..مُخرجا “نازا” يوفال أبراهام وراشيل سزور،
.أيمن جزيني… اساس ميديا
نحو 25 دقيقةً من التصفيق وقوفاً قضاها الحاضرون في مهرجان فينيسيا السينمائيّ الدوليّ في دورته الـ83، قبل أيّام، تكريماً للفيلم الوثائقيّ الإسرائيليّ “نازا”، للمخرجَين الإسرائيليَّين راشيل سزور ويوفال أبراهام، في عرضه الأوّل.
يُعدّ هذا التصفيق الأطول في تاريخ مهرجان فينيسيا وتاريخ المهرجانات السينمائيّة الكبرى في العالم، ويليه في المرتبة الثانية التصفيق الذي حظي به فيلم “متاهة بان” للمخرج غييرمو ديل تورو، في مهرجان “كان” السينمائيّ الدوليّ عام 2006، وبلغت مدّة التصفيق له 22 دقيقةً، ثمّ فيلم “فهرنهايت 9/11” للمخرج مايكل مور في “كان” أيضاً عام 2004، الذي دام التصفيق له مدّة 20 دقيقة.
لكنّ ما ناله الفيلم من احتفاء وتقدير في فينيسيا، يناقض تماماً ما لقيه في إسرائيل التي قامت قيامتها، وأعلن وزير الثقافة ميكي زوهار فيها اعتزامه سحب الجنسيّة من المخرجَين.
أكثر من ذلك، يطرح التصفيق الطويل هذا سؤالاً جوهريّاً: كيف يصفّق أوروبيّون لتوثيق جريمة الإبادة الإسرائيليّة في غزّة وعموم فلسطين المحتلّة، وتدعم حكوماتهم هذا الفعل وتموّله؟
“أضرار جانبيّة”
ينطلق الجدل حول الفيلم، من اسمه: “نازا”. وهو مصطلح تشير به الاستخبارات الإسرائيليّة إلى أعداد الضحايا المدنيّين المتوقّع سقوطهم في الغارات الإسرائيليّة. باختصار، يعني الاسم “الأضرار الجانبيّة” ويُقصد بها المدنيّون الفلسطينيّون الذين قتلتهم وتقتلهم إسرائيل في حروبها المستمرّة حتّى اللحظة.
لا يبتعد مضمون الفيلم عن اسمه، إذ يكشف تفاصيل آليّة اختيار الأهداف واستهدافها والقتل الجماعيّ للمدنيّين الفلسطينيّين في قطاع غزّة عبر كاميرا مثبتة فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب ليلاً، ولمدّة تقارب ثلاث سنوات. ويستند المُخرجان في ما يكشفانه إلى شهادات وصور التُقطت في الخفاء لـ24 ضابطاً وجنديّاً من الجيش الإسرائيليّ والاستخبارات الإسرائيليّة.
لكنّ من الضروريّ التمييز بين ما يكشفه الفيلم وما تثبته الوقائع المستقلّة عنه. فـ”نازا” يستند إلى شهادات 24 عسكريّاً واستخباراتيّاً إسرائيليّاً سابقاً وحاليّاً يروون، بحسب الفيلم، تفاصيل عن أنظمة استهداف واستخدام أدوات ذكاء اصطناعيّ في العمليّات في غزّة. وقد رفض الجيش الإسرائيليّ هذه الاتّهامات، وشكّك في دقّة المصادر وما يخلص إليه الفيلم. لذلك تبقى قيمة “نازا” الأساسيّة في كونه يفتح نافذة من داخل المؤسّسة الإسرائيليّة نفسها على آليّات الحرب.
مُخرجا “نازا” يوفال أبراهام وراشيل سزور، أشهر من أن يُعرّفا، إذ سبق لهما أن شاركا في إخراج الفيلم الوثائقيّ الشهير “لا أرض أخرى”، بجانب الفلسطينيَّين باسل عدرا وحمدان بلال، وقد حاز الفيلم جائزة الأوسكار عام 2025، ويتناول التدمير المنهجيّ والتهجير القسريّ اللذين تمارسهما إسرائيل ضدّ بلدة “مسافر يطا” في جنوب الخليل في الضفّة الغربيّة، والمقاومة السلميّة للسكّان هناك للحفاظ على أرضهم وبيوتهم.
أمّا الإنتاج فمشترك مع صحيفة “ذا غارديان” البريطانيّة، والمخرج البريطانيّ جوناثان غلايزر.
