
أدباء من أفريقيا بهوياتها ولغاتها المتعددة (صفحة ادب أفريقي – فيسبوك)
ملخص
يصعب وضع تعريف محدّد للمقصود بالأدب الأفريقي، بل إن هناك أكاديميين يرون أن قارة أفريقيا تنتج آداباً شتى، لا أدباً واحداً جامعاً مانعاً في نطاق حيز جغرافي شاسع، لطالما عُرف بتنوعه الإثني واللغوي، ما بين شمال وجنوب وشرق وغرب. ومن بين تلك الآداب ما يُكتب باللغة العربية، وهو أمر معروف في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى عبر كُتّاب ينتمون إلى دول عدة في القارة السمراء، ومن بينها دول ليست العربية لغتها الأولى.
ما مدى حضور اللغة العربية ضمن اللغات التي تُكتب بها الآداب الأفريقية في الوقت الراهن؟ وما مدى ما تعكسه تلك الآداب من عمق ثقافي وحضاري أفريقي؟ بداية يرى الناقد المصري ممدوح فراج النابي رداً على سؤال في هذا الصدد طرحته عليه “اندبندنت عربية” أن اللغة العربية لم تكن بعيدة من التداول اليومي، والتناول الأدبي الأفريقي؛ فقد انتشرت أفريقياً مع دخول الإسلام في مرحلة مبكرة جداً، في مالي وغانا والسنغال وغيرها، وساعدت عوامل كثيرة على استمراريتها، والحفاظ عليها كلغة للحديث، والكتابة، على رغم المحاولات الإمبريالية الغربية (في مرحلة لاحقة) لفرض ثقافتها ولغاتها على اللغات المحلية التي كانت منتشرة في هذه البلاد، والعمل على محوها.
ومن بين عوامل حضور العربية أفريقياً الصلات التجارية والعلمية، وترسخ الدين في الوجدان الشعبي؛ إذ تتنشر المراكز الدينية لتحفيظ القرآن، وتعليم اللغة العربية لأبناء هذه المناطق، وفي بعضها خلسة، بمخالفة لقرارات الدولة الرسمية، وغيرها من أمور جعلت لغة الضاد حاضرة، وإن كان على استحياء.
انفتاح ثقافي
ويرى صاحب كتاب “بلاغة الكتابة السوداء” أن للأدب الأفريقي عموماً خصوصيته، المكتسبة من عاداته وتقاليده وطقوسه، وهو ما ظهر جلياً حتى في المكتوب منه بلغات المستعمر مثل الإنجليزية والفرنسية، إلا أن بعض الروائيين المنتمين إلى القارة السمراء آثروا الكتابة باللغة العربية، وهو ما حمل تحدياً جديداً لهم، كالصومالي نور الدين فرح، والإريتري حجي جابر، والموريتاني أحمد فال ولد الدين، والتشادي محمد طاهر النور، والسوداني حامد الناظر.
ومن قبل هؤلاء كان هناك محمد الفيتوري والطيب صالح، الذي نحتفل هذه الأيام بمرور 60 عاماً على صدور رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”، وغيرهما. ويضيف النابي أن إلحاح هؤلاء الكتاب على الكتابة بالعربية، يكشف تأثير تلك اللغة على الآداب الأفريقية، وأنها لعبت دوراً محورياً في التعبير بها ؛ لقدرتها على احتواء المعجم الأسطوري والتراثي لبلادهم، بما يختزنه من حمولات ثقافية، وكنوز معرفية ومن ثمّ تمسَّك (قلَّة من) الكتاب بها.
وهذا ما ساعد في انتشارهم خارج بيئاتهم المحلية، بعكس الذين يكتبون بلغة أخرى، أو اللغات المحلية، وهو ما أسهم في حراك أدبي على مستوى الشعر والنثر، فغامر كثير من الكتاب إلى الكتابة بالعربية، محاولين تجاوز حالة الانغلاق الثقافي الذي فرضته لغاتهم المحلية، فكانت الرغبة الحقيقة في توصيل أدبهم، بما يحمل من هموم وتعقدات الواقع الاجتماعي والثقافي، إلى ثقافة الآخر. ويرى الروائي المصري النوبي حجاج أدول أن بعد التهجير الذي شمل سكان النوبة المصرية على أربع مراحل، صاروا يتحدثون العربية كلغة أولى، وتقهقرت اللغة النوبية لتكون اللغة الثانية.
