#المحامي_هادي_بازغلان
في عام 1534 شهدت انكلترا تحول كامل في النهج والمسار أدى الى كارثة انسانية ستبقى ماثلة بتاريخ بريطانيا كوصمة عار لا تمحى !
اصدر الملك هنري الثامن فرمان بالانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية وتأسيس الديانة الانجليكانية ( الانجيلية ) ,وكانت آثار هذا القرار كبيرة من حيث فاتورة الدماء التي دفعها ابناء الطائفة الكاثوليكيةبسبب بقاء ولاءهم ومناصرتهم للبابا واعتباره المرجعية العليا الدينية بدلاً من الملك هنري، الذي نظر إليهم كخونة وطابور خامس يجب التخلص منه ودرء خطره ، وبناء عليه بدء حملة اعدامات جماعية كبيرة في انكلترا طالت كل الكاثوليكيين وكانت التهم جاهزة من الخيانة العظمى للتخابر مع العدو للتجسس على بلاط الملك للتعاون مع المتمرديين .. الخ !!
وكانت الأفعال الاخرى أشد قسوة كتدمير الأديرة والكنائس وخطف الاطفال وفرض العقوبات الاقتصادية المالية على الطائفة الكاثوليكية والتي سميت بالقوانين العقابية (Penal Laws) ,واجراءات اخرى كالتجريد من الحقوق المدنية والسياسية والاضطهاد العام ولم تنتهي تلك الموجة البربرية إلا مع صدور قانون الإعتاق الكاثوليكي عام 1829 ,والذي ربما نتناوله لاحقا في مقال منفصل لنشرح بعض الامور الهامة التي تفيدنا به !
اذا لما نروي هذه الواقعة البريطانية !؟
ببساطة وعبر التاريخ ,شهدت الدول والامبراطوريات ظاهرة مساندة طائفة دينية معينة للدولة ,والامثلة أكثر من أن تحصى ,لعل أبرزها الطائفة الشيعية التي ناصرت الدولة الفاطمية وعندما سقطت هذه الدولة دفع الشيعة ثمن باهظا من التنكيل والقتل !
التاريخ شهد الكثير من هذه الظواهر ولكن بعد تأسيس الامم المتحدة واطلاق القانون الدولي العام ,لم يعد من المقبول أن تدفع طائفة ما ثمن احتضانها للنظام القمعي المستبد ,فمن غير المعقول أن نحاسب ظائفة كاملة بجريرة بعض أفرادها أو حتى معظمهم ,ونجح القانون الدولي في تفنيد هذه الحالات و وضع أسس قانونية للتعاطي معها ,وساهم علم الاجتماع في صياغة نظريات هامة جدا حول تركيبة الدولة القمعية ,و وضع الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمؤرخين نظرياتهم اعتمادا على فهم وتفكيك هذه الدول ونقاط التشابه بينها .. وإليكم مقتطفات من بعض هذه الكتب والنظريات ..
