لم أكن يوماً من الجمهور الذي يتابع أصالة نصري بشغف، ولم أعتبر نفسي من معجبيها بالمعنى الذي يجعلني أتوقف عند كل أغنية أو موقف أو ظهور. بل، في وقت من الأوقات، كنت أظن أن موقفها من بشار الأسد وحكومته لم يكن نابعاً من قناعة راسخة، بقدر ما كان رهانا على سقوط سريع لم يحدث. كان ذلك ظناً مني، والظن في مثل هذه الأمور لا يصلح دليلاً، ولذلك أعتذر من النجمة عن حكم لم أملك عليه دليلا سوى الانطباع.
اليوم لا أريد أن أناقش مواقف أصالة السياسية، ولا أن أراجع ما قالته أو ما فعلته خلال سنوات الحرب السورية. تكفي كلمات أغنيتها الأخيرة بعد سنوات طويلة من الغياب. كلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها أصابت مكاناً عميقاً في وجدان كثيرين، ولم يتردد صداها في سوريا وحدها، بل رددها متابعون من بلدان عربية مختلفة بشغف واضح: “مرقت سنين وليالي وشاب عمري من الصبر والوطن شاغلي بالي… الوطن وترابو غالي… طالما فيني نفس غيره ما يسحر عيني”.
ربما لهذا السبب توقفت عند الأغنية أكثر مما توقفت عند المغنية.
“غير الوطن ما بيسحر عيني”.
قد تبدو العبارة عاطفية ورومانسية أكثر مما ينبغي في زمن أصبحت فيه فكرة الوطن نفسها موضع أسئلة كثيرة. لكنني أعرف شيئاً عن هذه العبارة، أو على الأقل أعتقد أنني أعرف. فقد خرجت من سوريا وأنا في الرابعة والعشرين من عمري، واليوم أقترب من الرابعة والسبعين. نصف قرن مرّ بين العمرين، نصف قرن لم يكن غياباً قصيراً ولا رحلة مؤقتة، وإنما حياة كاملة تقريباً.
كلما اتسعت تجربة الإنسان ازداد وضوحاً ما الذي لا يمكن استبداله. السفر يعلّمك أن العالم واسع. والغربة تعلّمك أن القلب أضيق مما نظن
خمسون عاماً يستطيع فيها الإنسان أن يتزوج، وينجب أبناء، ويرى أبناءه يكبرون، ويشيخ والداه أو يرحلان، ويغير مهنته أكثر من مرة، ويبني صداقات جديدة، ويفقد أخرى، ويشتري بيتاً، ويترك بيتاً، ويتعلم لغات، ويكتشف مدناً، ويكوّن لنفسه عالماً جديداً ربما يبدو في لحظة ما أكثر اتساعاً وجمالاً من العالم الذي غادره.
وقد عشت بالفعل في مدن رائعة، من دبي إلى لندن إلى تونس. ومددت قدمي وذاكرتي إلى مدن ومناطق أجمل ربما مما كنت أتخيل وأنا في الرابعة والعشرين. عرفت بريتاني والنورماندي، وعرفت إسطنبول، وموناكو، وعرفت ليل في شمال فرنسا، التي كنت أسافر إليها لأتناول طبق الـ”مول فريت”؛ بلح البحر مع البطاطا المقلية، في واحدة من تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل المدن جزءاً من سيرة الإنسان.
وعرفت مدناً ألمانية مثل كولونيا وبون وآخن وبرلين. وبرلين تحديداً بقيت بالنسبة إليّ مدينة يصعب أن أجد فيها عيباً. مدينة واسعة، حرة، حية، متعددة، تبدو أحياناً كأنها محاولة بشرية لبناء مدينة فاضلة، أو على الأقل مدينة تتعايش فيها الاختلافات من دون أن تضطر إلى إخفائها.
ومع ذلك كله، لا أستطيع أن أضع دمشق، أو سوريا عموماً، في هذه المسابقة.
ليس لأن سوريا أجمل من كل تلك المدن. وليس لأنني أريد أن أقول كلاماً وطنياً محفوظاً عن “أجمل وطن في العالم”، فأنا لا أؤمن كثيراً بهذه المقارنات. المدن لا تُقاس بهذه الطريقة، والوطن ليس فندقاً نقارن غرفه بخدمات فندق آخر، ولا مدينة سياحية نضعها أمام مدينة أخرى لنقرر أيهما أجمل.