وهنا ظهر الأدب النوبي المكتوب باللغة العربية. أي أن للنوبة فرعين أدبيين: أدب باللغة النوبية (بخاصة في الشعر والحكايات والأحاجي المروية)، وأدب باللغة العربية (بخاصة في الرواية والقصة والمسرح، ثم الشعر). ويضيف أنه يمكننا القول إن الأدب النوبي المكتوب بالعربية ظهر أولاً عام 1948 في الإسكندرية، حين نشر الشاعر عبد الرحيم إدريس ديوانه “ظلال النخيل”، ثم جاءت الموجة الثانية عام 1967 حين نشر الأديب محمد خليل قاسم روايته ذائعة الصيت “الشمندورة”، وتلتها الموجة الثالثة عام 1989 حين نشر إبراهيم فهمي مجموعته “القمر بوبا”.
ويضيف صاحب رواية “ليالي المسك العتيقة”: “نحن النوبيين – لوناً وثقافةً – نتاج تمازج بين الشمال المصري والجنوب الأفريقي، لذا أرى أن أدبنا مشترك بين الاثنين. إن النوبة، جغرافياً وثقافياً وإثنياً (ولا سيما لونياً)، تدخل بثقة واستحقاق في مجال مصطلح الأدب الأفريقي”.
أعمال لافتة
أما الروائي والباحث ممدوح حبيشي فقال لـ “اندبندنت عربية” إن هناك أعمالاً لافتة باللغة العربية عن أفريقيا، كتبها مبدعون أفارقة، بعضها تدور أحداثه في فترات زمنية معاصرة أو قديمة، وقد يكون البطل في عدد منها زائراً فتكون أقرب إلى أدب الرحلات. وهناك أبطال ينتمون للمجتمع والثقافة التي تتحدث عنها الروايات. ولكن تظل هذه الأعمال قليلة، كما أن حجم الاهتمام العالمي بل والأفريقي نفسه بها ليس بقدر الاهتمام بالأعمال المكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية، ربما لأن كتابها يعيشون غالباً في الغرب.
ويضيف صاحب رواية “رهانات الأسلاف” أنه لاحظ خلال زياراته لعدد من الدول الأفريقية (جنوب الصحراء) أن بعض مثقفيها لا يعتبرون اللغة العربية من اللغات المعبرة عنهم، ربما لتركز هذه اللغة في الشمال الأفريقي “الذي يشعرون منه أحياناً بالتعالي ومن ثم يعتبرونه منفصلاً عنهم ثقافياً وحضارياً. وربما لأنهم يشعرون أن هذه اللغة تعبر عن ثقافة تتعدى النطاق الأفريقي، الذي يحصره البعض في جنوب الصحراء الكبرى. ويضيف حبيشي أن بطلة روايته “رهانات الأسلاف” التي كتبها بمنحة من “معهد أفريقيا” فى الشارقة، ونشرتها دار بيت الحكمة” في القاهرة العام الماضي، هي واحدة من بطلات العصر الذهبي للممالك الأفريقية الكبرى مثل ممالك الهوسا السبع، “وسأتبعها بعمليْن آخرين ليكملا ما يمكن اعتباره ثلاثية روائية أفريقية”.
ولكن النابي لاحظ في السياق ذاته أن الشعور بالخزي والحزن الذي يشعر به بعض الكتاب الأفارقة أثناء كتابتهم بلغة المستعمِر، غير موجود عند الكتابة باللغة العربية، “والسبب في ظني، هو أنها لغة القرآن، وأن معتنقي الإسلام من الأفارقة اعتبروه خلاصاً لهم، ومحرراً لبلدانهم من الظلم والاستعباد؛ لذا فعند الكتابة باللغة العربية (على قلتها)، لا يخامرهم أي إحساس بغبن أو كراهية.
وفي أضعف الاحتمالات لن يكون مجبراً على الكتابة بها، بل يكتب بقناعة، على عكس الكتابة بلغات المستعمر، فهو يجتهد كي يرد بالكتابة ويخاطبهم بذات اللغة، على نحو ما فعل مصطفى سعيد بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، فخطابه في المحكمة، كان بلغة المستعمِر، ليثبت لهم أنه ليس متخلفاً كما حاولوا إقناعه بمشاعل النور والمعرفة التي ستحررهم من الجهل والتخلف. والكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي كان قد أعلن أنه سيكتب بلغة المحتل، كخطاب مضاد، فالرسالة لن تصل بغير لغتهم.
حضور إنساني
وعند سؤال الكاتب السوداني المقيم في أستراليا عبد الحميد البرنس عما إذا كان يرى نفسه كاتباً أفريقياً يكتب باللغة العربية، قال لـ”اندبندنت عربية”: “لست معنياً بكل ذلك. لا على طريقة صادق هدايت في “البومة العمياء”: “أكتب فقط لظلي”. بل لأنني أحاول فقط أن أكتب كإنسان حين يكتب للإنسان ويسعى للتواصل ما أمكن مع الإنسان حتى عبر لغة الصمت التي تتخلل السرد أحياناً.
