لم تعد مجموعة “بريكس” مجرّد إطار سياسيّ يجمع الاقتصادات الناشئة للمطالبة بتمثيل أكبر داخل المؤسّسات الدوليّة، بل أصبحت إحدى أبرز أدوات التحوّل في النظام الاقتصاديّ العالميّ. فقمّة نيودلهي من العام الحاليّ انعقدت في لحظة تتزايد فيها الحروب التجاريّة، وتتّسع فيها العقوبات الاقتصاديّة، وتتحوّل السيطرة على الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد إلى أدوات أساسيّة في المنافسة على النفوذ.
لا يتعلّق السؤال الحقيقيّ بحجم القوّة التي تمتلكها “بريكس”، بل بقدرتها على تحويل هذا الحجم الاقتصاديّ إلى مؤسّسات وقواعد قادرة على التأثير في النظام العالميّ، ذلك أنّ التاريخ الاقتصاديّ يثبت أنّ المؤسّسات والشبكات الماليّة والتجاريّة هي التي تحوّل القوّة الاقتصاديّة إلى قوّة سياسيّة مستدامة.
قوّة الـ 40%… عندما أصبح الجنوب مركز الثّقل
تستند قوّة “بريكس” إلى أرقام تعكس تغييراً عميقاً في خريطة الاقتصاد العالميّ. فبعد موجات التوسّع الأخيرة، أصبحت المجموعة تضمّ 11 دولة كاملة العضويّة، هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، إضافة إلى مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، كما عزّز حضور المملكة العربيّة السعوديّة، بوزنها الكبير في أسواق الطاقة والاستثمار، أهميّة التوسّع الجديد للمجموعة، خصوصاً أنّ الرياض أصبحت من أبرز الشركاء المؤثّرين في حسابات “بريكس” الاقتصاديّة.
وفق تقديرات صندوق النقد الدوليّ لعام 2025، تمثّل دول “بريكس” نحو 40% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ العالميّ وفق تعادل القوّة الشرائيّة (PPP)، مقابل نحو 30% لمجموعة السبع. كما تسيطر دول المجموعة على حوالي 40% من إنتاج النفط العالميّ وفق وكالة الطاقة الدوليّة، وتمثّل نحو 25% من التجارة العالميّة، فيما تجاوز حجم تجارة هذه الدول البينيّة تريليون دولار سنويّاً.
تكمن أهميّة هذه الأرقام في تنوّع مصادر القوّة. فالصين توفّر أكبر قاعدة صناعيّة وتصديريّة في العالم، والهند تمثّل أحد أسرع الاقتصادات الكبرى نموّاً وأصبحت خامس أكبر اقتصاد عالميّ، بينما توفّر روسيا والسعوديّة والإمارات وإيران والبرازيل موارد الطاقة والموادّ الأوّليّة التي تحتاج إليها الصناعة العالميّة.
الصّين ونموذج التّنّين الهادىء
لا تسعى الصين داخل “بريكس” إلى بناء تحالف سياسيّ تقليديّ يقوم على وحدة المواقف، بل تعتمد على ما يمكن وصفه بـ”تشبيك الاقتصادات”، أي تحويل التجارة والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد إلى شبكة مصالح تجعل الانفصال عنها مكلفاً اقتصاديّاً.
تظهر هذه الاستراتيجية بوضوح في العلاقة الصينيّة – الهنديّة. فعلى الرغم من الخلافات الحدوديّة والتنافس الجيوسياسيّ بين البلدين، بلغت صادرات الصين إلى الهند نحو 131.6 مليار دولار، مقابل صادرات هنديّة إلى الصين تقارب 19.5 مليار دولار، أي بفارق يتجاوز 112 مليار دولار لصالح بكّين.
هذه الأرقام تكشف أنّ المنافسة السياسيّة لا تلغي الاعتماد الاقتصاديّ. فالصين لا تحتاج إلى إزالة الخلافات بين أعضاء “بريكس” بقدر حاجتها إلى جعل المصالح المشتركة أقوى من الخلافات. ومن هنا يأتي نموذج “التنّين الهادئ”، أي النفوذ عبر ربط الاقتصادات، وليس عبر المواجهة المباشرة.
من الدّولار إلى العملات المحلّيّة
إذا كانت القوّة الاقتصاديّة تمنح “بريكس” وزناً متزايداً، فإنّ الاختبار الأصعب يتمثّل في بناء أدوات ماليّة تقلّل الاعتماد على النظام الذي يهيمن عليه الدولار. لهذا ركّزت المجموعة على توسيع استخدام العملات الوطنيّة في التجارة والاستثمار، وتطوير أنظمة دفع مستقلّة، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد (NDB)، بدلاً من طرح فكرة عملة موحّدة، وهي فكرة تواجه عقبات كبيرة بسبب اختلاف السياسات النقديّة ومستويات التنمية بين الدول الأعضاء.
