، وضبط السلاح وتخزينه، والإجراء البرلمانيّ المتعلّق بـ”الحشد”، تحتاج إلى أكثر من عام.
استراتيجية التعطيل الإيرانيّة لا تقتصر على مواجهة الضغوط الإقليميّة على العراق لإنهاء ثنائيّة السلاح، أو ثنائيّة سلاح الدولة وسلاح الميليشيات الإيرانيّة، بل دخلت ضمن سياق صراعها مع واشنطن على مرحلتين:
1- المرحلة الأولى قصيرة المدى بانتظار نتائج الانتخابات النصفيّة، ومدى استعداد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للتفاوض مع إيران.
2- المرحلة الثانية طويلة الأمد، وتنسجم مع الإطار الزمنيّ الجديد المرتبط بحصريّة سلاح الفصائل العراقيّة، أي إلى نهايات عام 2028 وانتهاء ولاية ترامب وخروجه من البيت الأبيض. ما يعني أنّ الإيرانيّ يحاول الاستمرار في سياسة إبقاء المنطقة في حالة ترقّب وعدم استقرار إلى حين خروج ترامب من الرئاسة.
هل تدفع هذه التسويات العراقيّة ـ الإيرانيّة واشنطن إلى إعادة النظر في قرار انسحاب قوّاتها، أم تواصل عمليّة الانسحاب التي بدأت بالفعل، تاركة العراق يغرق في صراعاته الداخليّة؟