ودائماً ما تشغل بالي هموم أننا عابرون في الحياة ولدينا مهمة مشتركة كبشر تتلخص في السعي حيال وضعية الموت إلى جعل هذه الحياة أكثر قابلية للعيش وترك المكان عند رحيلنا على حال أفضل من تلك التي وجدناه عليها. بهذا فقط يكون لحياتي وما أكتب معنى”.
أما الشاعرة نيالاو حسن آيول وهي من جنوب السودان وتعيش في أميركا الشمالية، فتقول إنها تكتب بالعربية لأنها نشأت في السودان الموحَّد، “ولكننا أفارقة ولنا لغاتنا الخاصة وما درسناه كان مجرد لغة عربية مبسَّطة جداً”! وترى آيول التي تكتب بالعربية ولها ديوان عنوانه “قرابين نيكانق” أن العرب ليس لهم دور كبير في أفريقيا، وربما ربط بعض الدول الأفريقية بين اللغة العربية وتجارة الرقيق التي اشترك فيها التجار العرب آنذاك مع المستعمر.
وتضيف أن العرب أنفسهم إبان وجودهم في أفريقيا لم يهتموا بفتح مدارس لتعليم اللغة العربية واقتصر وجودهم على تدريس القرآن عن طريق التلقين للأفارقة. ربما كل هذه العوامل أدت إلي عدم الاهتمام باللغة العربية بالصورة المطلوبة. وربما هناك أسباب أخرى لا أعرفها”.
وعلى رغم محاولة آيول التقليل من حضور اللغة العربية كلغة أدب في جنوب السودان وفي أفريقيا السوداء عموماً، فإن المعلومات المتداولة في هذا الشأن تؤكد أن هناك عدداً لا بأس به من أدباء جنوب السودان يكتبون أدبهم باللغة العربية، ومنهم إستيلا قايتانو صاحبة رواية “زهور ذابلة”، والشاعر الراحل السر أناي، والقاص آرثر غابريال، والشاعر قرنق توماس ضل، الذين أسهموا – بحسب ويكيبيديا – في صياغة سرديات تجمع بين الهوية الأفريقية وجماليات لغة الضاد، وتطرح قضايا الهجرة، الحرب، الهوية، والتنوع الثقافي”.
إرث المستعمر
ويقول حبيشي إنه وجد أن ردود الأفعال التي صاحبت نشر روايته “رهانات الأسلاف”، تركزت على أن أحداثها تقع في عدد من دول غرب أفريقيا وتزخر بالرموز الثقافية الأفريقية؛ “كان هذا ملمحاً مثيراً بالنسبة إلى العديد من القراء والنقاد”. ويضيف أن ما أسعده هو أن العديد من المتفاعلين في أندية القراءة الافتراضية دفعتهم الرواية لاستكشاف جوانب لم تكن معلومة لديهم عن أفريقيا جنوب الصحراء وتاريخها وثقافتها وتراثها، “وكم كنت أفرح عندما يبلغني قارئ بأنه فوجئ بأن بطلة الرواية “أمينة” هي أصلاً شخصية تاريخية، وكان يظن أنها متخيلة. نعم هي شخصية حقيقية لكني وضعتها في سياق تخييلي بالطبع”.
ويرى ممدوح فراج النابي أن محاولة بعض الكتاب الانسلاخ عن لغة المستعمِر والكتابة باللغة العربية أو اللغة المحلية / الأصلية السواحلية، والأمهرية، واليوربا، والهوسا، والزولو، وغيرها، جاء كنوع من المقاومة الصامتة.
أولاً مقاومة سلطة المستعمِر على رغم رحيله، بإعلان إنهاء سلطته بهذه القطيعة للغته، بخاصة وقد فرض الالتزام بها، ومع الأسف ما زالت هي السائدة في كثير من بلدان أفريقيا إلى اليوم، بل صارت اللغة الرسمية في المؤسسات الحكومية، لدرجة أن رئيس الدولة، يخرج ويخاطب شعبه بها، وثانياً، مقاومة لحالة الذوبان في لغة المستعمِر، والثقافة الاستعمارية برمتها، التي حولت الثقافة الأفريقية المحلية، إلى رموز للتخلّف والانحطاط، ومن ثم رفض الانصياع لها ولسلطتها. وبالتالي رأى البعض أن البديل هو الرد بالكتابة، أو المقاومة بالكتابة، وتحديداً بلغته المحلية أو باللغة العربية، وهو ما يشير إلى تأكيد الانتماء، وتكريس ثقافته المحلية، كنوع من التباهي والتفاخر بها، بعد أن قلّل المستعمر منها، ووصمها بالتخلف والرجعية.