تتعرّض السعوديّة لضغط من اتّجاهين متعارضين ظاهريّاً، متخادمَيْن موضوعيّاً. إسرائيل تريد دفعها إلى تطبيع بطعم الاستسلام وإدخالها في هندسة إقليميّة تمرّ عبرها، وتحاصرها لهذه الغاية في أكثر من مسرح. وفي الجهة المقابلة، تحاول إيران تحويل ما تعتبره انتصاراً في الحرب إلى هيمنة إقليميّة تفرض على الرياض القبول بميزان قوى جديد تكون لطهران فيه كلمة مقرّرة في أمن الخليج والبحر الأحمر.
في إيران جناح وازن يعتقد بأنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل فشلتا في إخضاعها بالحرب، وأنّ المرحلة لم تعد متعلّقة بالتفاوض على شروط إنهاء القتال بقدر ما تتعلّق بتحويل نتائجه العسكريّة إلى قواعد تحكم الإقليم. هذا الجناح هو الذي رفض مذكّرة التفاهم معتبراً أنّها لا تحقّق الحدّ الأدنى الممكن تحصيله من خلال توسيع دائرة الأذى إقليميّاً وفرض الهيمنة الأمنيّة والعسكريّة الإيرانيّة باستخدام استراتيجية “عليَّ وعلى أعدائي”، من دون أيّ حساسيّة لاعتبارات التاريخ والجغرافيا.
في إسرائيل، يعتقد بنيامين نتنياهو أنّه ما يزال بإمكانه النجاة من الموت الانتخابيّ المحقّق بجائزة كبرى عنوانها فرض تطبيع غير مشروط على المملكة، من خلال إغراقها في بحر من الأزمات تكون خشبة الخلاص الوحيدة فيه ممهورة بختم ملك إسرائيل.
خطورة الطرحين تأتي من تجاوز كلّ من إسرائيل وإيران قواعد الاشتباك السابقة واستعدادهما للتضحية بموارد وأرواح بشكل غير مسبوق خدمة للأهداف النهائيّة التي تعتقدان أنّهما بصدد تحقيقها بعد انحسار النفوذ الأميركيّ في الإقليم فيما لم تتجاوز الدول الأخرى المعنيّة والقادرة هذه العتبة بالمقدار نفسه.
من هرمز إلى “اليمن المفيد”
في هرمز، سعت طهران إلى تحويل قدرتها على تعطيل المضيق إلى دور مقرّر في ترتيبات إدارته. فيما كانت الصيغة الإيرانيّة- العُمانيّة المطروحة على دول الخليج تحوّلها إلى ما يشبه “الكومبارس” في حفلة تتويج إيران على اقتصاداتهم، أهدرت السعوديّة فرحة المنتصرين بإجهاض الاجتماع فيما لم تعلن تفاصيل الاتّفاق حتّى الآن.
أمّا في الجهة الأخرى من الجزيرة العربيّة، فإنّ تقدّم الحوثيّين نحو باب المندب يضع حليفاً لإيران على الشريان البحريّ الثاني الذي تعتمد عليه السعوديّة ودول الخليج للوصول إلى الأسواق العالميّة، ويعيد إحياء الحلم الإمبراطوريّ الإيرانيّ المتهاوي في العواصم العربيّة الأربع. وهو ما يرى فيه كثير من العارفين بشؤون اليمن وقبائله وصراعاته التاريخيّة احتفالاً مبكراً أيضاً بانتصار غير محسوم.
الضغط على السعوديّة لا يستهدف بالضرورة انتزاع اعتراف بسيطرة الحوثيّين على كامل اليمن، بقدر ما قد يستهدف دفعها إلى التسليم بسيطرتهم على ما يُعرف محليّاً بـ”اليمن المفيد”. فإذا ترسّخ هذا الأمر الواقع، تكون طهران قد ثبّتت الذراع الإقليميّ الأبرز الذي نجا من تداعيات حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، ووضعت حليفاً لها على واحد من أهمّ الممرّات التجاريّة في العالم في عمليّة إعادة صياغة شاملة لأدوات الردع المتقدّم التي كانت تركّز فيما مضى أكثر على محور “الحزب” – حماس – سوريا.
الأشدّ دلالة على التخادم الإيرانيّ-الإسرائيليّ أنّ الضغط في باب المندب لا يبدو موجّهاً إلى إغلاق الممرّ أمام الشيطانين الأكبر والأصغر (واشنطن وتل أبيب)، بل إلى استخدامه ضدّ السعوديّة حصراً.
