ترسم إيران، عبر الحوثيّين، خريطة سياسيّة وأمنيّة جديدة للمنطقة في ضوء سقوط اليمن إثر دخول “جماعة أنصار الله” المخا وتمركز مقاتليها في جزر عدّة يستطيعون من خلالها تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. لم تعد إيران في اليمن الشماليّ فقط. باتت أيضاً، عبر الحوثيّين، في الوسط والجنوب.
على الأرض، باتت “الجمهوريّة الإسلاميّة” تتحكّم حتى الآن بطرق النفط والغاز في المنطقة بعدما صارت في مضيق باب المندب ومضيق هرمز في الوقت ذاته. الأكيد أنّ مثل هذا الوضع غير مقبول، لا إقليميّاً ولا دوليّاً، على الرغم من كلّ التلكّؤ الذي تبديه الولايات المتّحدة. هل المطلوب أميركيّاً خلق توازن جديد تلعب فيه إسرائيل دوراً أكبر على صعيد الأمن الإقليميّ؟
قد لا يكون صدفة وجود عبدالرحمن محمّد عبد اللهي، رئيس جمهوريّة أرض الصومال التي تعترف بها إسرائيل وتمتلك فيها وجوداً عسكريّاً، في واشنطن في أيّامنا هذه…
تمثّل السيطرة على صنعاء، قبل اثني عشر عاماً وثلاثة أيّام بالتمام والكمال، بداية صعود نجم الحوثيّين الذين بات في استطاعتهم إغلاق مضيق باب المندب متى وجدوا ذلك مناسباً… ومتى وجدت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران أنّ من الضروري اللجوء إلى مثل هذه الخطوة الانتحاريّة. إنّها خطوة انتحاريّة، إنّما في المدى الطويل، نظراً إلى أنّ استمرار الوضع الراهن يخنق دول المنطقة ويجعل من ارتفاع أسعار النفط والغاز ارتفاعاً لا سقف له!
الحوثيّون يُجيدون إخفاء نيّاتهم
يمتلك الحوثيّون قدرة فائقة على المناورة وإخفاء نيّاتهم الحقيقيّة وذلك منذ ما قبل سيطرتهم على العاصمة اليمنيّة يوم 21 أيلول من العام 2014. مهّدت السيطرة على صنعاء، في أواخر 2017، لاغتيال الرئيس السابق عليّ عبدالله صالح الذي لعب دوراً محوريّاً في صعودهم قبل انقلابهم عليه وطعنه في الظهر.
ليس مستبعداً لجوء الحوثيّين إلى تكتيكاتهم المعهودة في مرحلة ما بعد عودتهم إلى ميناء المخا الاستراتيجيّ الذي مكثوا فيه فترة قصيرة بعد اقتحامهم صنعاء وتمدّدهم في اتّجاه الجنوب، بما في ذلك عدن، في العام 2015.
يُخشى مرّة أخرى ألّا تمتلك الولايات المتّحدة ما يكفي من القدرة على استيعاب معنى تحكّم إيران بالملاحة في البحر الأحمر، المدخل الإجباريّ إلى قناة السويس.
من اللافت تركيز الحوثيّين في الوقت الحاضر على طمأنة الإدارة الأميركيّة في ما يخصّ حرّيّة الملاحة في البحر الأحمر. يستثني الحوثيّون الناقلات المرتبطة بالمملكة العربيّة السعوديّة. من اللافت، أيضاً، التجاهل الحوثيّ الكامل لإسرائيل والتركيز بدل ذلك على السعوديّة بالاسم.
