وضعت التطوّرات العسكريّة في باب المندب تركيا أيضاً أمام سؤال لم تكن مضطرّة إلى الإجابة عنه من قبل: كيف تستخدم موقعها السياسيّ الجديد، وشراكتها الدفاعيّة مع السعوديّة وباكستان، وعلاقاتها المتحسّنة مع مصر، في إنتاج قدرة ردع، من دون أن تتحوّل إلى طرف في حرب اليمن؟
لا تستطيع تركيا، المرتبطة بشبكة متنامية من العلاقات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة مع دول المنطقة، أن تبقى بعيدة عن تداعيات ما يجري، خصوصاً عندما يلامس أمن السعوديّة والممرّات البحريّة التي تتقاطع فيها مصالح إقليميّة ودوليّة واسعة.
أدانت أنقرة اعتداءات الحوثيّين، وجدّدت دعمها لأمن السعوديّة وسيادتها، كما وقّعت مع الرياض وإسلام آباد اتّفاقاً دفاعيّاً يرفع مستوى الالتزام المتبادل بين أطرافه. لكنّ وضوح الموقف السياسيّ لا يعني بعدُ وضوح الأدوات التي يمكن أن تستخدمها تركيا في اختبار من هذا النوع، ولا يعني أنّ موقفها من الحوثيّين سيتحوّل تلقائيّاً إلى مواجهة مفتوحة مع إيران . إلى أيّ حدّ تستطيع أنقرة دعم أمن شريكتها السعوديّة وحماية مصالحها، من دون أن تصبح طرفاً في الحرب اليمنيّة؟
تصعيد في الموقف التّركيّ
يعود الموقف التركيّ من الحوثيّين إلى سنوات مضت، لكنّه يكتسب الآن بُعداً إقليميّاً أوسع. فقد كرّرت أنقرة دعمها لوحدة اليمن وسيادته والحلّ السياسيّ، لكنّ الحوثيّ لم يعد يتحرّك داخل الجغرافيا اليمنيّة وحدها، فاعتداءاته على السعوديّة وتهديداته للملاحة في البحر الأحمر تنقل تداعيات الأزمة إلى مساحة تتقاطع فيها المصالح التركيّة مع أمن الخليج والممرّات البحريّة.
لهذا جاءت اللهجة التركيّة الأخيرة أكثر صرامة. في تمّوز الماضي، ربطت أنقرة إدانتها لتهديدات الحوثيّين بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحرّية الملاحة والتجارة العالميّة، ثمّ رفعت في 8 أيلول مستوى خطابها بإدانة الهجمات على السعوديّة وتجديد دعمها لسيادة المملكة.
لم يعد الحوثيّ بالنسبة إلى أنقرة مجرّد طرف في الأزمة اليمنيّة. فقد أصبح اختباراً لمصالح وشراكات أمنيّة تتوسّع حولها، وخصوصاً عندما ينتقل التهديد من الداخل اليمنيّ إلى أمن السعوديّة والممرّات البحريّة.
الشراكة التركيّة – السعوديّة – الباكستانيّة هي التي تجعل الاختبار اليمنيّ مختلفاً بالنسبة إلى أنقرة. فالاتّفاق مع الرياض وإسلام آباد لا يُقرأ فقط كترتيب سياسيّ، بل كإطار يرفع مستوى الالتزام المتبادل عندما يمسّ التهديد أمن أحد أطرافه.
يختبر اليمن هنا انتقال تركيا من الموقف إلى القدرة. فدعم الرياض والوقوف إلى جانبها يمكن أن يأخذا أشكالاً متعدّدة قبل الوصول إلى الخيار العسكريّ المباشر. والالتزام لا يقاس بتحرّك القوّات فقط، بل بقدرة الشراكة على تغيير حسابات من يهدّد أمن السعوديّة. وبذلك تظهر قيمة اتّفاق مكّة في إنتاج الردع قبل أن يصبح التدخّل العسكريّ ضرورة.