سوريا رائعة بعيوبها.
وربما تكمن المشكلة كلها في كلمة “بعيوبها”.
فالإنسان لا يحب وطنه لأنه كامل. ولو كان الحب قائماً على الكمال لما أحب أحد وطنه. نحن نحب المكان الذي تشكلنا فيه، حتى عندما نعرف عيوبه، وربما لأننا نعرف عيوبه تحديداً. نعرف الشوارع التي لا يحبها الآخرون، والمباني التي تبدو عادية للزائر، والأحياء التي لم تعد كما كانت، والمقاهي التي اختفت، والأشجار التي قطعها الزمن، والبيوت التي تغير أصحابها، والأماكن التي لم يبق منها إلا اسمها.
الزائر يرى المكان. أما ابن المكان فيرى حياته داخله.
وهنا يكمن الفارق الذي لا تستطيع الطائرات ولا القطارات ولا جوازات السفر أن تلغيه.
قد أقيم في لندن وأعجب بها، وقد أمشي في برلين وأشعر أنني في واحدة من أكثر مدن العالم قدرة على منح الإنسان مساحة من الحرية، وقد أجلس في مقهى على البحر في الجنوب الفرنسي وأشعر أن الحياة يمكن أن تكون سهلة إلى هذا الحد، وقد أعود إلى تونس فأجد فيها من الألفة ما يجعل الغربة أقل قسوة، لكن أياً من هذه المدن لا يستطيع أن يعيد إليّ شارعاً مشيت فيه للمرة الأولى وأنا طفل، أو صوتاً سمعته في بيت لم يعد موجوداً، أو وجهاً كان جزءاً من يوم عادي ثم صار جزءاً من الذاكرة.
الوطن ليس المكان الذي تختاره إذا طلب منك أحد أن تختار أجمل مكان للعيش.
◄ الوطن في النهاية: ليس المكان الذي لا عيب فيه، وإنما المكان الذي تعرف عيوبه كلها ومع ذلك لا تستطيع أن تنكر أنه جزء منك
الوطن هو المكان الذي يسكنك حتى عندما لا تسكنه.
ولعل هذه هي أكثر مفارقات المنفى قسوة. فالمنفي يستطيع أن يعتاد كل شيء تقريباً، إلا فكرة أن الزمن يمضي في مكان تركه هو، من دون أن يكون حاضراً فيه. يستطيع أن يتعلم كيف يعيش في مدينة جديدة، لكنه لا يستطيع أن يمنع مدينته القديمة من النمو داخل ذاكرته بطريقة مختلفة عن نموها في الواقع.
نصف قرن من الغياب يجعل الوطن في الذاكرة شيئاً آخر.
سوريا التي أحملها في داخلي ليست بالضرورة سوريا التي سيجدها العائد اليوم. وهذا أمر أعرفه وأقبله. فالبلدان لا تنتظر أبناءها كي يعودوا فتتوقف عقارب الساعة. سوريا تغيرت، وأنا تغيرت. الشوارع تغيرت، والناس تغيروا، والأحياء تغيرت، وحتى اللغة التي نتحدث بها عن الأشياء تغيرت.
وقد تكون العودة، في هذه الحالة، مواجهة بين بلدين: البلد الموجود على الأرض، والبلد الموجود في الذاكرة.
وأحياناً تكون الذاكرة أقسى من الواقع لأنها لا تقبل التعديل. في الذاكرة يبقى الشارع كما كان، والبيت كما كان، والأصدقاء في أعمارهم القديمة، والأم والأب في الصورة التي احتفظنا بها في الرأس، والمدينة في ضوء معين لا يتكرر. أما الواقع فلا يرحم. إنه يضع أمامك ما حدث فعلاً، لا ما كنت تتمنى أن يحدث.
لهذا ربما لا تكون العودة مجرد رحلة من مطار إلى مطار.
إنها عودة إلى الزمن.
وهذا ما جعل كلمات أصالة تصل إلى كثيرين. فالأغنية لم تخاطب السوري المقيم في سوريا وحده، بل خاطبت ذلك السوري الذي حمل وطنه معه إلى بلد آخر، ثم عاش سنوات طويلة وهو يحاول أن يشرح لنفسه لماذا لم يستطع أن يتخلص من شيء غادره منذ زمن بعيد.
وقد يكون الأمر أوسع من سوريا نفسها.