تردّ أميركا على التحيّة الحوثيّة بما هو أفضل منها بإعلان أنّها “منخرطة في نقاشات، مع “جماعة أنصار الله”، وهي التسمية التي اعتمدها الحوثيّون الذين عرفوا في بداياتهم تحت تسمية “الشباب المؤمن”. هل تنطلي لعبة الحوثيّين مجدّداً على واشنطن “القلقة” حيال ما يجري في البحر الأحمر… أم تستعيد أميركا تاريخ الجماعة التي عرفت كيف تستفيد في السنوات الأخيرة من سذاجة العالم الغربيّ؟
لماذا لم يُستعَد ميناء الحديدة؟
ليس معروفاً، إلى الآن لماذا وقف الغرب، ممثّلاً بأميركا وبريطانيا، حاجزاً دون استعادة قوى تابعة لـ”الشرعيّة اليمنيّة” ميناء الحديدة مطلع العام 2018. من عادة الحوثيّين، بتوجيه إيرانيّ واضح، تفادي كشف نيّاتهم مباشرة بعد أيّ اختراق يحقّقونه. بعدما دخلوا صنعاء في مثل هذه الأيّام قبل 12 عاماً سعوا إلى طمأنة اليمنيّين ودول المنطقة والعالم إلى أنّ أهدافهم ذات طابع سلميّ ومرتبطة بحقوق حرمت منها مجموعة يمنيّة معيّنة بقيت على هامش الدولة التي قامت في 1962 إثر التخلّص من النظام الإماميّ. لجأ الحوثيّون وقتذاك إلى عقد اجتماع حضره ممثّلون لـ”الشرعيّة” التي كان على رأسها عبد ربّه منصور هادي (الرئيس الانتقاليّ الراحل) وممثّل الأمين العامّ للأمم المتّحدة جمال بن عمر.
من خلال التجارب التي مرّت منذ نشوء الحركة التي تسمّى “جماعة أنصار الله” ذات الارتباط المباشر بـ”الحرس الثوريّ” الإيرانيّ وبـ”الحزب” في لبنان، توجد خلاصة واحدة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها: لا مجال للوثوق بالحوثيّين الذين يخفون دائماً هدفهم الحقيقيّ.
هادنوا صالح ثمّ قتلوه
هادن هؤلاء عليّ عبدالله صالح، بين 2014 و2017، وما لبثوا أن قتلوه بدم بارد. فاوضوا الدول المحيطة باليمن وتلك القريبة منها ولم يلتزموا أيّ اتّفاق توصّلوا إليه مع هذه الدول. يتقن الحوثيّون انتهاز الفرص. انتهزوا فرصة التجاذبات داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة وتلك التي بين الفصائل المعادية لهم والعاملة في ظلّ “الشرعيّة” كي يحقّقوا اختراقاً في المخا وكي يسيطروا على جزر ذات أهمّيّة استراتيجيّة في البحر الأحمر.
كلّ من يثق بالحوثيّين خاسر. يشمل ذلك دول المنطقة والولايات المتّحدة نفسها التي كانت في الماضي القريب لا ترى في “جماعة أنصار الله” أيّ خطر. ما الذي ستفعله أميركا في الأيّام والأسابيع المقبلة عندما ستكتشف أنّ إيران باتت تسيطر على باب المندب الذي ترى فيه امتداداً لسيطرتها على مضيق هرمز أو بديلاً من مضيق هرمز في حال اضطرّت إلى تقديم تنازلات في ما يخصّه؟
خلق الحوثيّون إرباكاً شديداً إقليميّاً ودوليّاً. لا يكون الردّ عليهم سوى بفتح جبهات أخرى والوصول إلى مرحلة تصبح فيها صنعاء محاصرة. هل هذا ممكن، هل يمكن نقل المعركة إلى عقر دار الحوثيّين بدل بقاء هؤلاء، مع إيران طبعاً، مسيطرين على اليمن؟
من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في ضوء ما يمكن وصفه بانهيار “الشرعيّة” اليمنيّة والقوّات التابعة لها وفي ضوء الموقف الأميركيّ الغامض الذي يطرح علامات استفهام في شأن التمهيد لدور محتمل لإسرائيل.