الحليفان اللّدودان
لا يحتاج تقاطع المصالح إلى مؤامرة، إذ يكفي أن يجد كلّ طرف مصلحته في النتيجة نفسها. فليس هذا النوع من التخادم العملي بين الخصمين الإيرانيّ والإسرائيليّ جديداً على المنطقة. فمن غزّة إلى لبنان وسوريا، لم يمنع العداء بين الطرفين كلّاً منهما من استثمار نتائج سلوك الآخر لتعزيز موقعه وسرديّته، وآخرها كان في عليّ الطاهر والتفاهم الضمنيّ الإيرانيّ-الإسرائيليّ على حرمان الجيش اللبنانيّ من تسلّمها وقبلها جولة التدمير المنهجيّ للجنوب واحتلال قراه التي حاولت إيران استثماره كبند تفاوضيّ وكسطر في سرديّتها البائسة.
غير أنّ هذا التخادم بين الخصمين اللدودين بات يتجاوز ثلاثة خطوط حمر دفعة واحدة: التفاهمات التي بنت عليها السعوديّة خروجها الهادئ من حرب اليمن، شريان شرق-غرب الذي يشكّل بديلها عن هرمز، وأمن الحرمين نفسه بعد إعلان الرياض اعتراض مسيّرة كانت في طريقها إلى مكّة.
السّرديّة المقدّسة
قد يقلّل بعض المحلّلين من أهميّة المسيّرة التي تقول السعوديّة إنّها أسقطتها وهي في طريقها إلى مكّة المكرّمة، “مهبط الوحي وأرض الرسالة” كما وصفها البيان السعوديّ، لا بل قد يشكّك في وجودها أصلاً، خصوصاً بعد النفي الحوثيّ لاستهداف المدينة المقدّسة. إلّا أنّ أهميّة الحادثة لا تتوقّف على حسم هذا الجدل.
لإيران منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة تاريخ في منازعة السعوديّة على الشرعيّة الدينيّة المرتبطة بالحرمين وإدارة الحج، من تسييس الخمينيّ للموسم إلى صدام 1987، فيما جعلت المملكة من خدمة الحرمين وحمايتهما ركناً من مكانتها الإسلاميّة. بالرواية السعوديّة عن وجهة المسيّرة، يكون الحوثيّون قد تجاوزوا خطّاً مختلفاً نوعيّاً عن الخطوط الحمر الأخرى. فمجرّد تبنّي الرياض للرواية وإعلانها أنّ أمن الحرمين “خطّ أحمر” أدخلا بالفعل عنصراً جديداً إلى الصراع: السرديّة المقدّسة.
هنا تكمن خطورة الخطأ الإيرانيّ المحتمل. فاتّفاق مكّة الذي جمع السعوديّة وتركيا وباكستان تأسّس على الدفاع المشترك، لكنّه بقي يحتاج إلى تعريف مشترك للتهديد قادر على تحويل النصوص إلى التزامات عمليّة. الدفاع عن منشأة نفط سعوديّة شيء، وأمّا الدفاع عن الكعبة المشرّفة فشيء يصعب على أيّ دولة إسلاميّة كبرى التعامل معه باعتباره شأناً سعوديّاً محضاً.
من هنا يمكن أن يشكّل استهداف مكّة، خطأً استراتيجيّاً بالغ الكلفة، لأنّه يسبغ على اتّفاق مكّة الثلاثيّ السرديّة المقدّسة التي يحتاج إليها للانتقال من اتّفاق دفاعيّ فضفاض إلى نواة حلف عسكريّ بقواعد اشتباك واضحة يفهمها تلقائيّاً أيّ جنديّ باكستانيّ أو تركيّ يرسل الى السعوديّة وأيّ عربي ومسلم يتساءل عن جدوى الانخراط.
إذا اختارت إيران أو أذرعها إعادة الصراع إلى اللغة المذهبيّة التي يفترض أنّ تفاهم بكّين قد حدّ منها، فإنّها توسّع بنفسها دائرة القوى التي قد ترى في المواجهة شأناً يعنيها. فكلّما توسّع الضغط على السعوديّة من هرمز إلى باب المندب، ومن النفط إلى مكّة، أصبح من الأسهل على الرياض إعادة تعريف الصراع من مواجهة سعوديّة-إيرانيّة إلى قضيّة أمن جماعيّ متعدّد الطبقات والمصالح. وهذا هو الشرط الأوّل لأيّ تحالف ناجح: ألّا يشعر أعضاؤه بأنّهم يخوضون حرب دولة أخرى، بل يدافعون عن مصلحة تخصّهم هم أيضاً.
باب المندب شأن داخليّ.. مصريّ
لا تقف دائرة المصالح التي مسّها التقدّم الحوثيّ عند السعوديّة. فبالنسبة إلى القاهرة، لا يتعلّق أمن باب المندب بالتضامن مع الرياض ولا بالموقف من إيران والحوثييّن فحسب، بل بأحد أهمّ موارد الدولة المصريّة: قناة السويس.