إتيان دي لا بويسي ,وهو فيلسوف فرنسي .. أورد في كتابه الشهير ( في العبودية الطوعية ) مقالة شرح بها كيف يعتمد الطاغية على شبكة من الفاسدين واقتبس من الكتاب :
( ليس السلاح أو الحرس هم من يحمون الطاغية، بل إن أربعة أو خمسة أفراد يمسكون بزمام الأمور لحسابه، ويتبع هؤلاء الخمسة مئات، والمئات يتبعهم آلاف يربطهم بالطاغية حبل المصالح والفساد لكي يشاركونه في النهب. )
وقد سبقه ارسطو قبل نحو 2000 عام بالتحليل ذاته وقال في كتابه الممتع ( السياسة ) أن الطاغية يحيط نفسه دائماً بأسوأ الناس لأنهم يسهل توجيههم واستغلالهم .. وقال في كتابه :
( الطغيان يفضل الأشرار، لأن الطغاة يحبون من يتملقهم، ولا يمكن لرجل حر وذي مروءة أن يتملق أحداً. الفاسدون صالحون للأعمال الفاسدة، والطاغية يحتاج إليهم لتثبيت حكمه ! )إرنست همنغواي (كاتب ومؤرخ سياسي) وصف بوضوح من يربح من وجود الأنظمة الفاشية والمستبدة وقال :
( لا يمكن لإدارة سياسية فاسدة أو نظام طاغية أن يستمر دون وجود طبقة من اللصوص، والانتهازيين، والجلادين الذين يرون في بقاء النظام فرصة لثرائهم الشخصي ! )
نيكولو ميكافيلي (مفكر سياسي إيطالي) في كتابه الشهير الممتع ( الأمير ) حلل كيف يستغل الحاكم المستبد حاجة الفاسدين لحمايته وقال:
( الحاكم الذي يؤسس سلطته على ركائز فاسدة، يعتمد بالضرورة على طبقة من الانتهازيين الذين يدافعون عن النظام بكل قوتهم، ليس حباً في الحاكم، بل خوفاً من خسارة الامتيازات التي نالوها تحت ظله ! )
( إذا تغلغلت الديكتاتورية والاستبداد، تقرب من الحاكم أهل الملق والنفاق، وأُقصي أهل المروءة والكفاءة. فتنشأ طبقة فاسدة تدافع عن الاستبداد لتبقي على مكاسبها، فيكون ذلك أول أسباب خراب العمران !)
( الأنظمة الشمولية والطاغية تنجح دائماً في التحالف بين النخبة الحاكمة الفاسدة وبين الغوغاء (أو حثالة المجتمع). هذا التحالف يمنح الطاغية جيشاً من المستعدين لارتكاب أي جرم لحماية النظام ! )
اذا مجرد ربط مكون كامل أو ملة أو طائفة ببقاء أو فناء حاكم ظالم هو ضرب من الغباء ,فلم يذهب فيلسوف او عالم اجتماع واحد لذلك الأمر ,بل على العكس ,الكل أجمع أن الانظمة الفاشية القمعية تعتمد على طبقة فاسدة بدون النظر الى عقيدتها ,وبنفس الوقت قد يجد الطاغية قدرة على تسخير طائفة معينة لخدمته ,لكن علماء السياسة والتاريخ وجودوا أن هذه الطوائف لا تتمتع بأي سلطات فائقة ومغايرة لما يتمتع بها الاخرون ,وأغلب هذه الامتيازات وهمية مستمدة من صلة الدين بالحاكم ,كما حدث للطائفة الدرزية في مصر أيام حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي !
1- استغلاله للطائفة العلوية التي ينحدر منها وجعلها درعا له عبر تجنيد ابناءها في وظائف الدولة والامن والجيش.
2- استغلاله للطائفة السنية والتي تشكل في سوريا النسبة الكبيرة من الطبقة الاقتصادية وجعلها تدعم نظامه وتموله بما يلزم لتكريس نظام القمع.
3- استغلاله للاقليات الدينية عبر ايهامهم الدائم أن وجودهم الامن مستمد من وجوده ,وأن غيابه يعني الفتك بهم واستئصالهم ,وهو ما يفسر عقلية الاسد الدائمة بتقريب بعض من نخب هذه الاقليات في حكومته ومجلسه !
4- ادلجة العقول عبر الايديولوجية القومية الخاصة بحزب البعث العربي الاشتراكي ,والذي أجبر الشعب كله على الانضمام له ولم يكن مقتصر على طائفة او مكون ما ,فحافظ الاسد جعل سوريا نوعان .. ( سوري بعثي له كل شيء .. سوري غير بعثي ليس له شيء ! ) .. والمقولة لجمال عبد الناصر !