يأتي هذا التحوّل في ظلّ تصاعد سياسة الضغط الأميركيّة. فتلويح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركيّة تصل إلى 100% على الدول التي تعمل على تقويض هيمنة الدولار دفع مجموعة “بريكس” إلى تبنّي مقاربة أكثر حذراً، فهي لم تعلن حرباً على العملة الأميركيّة، بل تسعى إلى تقليل الاعتماد عليها تدريجيّاً عبر بناء بدائل تجاريّة وماليّة.
في هذا السياق، تمثّل إيران نموذجاً واضحاً لكيفيّة استخدام تخفيف آثار العقوبات. فطهران لا تنظر إلى مجموعة “بريكس” كوسيلة لإلغاء العقوبات الأميركيّة، بل كمنصّة لإنشاء مسارات اقتصاديّة موازية عبر اعتماد العملات المحلّيّة، وربط أنظمة الدفع بعيداً عن الدولار وشبكة “سويفت”، وتوسيع اتّفاقيّات المقايضة التجاريّة، والاستفادة من الممرّ الدوليّ شمال-جنوب (INSTC) الذي يربط الهند بروسيا عبر الأراضي الإيرانيّة.
لكنّ قدرة “بريكس” على بناء نظام ماليّ بديل لا تزال محدودة. فالهند والإمارات لا ترغبان في تحويل المجموعة إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب، والصين نفسها ما تزال مرتبطة بشبكة تجارة واستثمارات ضخمة مع الولايات المتّحدة وأوروبا. لذلك فإنّ الهدف الواقعيّ لبريكس ليس إسقاط الدولار، بل إنهاء احتكاره المطلق.
الطّاقة… مصدر القوّة ومصدر التّناقض
تشكّل الطاقة أحد أهمّ عناصر قوّة “بريكس”، لكنّها تكشف في الوقت نفسه تناقضاتها الداخليّة. فالدول المنتجة للنفط، مثل روسيا والسعوديّة والإمارات وإيران، تحتاج إلى أسعار مستقرّة ومرتفعة لدعم إيراداتها العامّة، بينما تحتاج الصين والهند، وهما من أكبر مستوردي الطاقة عالميّاً، إلى أسعار أقلّ للحفاظ على النموّ الصناعيّ.
لذلك لا تبدو “بريكس” مرشّحة للتحوّل إلى منظّمة نفطيّة على غرار “أوبك”، إلّا أنّ جمع كبار المنتجين والمستهلكين داخل إطار واحد يمنحها قدرة أكبر على التأثير في أمن الطاقة العالميّ. ويتمّ تعزيز هذا التشبيك عبر آليّات استراتيجيّة دقيقة، مثل الاعتماد على خطوط أنابيب برّيّة كـ”سيبريا-1″، واستثمارات أرامكو في المصافي الصينيّة، ودعم منصّة “mBridge” للربط الماليّ الرقميّ، ممّا يخلق تكاملاً يصعب تفكيكه.
الصراع لم يعد يتعلّق فقط بمن ينتج النفط، بل بمن يسيطر على طرق نقله وتمويله وتسويقه. ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة في الممرّات البحريّة، من مضيق هرمز إلى باب المندب، أصبحت سلاسل الإمداد والبنية التحتيّة جزءاً أساسيّاً من القوّة الاقتصاديّة.
في الخلاصة، أكّدت قمّة نيودلهي 2026 أنّ “بريكس” أصبحت لاعباً اقتصاديّاً لا يمكن تجاهله، لكنّها لم تتحوّل بعد إلى بديل كامل للنظام الاقتصاديّ العالميّ. فامتلاك نحو40% من الاقتصاد العالميّ وفق تعادل القوّة الشرائيّة يمنح المجموعة ثقلاً استثنائيّاً، لكنّ تغيير قواعد اللعبة لن يتحقّق بالأرقام وحدها، بل ببناء مؤسّسات ماليّة وتجاريّة موثوقة قادرة على توفير بدائل حقيقيّة للنظام الذي يقوده الدولار.
يبقى التحدّي الأكبر أمام “بريكس” هو قدرتها على الاستمرار في إدارة تناقضاتها الداخليّة وتحويل ثقلها الاقتصاديّ إلى نفوذ مؤسّسيّ مستدام، لأنّ الثروة تصنع القوّة، وأمّا المؤسّسات فهي التي تصنع النفوذ.
*أستاذ جامعي
