علي حسين.. جريدة المدى
إذا كنت تبحث عن الغريب والعجيب في بلاد الرافدين، فأتمنى عليك صديقي القارئ أن تشاهد فيديو النائب رفيق الصالحي وهو يطرد وكيل وزارة الصناعة من مكتبه ويجلس مكانه، ثم يبدأ بعقد جلسة محاكمة، بينما المتهمون وكيل الوزير ومعه عدد من المدراء العامين صدرت لهم الأوامر بأن لا يجلسوا في حضرة السيد النائب.. ربما يقول قارئ: يا رجل تركت مشاكل البلاد وارتفاع الدولار وحصول العراق على المركز الأخير ضمن قائمة أنظف دول العالم لعام 2026، بفضل جهود مجالس المحافظات، وفشل وزارة التربية في الاستعداد للعام الدراسي فقررت تأجيله، فما نفع التعليم في بلد يرفع شعار “يا حوم اتبع لو جرينا”. يا سادة لم أكن أهتم لفيديو النائب وهو يفرد عضلاته أمام الكاميرا، فالأمر يحصل دائماً مع نوابنا الذين يؤمنون بأنهم فوق القانون، وأن الدستور فُصِّل على مقاسهم، وأن الشعب مطالب أن يرفع صورهم في الساحات، لكنني استغربت عندما وجدت النائب يتباهى بما فعله ويضع الفيديو على صفحته في موقع الفيسبوك ويكتب بكل أريحية: “.. النائب رفيق الصالحي يوبخ وكيل وزارة الصناعة”. .
لا تحتاج الكوارث السياسية التي تحاصرنا إلى ذكاء لكي نكتشف أننا نعيش عصر الديمقراطية “كاملة الدسم”، فما بين صولة النائب الصالحي، وإصرار بعض النواب على أننا منذورون لمعارك المصير، يعيش المواطن أزهى عصور الحرية، من منكم شاهد صور مجلس النواب العراقي وهو يعقد جلسة “ليلية” للتصويت على قانون يصادر حق الشعب باختيار نوابه؟، هل شاهدتم كيف طلب محافظ الديوانية من مواطن أن لا يناديه باسمه.
للأسف الكثير من ساستنا لا يملكون غير لغة الوعيد والتربص بالآخرين.. لكن هل يجوز لنائب مهمته تشريعية أن تكون وسيلته الوحيدة للتفاهم هي إهانة موظفين حكوميين؟، حين يحدث كل هذا فإننا نتحول من دولة شعارها القانون إلى دولة تحكمها شرطة البرلمان.
وضعت القواميس تعريفات كثيرة لمعنى الاستحواذ والأطماع والفشل، لكنّ النائب العراقي يريد أن يجد تعريفاً جديداً للسلطة لا يتعدّى مصطلح “ما ننطيها”، وفي معظم الحالات ليست سوى خراب وفوضى ومشاهد التهجير واستعراض عضلات. بلاد تحول فيها معظم الساسة إلى رموز وطنية في مواجهة محور الشر، الذي هو الشعب بالتأكيد.
لم يعد في إمكاننا الصراخ بأننا بلاد علمت العالم الكتابة والقانون، لأن القانون الحقيقي هو في الحفاظ على كرامة الإنسان.
لا تكفي الديمقراطية من دون العدالة الاجتماعية. تعالوا نتعلم من بلدان العالم “الكافرة” التي يؤرقها ألا يجد الطفل مدرسة يذهب إليها، وأن يبقى الشاب في البيت، لا عمل يذهب إليه.
أسوأ ما يحدث للأوطان أن تتحول الديمقراطية إلى مباريات في الاستحواذ، وأسوأ ما يحدث للمواطن أن نطلب الخير من نائب يعتقد أنه فوق القانون.