الاختبار في البحر الأحمر
مع استمرار تهديد الحوثيّين لأمن السعوديّة والملاحة، يصبح البحر الأحمر إحدى المساحات التي يمكن أن تُختبر فيها هذه القدرة. فترتيبات الأمن البحريّ، إذا تطوّرت، تتيح ترجمة بعض وظائف الشراكة من دون أن تعني تلقائيّاً انتقالها إلى تدخّل برّيّ في اليمن. بذلك يصبح الاختبار التركيّ أقلّ ارتباطاً بإرسال القوّة، وأكثر ارتباطاً بقدرة الشراكة على حماية المصالح وتغيير حسابات الخصوم من دون الانجرار إلى الحرب.
كلّما اتّسع الضغط الحوثيّ على البحر الأحمر والممرّات البحريّة، امتدّت تداعيات الأزمة من الجغرافيا اليمنيّة إلى مصالح مترابطة تصل من الخليج إلى قناة السويس. وهنا تصبح مصر طرفاً يصعب تجاهله في أيّ ترتيبات أمنيّة تتّصل بالملاحة وباب المندب، بحكم موقعها ودورها المباشر في أمن البحر الأحمر وقناة السويس. وهذا يفتح أمام أنقرة مساحة إضافيّة لتوسيع خياراتها الإقليميّة .
أمّا البعد الآخر فيتّجه إلى طهران. ومع اتّضاح صلة الدعم الإيرانيّ للحوثيّين بالتهديدات التي تطال السعوديّة والملاحة، ستجد أنقرة نفسها أمام ضغط متزايد لإعادة حساب مستوى علاقتها بإيران. فالمعادلة هنا لا تتعلّق بالانتقال من الشراكة إلى الخصومة، بل بقدرة تركيا على حماية مصالحها وشركائها من دون أن تسمح بتوسيع هامش التهديد حولها.
تمنح شبكة الشراكات الجديدة أنقرة هامشاً أوسع في إدارة هذه المعادلة: السعوديّة بوصفها مركزاً للأمن الخليجيّ، وباكستان كشريك دفاعيّ، ومصر بوصفها طرفاً رئيسيّاً في أمن الممرّات البحريّة. وكلّما اتّسعت هذه الدائرة، ارتفعت قدرة تركيا على تنويع خياراتها تجاه إيران قبل أن يتحوّل التوتّر إلى مواجهة مباشرة.
أين واشنطن؟
تبقى الولايات المتّحدة حاضرة بالقدرات الاستراتيجيّة والدعم، لكنّ أيّ تراجع في الانخراط العسكريّ المباشر يرفع قيمة القدرات الإقليميّة الذاتيّة. وهنا لا يعود التحدّي أمام تركيا والسعوديّة وباكستان هو انتظار الموقف الأميركيّ، بل اختبار قدرتها على بناء ترتيبات تستطيع حماية المصالح والاستجابة للتهديدات.
لهذا لا ينبغي قراءة التطوّرات اليمنيّة باعتبارها اختباراً عسكريّاً لاتّفاق مكّة فقط، بل باعتبارها اختباراً لنموذج الأمن الإقليميّ الذي تحاول السعوديّة وتركيا وباكستان بناءه في مرحلة تتغيّر فيها أدوار القوى الكبرى ومستوى انخراطها المباشر في حماية الممرّات البحريّة.
تدخل تركيا هذا الاختبار من موقع مختلف عن السابق. فهي لا تواجه خياراً ثنائيّاً بين الوقوف إلى جانب السعوديّة والدخول في الحرب اليمنيّة، إذ تملك مساحة أوسع من الخيارات السياسيّة والأمنيّة، ويمكنها استخدام شبكة شراكاتها وعلاقاتها الإقليميّة لحماية مصالحها ودعم أمن شركائها من دون أن تجعل التدخّل العسكريّ خيارها الأوّل.
لا تحتاج تركيا إلى الالتحاق بالحرب في اليمن كي تثبت أنّها غيّرت موقعها في معادلات الأمن الإقليميّ. لكنّ المشهد اليمنيّ اليوم سيكون أوّل اختبار عمليّ لمعرفة ما إذا كانت هذه الخيارات قادرة على حماية مصالحها ومصالح شركائها.
ويعني ذلك أن تستخدم أنقرة موقعها كشريك قادر على حماية مصالحه ومصالح حلفائه، مع إبقاء باب التهدئة والحلّ السياسيّ مفتوحاً. اختبار أنقرة الحقيقيّ ليس متى تستخدم القوّة، بل كيف تجعل خياراتها منتجة للردع قبل أن تصبح المواجهة هي الخيار الوحيد.