كم واحداً منا اكتشف، بعد سنوات من السفر، أن الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى أكثر من مكان، لكنه لا يستطيع أن يستبدل المكان الأول بسهولة؟
لقد أحببت مدناً كثيرة، وربما أحببت بعضها بطريقة لم أكن أتوقعها. لكنني لم أتعلم أن أحب سوريا أقل.
وهذا ليس تناقضاً.
فالإنسان ليس قلبه شقة صغيرة لا تتسع إلا لمدينة واحدة. يستطيع أن يحب لندن وبرلين وتونس ودبي وباريس وإسطنبول، وأن يحمل ذكريات جميلة من كل مكان مر به، وأن يشعر بالامتنان لأصدقاء وناس ومدن احتضنته، من دون أن يعني ذلك أنه ألغى المكان الأول.
بل ربما كلما اتسعت تجربة الإنسان في العالم، ازداد وضوحاً ما الذي لا يمكن استبداله.
السفر يعلّمك أن العالم واسع.
والغربة تعلّمك أن القلب أضيق مما نظن.
لكن العودة بعد نصف قرن لا ينبغي أن تكون عودة إلى صورة قديمة، ولا محاولة لاستعادة زمن انتهى. الوطن ليس متحفاً محفوظاً كي نعود إليه فنجد الأشياء في أماكنها. الوطن حي، ولذلك فهو يتغير، ويتألم، ويخطئ، ويتقدم ويتراجع، ويصنع مستقبله بطريقة قد لا تشبه الصورة التي احتفظنا بها عنه.
وربما تكون أصعب لحظة للعائد هي أن يقبل بأن سوريا التي يحبها لم تعد هي سوريا التي تركها.
كم واحداً منا اكتشف بعد سنوات من السفر أن الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى أكثر من مكان لكنه لا يستطيع أن يستبدل المكان الأول بسهولة؟
لكن ذلك لا يجعلها أقل وطنية.
على العكس، ربما تكون المحبة الحقيقية أكثر نضجاً حين لا تكون مشروطة بأن يبقى الوطن مطابقاً لذكرياتنا.
أنا لا أعود إلى سوريا كي أبحث عن الرابعة والعشرين من عمري. أعرف أن ذلك مستحيل. لا أستطيع أن أعيد نصف قرن إلى الوراء، ولا أن أستعيد وجوهاً غابت، ولا أياماً انتهت، ولا مدينة بقيت في رأسي أكثر شباباً مني.
أعود لأنني في الرابعة والسبعين أعرف الآن أكثر مما كنت أعرفه في الرابعة والعشرين.
كنت أعتقد، مثل كثيرين، أن الوطن هو المكان الذي نعيش فيه.
ثم احتجت إلى نصف قرن تقريباً لأفهم أنه المكان الذي يستمر في العيش فينا.
ولهذا لا أريد أن أجادل أصالة في مواقفها القديمة، ولا أن أبحث عن تفسير سياسي لعبارتها الجديدة. قد يكون لكل إنسان حساباته ومراجعاته وأسبابه، وقد نختلف معها أو نتفق، وهذا كله يخصها.
أما أنا، فأخذت من أغنيتها جملة واحدة فقط: “غير الوطن ما بيسحر عيني”.
لكن هناك دائماً شيء في الوطن لا يدخل في المقارنة.
شيء لا تستطيع برلين أن تكونه، ولا لندن، ولا تونس، ولا دبي، ولا باريس، ولا إسطنبول.
الوطن في النهاية: ليس المكان الذي لا عيب فيه، وإنما المكان الذي تعرف عيوبه كلها ومع ذلك لا تستطيع أن تنكر أنه جزء منك.
سوريا رائعة بعيوبها.
وربما لهذا تحديداً بقيت رائعة.
بعد نصف قرن من الغياب، وبعد كل المدن التي رأيتها، وكل الشوارع التي مشيت فيها، وكل المطاعم التي جلست إليها، وكل البيوت التي عشت فيها، وكل الأصدقاء الذين صنعتهم على امتداد هذه السنوات، لا أملك جواباً أكثر صدقاً من ذلك.
قد تتغير المدن. وقد تتغير البلدان. وقد يتغير الإنسان نفسه حتى لا يكاد يعرف صورته القديمة.
لكن بعض الأمكنة لا تغادرنا.
نغادرها فقط. ثم نقضي بقية العمر نحاول أن نفهم لماذا.