شجاعة الفعل… والقول
فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة في “فينيسيا”، وقال المخرج أبراهام بعد تسلّمه الجائزة: “نؤمن بأنّ إنكار الجريمة هو ما يساعد على استمرارها، ولهذا من المهمّ جدّاً بالنسبة لنا أن يشاهد الإسرائيليّون هذا الفيلم لأنّ بلدنا هو من يرتكب تلك الجرائم، وأن يشاهده الأوروبيّون، خاصّةً هنا في إيطاليا، لأنّ حكومتكم والحكومة الألمانيّة تعرقلان الضغوط على إسرائيل التي يمكن أن تضع حدّاً لما يحدث، وأن يشاهده الأميركيّون أيضاً، لأنّ الولايات المتّحدة تموّل الجزء الأكبر من عمليّات القتل”.
شجاعة أبراهام في قول ما قاله لا تقلّ عن شجاعته وزميله في إخراج الفيلم، وهو ما جرّ عليهما غضب السلطات والجمهور في بلدهما. لكنّها برغم ذلك، شجاعة تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول غايتها القصوى التي قد تكون “إنسانيّةً”، وقد تكون شهادة تطهّر وبراءة ذمّة.
جنون إسرائيليّ
لم يكد ينتهي أطول تصفيق في تاريخ مهرجان فينيسيا، حتّى انطلق سيل الوعيد والتهديدات والشجب والاستنكار في إسرائيل. بلغ الأمر أن وصفه وزير الثقافة والرياضة الإسرائيليّ ميكي زوهار، بعد ساعات فقط وعبر منصّة إكس، بـ”الدنيء”، زاعماً أنّ “كراهية الذات التي تشتعل في نفوس صُنّاعه والمستعدّين للإضرار بوطنهم لمجرّد نيل التصفيق من المعادين للسامية حول العالم، أمرٌ لا يُعقل ويُشكّل خيانةً للدولة”.
وختم وزير “الثقافة” “والروح الرياضيّة” الإسرائيليّ: “بصفتي وزيراً للثقافة، سأتحرّك فوراً لسحب الجنسيّة الإسرائيليّة من هؤلاء الصُنّاع الحقيرين بتهمة خيانة الدولة”.
لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ دعا زوهار إلى فتح تحقيق عاجل ومراجعة شاملة لصناديق الدعم السينمائيّ الحكوميّة التي ساهمت في تمويل أعمال سابقة للمخرجَين، مع إلغاء أيّ منح أو دعم مستقبليّ للمشاريع التي يشاركان فيها.
منعت هيئات التوزيع والسينما الرئيسيّة في إسرائيل من عرض الفيلم في دور السينما والمهرجانات المحليّة.
أكثر من ذلك، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ إيال زامير عن فتح تحقيق أمنيّ وعسكريّ داخليّ لمعرفة كيفيّة تسريب ومصادرة الفيديوهات والصور التي صُوّرت خفيةً داخل الوحدات ومراكز القيادة واستجواب الضبّاط المشاركين، ولوّح بملاحقة المخرجَين قضائيّاً بتهمة التجسّس المصوّر ونشر موادّ عسكريّة سرّيّة تمسّ بالأمن القوميّ.
القتل ولا شيء سواه
يختصر الفيلم بمضمونه وما أثاره من جدل وغضب وتهديد ووعيد وإجراءات قضائيّة وعسكريّة واقع إسرائيل اليوم، وللأسف واقعنا نحن أيضاً. ففي إسرائيل اليوم، بل منذ قيامها، قتلُ الفلسطينيّين واجب، واجب يُحتفى به ويُكرَّم القائمون به. مَن يقارب هذا الواجب بغير القيام به وتأييده ودعمه ليس إسرائيليّاً. الإسرائيليّ يقتل ويقتل ويقتل، ولا يقبل أن يقال له إنّه قاتل. لا يقبل حتّى مناقشة الفعل اللاإنسانيّ والكريه هذا. أبعد من ذلك، يُصنّف هذا الفعل عمليّاً في إسرائيل وعلى أرض الواقع وفي الإعلام المهيمَن عليه والمموَّل منها، فعلاً “إنسانيّاً”.
أمّا نحن فليس لنا وأمامنا ووراءنا وعلى جانبَينا سوى آلة القتل الإسرائيليّة. ليس لنا إلّا أن نموت، ونقبل برواية القاتل. أن نُقتَل ثمّ نشاهد قتلنا مئات المرّات. بل علينا الترويج لقتلنا ورفض كلّ ما يناقضه، حتّى لو كان صورةً أو فيلماً أو روايةً أو مقالةً ولإسرائيليّين.
هذا ما نفعله: ما يصوّره الفيلم، نحن أبطاله أو ضحاياه، لا فرق. نحن القتلى في كلّ مكان تصل إليه إسرائيل بأدواتها العسكريّة وغير العسكريّة. نحن أبطال الفيلم وضحاياه والمشاهدون والمطبّلون أيضاً.
التوثيق لا يعني دائماً تسليط الضوء على حدث أو مرحلة أو قضيّة أو جريمة. في أحايين كثيرة يفيد التطهّر منها والخلاص من الذنب.