5- اللعب على وتر الفقراء والعمال والفلاحيين عبر اصدار قوانين تمنحهم حق التحرر من الاقطاعية والبرجوازية كما ظنوا ,فنجح في استقطاب هذه الفئات لدولته القمعية !
ماذا يقول القانون الدولي الذي اعلن مبادئ حقوق الانسان في 1949 في مسألة تجريم طائفة ناصرت زعيم قمعي مستبد !؟
لو سمحتم قليل من التركيز ,لان ما سيرد يتضمن مصطلحات قانونية بالغة الاهمية لنقفل هذا الملف للابد .. !
فالمسؤولية الجنائية في القانون الدولي هي مسؤولية فردية وشخصية فقط ولا يجوز ملاحقة أو تجريم أي شخص إلا بناءً على أفعال وممارسات ارتكبها هو بنفسه، أو أمر بها، أو ساعد عليها بشكل مباشر.
بحسب بنود القانون الدولي لا يمكن إدانة فرد لمجرد انتمائه لطائفة أو عرق أو دين يُعتقد أن بعض أفراده يدعمون نظاماً قمعياً لانه مخالف لقاعدة قانونية صريحة حول المسؤولية الجنائية عن الفعل.
يُعد حظر العقاب الجماعي قاعدة قطعية في القانون الدولي الإنساني ( بنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة) والتي تقول : يُمنع منعاً باتاً معاقبة مجموعة من الناس على فعل لم يرتكبوه بصفة شخصية, وبالتالي تجريم طائفة كاملة يُعتبر انتهاكاً صارخاً لهذا الحظر، ويُصنف كنوع من التمييز والاضطهاد.
فوفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تعد أفعال مناصرة نظام سياسي أو رئيس (حتى لو كان قمعياً) ضمن إطار المواقف السياسية، ما لم تتحول هذه المناصرة إلى مشاركة فعلية ومباشرة في ارتكاب جرائم دولية (مثل جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو الإبادة الجماعية).
ببساطة عبر العدالة الانتقالية ! ,وجد القانون الدولي أن مبدأ العدالة الانتقالية والتي يحكم الفترة التي تلي سقوط الطاغية, بالغ الاهمية في منع الحروب الاهلية والاقتتال وحالات الفوضى التي تعم البلاد.
والعدالة الانتقالية تشمل كل من ساهم في آلة القمع والقهر والقتل الاستبدادية ,وليس فقط أبناء الطائفة المناصرة للزعيم.
لا يشذ نظام الاسد والطائفة العلوية عن كل ما ذكر اعلاه ,فنظام الاسد لم يكن نظاما علويا بل نظاما ( اسديا ) جمع من كل الطوائف ما يناسبه ليدعم طغيانه وجبروته ,والاولى اذا ما اردنا أن نجرم الطائفة العلوية فعلينا بتجريم كل الطوائف بل تجريم الشعب نفسه الذي كان بقصد او بدون قصد يعمل في مزرعة الاسد لعقود ويهتف باسمه !
من أكبر الحماقات التي تسكننا تبرز حماقة إقصاء الأخر ! هذه الحماقة نادى بها بعض الموتورون من نظام الاسد عبر اقصاء كل مخالف ومعارض لنظام الاسد ,ولم يستطيعوا تحقيق ذلك رغم البطش والتنكيل اللا محدود الذي مارسوه على الشعب ! .. والآن أستغرب من البعض لجوءهم لنفس الفكرة العقيمة التي عف عليها الزمان وهرم .. فلا يمكن اقصاء الطائفة العلوية ولا اي طائفة أخرى وكل ما تقومون به لا يعدو عن كونه سلوك عبثي محدود الفكر سيجر الويلات علينا جميعا !
قومك نفسك فاحذر أن تضر بهِم … بقتالِ قومك لن تجدع إِلَا أنفك !
المحامي هادي بازغلان في قراءة للقانون الدولي الخاص بتجريم الطوائف والعدالة الانتقالية.
==========