اختبرت مصر بالفعل كلفة اختلال الأمن في البحر الأحمر. فمنذ بدء الهجمات الحوثيّة على السفن أواخر 2023 وتحويل شركات الملاحة جزءاً كبيراً من رحلاتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، تراجعت حركة قناة السويس وإيراداتها بصورة حادّة. ولذلك فإنّ عودة الحوثيّين إلى موقع يسمح لهم بفرض قواعد انتقائيّة على الملاحة ليست بالنسبة إلى مصر تطوّراً يمنيّاً بعيداً، بل تهديد مباشر لأمنها الاقتصاديّ.
لذلك يصبح لعب مصر دوراً أكبر في أيّ تحالف بحريّ لحماية الملاحة أكثر قابليّة للفهم من دخولها حرباً برّيّة جديدة في اليمن. ويكفي أن يصبح أمن الملاحة في البحر الأحمر هو عنوان المهمّة حتّى تنتقل القضيّة من مساعدة السعوديّة إلى الدفاع عن قناة السويس.
لا يتوقّف الخطر المصريّ عند إيرادات القناة. فترك اختلال الأمن في البحر الأحمر من دون ردّ مصريّ- سعوديّ يفتح فراغاً استراتيجيّاً يمنح مشاريع إقليميّة قائمة أصلاً أملاً بأن تبصر النور، من سعي إثيوبيا إلى منفذ بحريّ إلى التحرّكات المتعلّقة بأرض الصومال والسيادة والاعتراف والوصول إلى البحر الأحمر. فالبحر الأحمر بالنسبة إلى مصر ليس ممرّاً ينتهي عند قناة السويس، بل امتداد لأمنها القوميّ من باب المندب إلى المتوسّط.
ثلاث شرعيّات لردّ واحد
تدرك الرياض من تجربتها في حرب اليمن أنّ القدرة العسكريّة وحدها لا تكفي، وأنّ التحرّك المنفرد أو حتّى عبر تحالف تقوده المملكة يمكن أن يتحوّل إلى عبء سياسيّ وعسكريّ وقانونيّ. لذلك تبدو أكثر ميلاً إلى العمل من داخل منظومات جماعيّة.
من هنا يمكن قراءة الردّ السعوديّ الناشئ على ثلاث طبقات من الشرعيّة: دينيّة توفّرها حماية أرض الحرمين وتمنح اتّفاق مكّة مع تركيا وباكستان أساساً للانتقال من نصّ دفاعيّ إلى قدرة ردع فعليّة، وإقليميّة يوفّرها تهديد البحر الأحمر وباب المندب، حيث تدخل مصر من بوّابة مصلحتها المباشرة، ودوليّة تبحث عنها الرياض في مجلس الأمن.
الملفّ الحوثيّ موجود أصلاً تحت الفصل السابع من خلال القرار 2216، ولذلك لا تحتاج السعوديّة إلى نقل الحوثيّين “إلى” الفصل السابع بقدر ما تحتاج إلى تفعيل ما هو موجود، والسعي إلى الانتقال من قرارات العقوبات والحظر والإدانة إلى أدوات تنفيذ أقوى في مواجهة التهديد للملاحة الدولية، وصولاً، إذا رأى مجلس الأمن أنّ التدابير غير العسكريّة لم تعد كافية، إلى ما تتيحه المادّة 42 من الفصل نفسه.
هنا تظهر أهميّة العلاقات التي بنتها الرياض مع الصين وروسيا. ليس المطلوب أن تقاتل بكين أو موسكو إلى جانب السعوديّة، بل ألّا تمنعا السعوديّة من بناء الغطاء الدوليّ الذي تحتاج إليه. وهكذا قد يحدث عكس ما أرادته طهران تماماً.
إيران، في محاولتها دفع السعوديّة إلى التطبيع مع هيمنتها، لن تنجح فيما عجزت عنه الولايات المتّحدة: صناعة التهديد المشترك الذي يحتاج إليه التحالف الذي تخشاه، تحالف الشرعيّات الإقليميّة والعربيّة والإسلاميّة، وهو التهديد الحقيقيّ للمشروع الإيرانيّ إذا قبلت أطرافه تحمّل كلفة الدم. أمّا إذا بقي التعاطي مع التهديد الإيرانيّ الإسرائيليّ في حدوده الحاليّة فقد تُفرض فاتورة الدم على الجميع، فرادى، ولو بعد حين.
ما يرشح عن الحركة الدبلوماسية السعودية يؤشر إلى غير ما سبق سواء بمفرد قدراتها العسكرية والسياسية أو بالمشاركة مع الحلفاء.
