تأتي تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بشأن السويداء، في لحظة تشهد فيها المحافظة تصعيداً جديداً، بالتزامن مع حادثة احتجاز الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي وإجباره على مغادرة المحافظة.
باراك عبّر عن انزعاج واشنطن من التصعيد، وربط بين غياب دور الدولة السورية وظهور “عصابات مسحلة” تملأ الفراغ، كما جدّد الدعوة إلى إعادة دمج السويداء في الدولة السورية وفق خارطة الطريق الثلاثية، وشدد على أن “استخدام القوة يجب أن يبقى بيد الدولة”، داعياً في الوقت نفسه إلى الحوار والمساءلة وضبط النفس.
لكن ماذا تعني هذه الرسائل الأميركية؟ وهل تشير إلى تحول في مقاربة واشنطن لملف السويداء؟ وهل تريد الولايات المتحدة إعادة المحافظة إلى مؤسسات الدولة، ولكن من دون اللجوء إلى الخيار العسكري؟.
واشنطن تريد سوريا موحدة ومستقرة
يرى الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، أن تصريحات باراك تنسجم مع الاستراتيجية الأميركية المتعلقة بالشأن السوري، موضحاً أن الإدارة الأميركية تريد “سوريا واحدة موحدة ومستقرة”، وتسعى إلى خفض التصعيد في المنطقة.
وبحسب علاوي، فإن تصريحات باراك تعكس توجهاً أميركياً نحو “استقرار سوريا وسيطرة الدولة على الجغرافيا السورية وتوحيد البلاد”، إلى جانب رفض وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة.
ويضيف في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، أن الولايات المتحدة، في هذا السياق، تريد “تجفيف” القوى المسلحة التي تعمل خارج مؤسسات الدولة، لكن ذلك لا يعني، برأيه، أن واشنطن تدفع باتجاه عملية عسكرية لإعادة السويداء إلى سلطة دمشق.
من جانبه، يرى الباحث السياسي والقانوني عمر إدلبي، أن وصف باراك للميليشيات في السويداء بأنها “عصابات” لم يكن مجرد مناورة لفظية، وإنما يعكس تحولاً ذا معنى في موقف واشنطن.
ويوضح إدلبي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الولايات المتحدة كانت تنظر سابقاً إلى هذه الميليشيا بوصفها قوى أمر واقع يمكن التعامل معها لإنضاج حل سياسي مع الحكومة السورية، إلا أن ممارساتها والانتهاكات المنسوبة إليها، إلى جانب تعطيل اتفاق عمّان الثلاثي، أظهرت، بحسب رأيه، مخاطر استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة، بما يقوض الجهود الأميركية لتحقيق الاستقرار في سوريا.
ويعتقد إدلبي أن أحد العوامل التي دفعت واشنطن إلى استخدام لهجة أكثر حدة يتمثل في ما يصفه بالنموذج الفعال والمنضبط لتطبيق اتفاق اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة السورية، وما نتج عنه من خطوات تصب في الأولويات الأميركية المتعلقة بمنع التقسيم وضبط الحدود وتعزيز الاستقرار.
ويشير إلى أن هذه الأهداف تتعارض مع بقاء جيوب خارجة عن سيطرة الدولة تديرها “مجموعات مسلحة”، ولا سيما في ظل حساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم.
أما الباحث في الشؤون السياسية والأمنية رشيد محمود حوراني، فيربط استخدام باراك وصف “العصابات” بعاملين، أولهما إدراك واشنطن أن تحرك الشيخ حكمت الهجري والمجموعات المرتبطة به يمثل، وفق تقديره، ورقة عملت إسرائيل على تقويتها بدعوى اعتبارات أمنية، رغم أن الأمن الإسرائيلي مضمون بالرعاية الأميركية.
ويتمثل العامل الثاني، بحسب حوراني، في توجه الولايات المتحدة نحو إعادة تشكيل المنطقة أمنياً وسياسياً واقتصادياً بالاعتماد على الحكومات المركزية، مستشهداً بحل “قسد” تحت أنظار واشنطن، وبالجهود الرامية إلى تفكيك الميليشيات في العراق، الأمر الذي لا يترك دوراً للميليشيا المرتبطة بالهجري ضمن التصور الأميركي للمنطقة.
لا حل عسكري للسويداء
يؤكد علاوي أنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة تشجع على أي عمل أمني أو عسكري لإعادة السويداء إلى الدولة السورية، معتبراً أن المقاربة الأميركية تقوم على إنهاء الخلافات عبر الدبلوماسية والتوافقات وخطط الطريق السياسية.
ويرى أن هذا النهج يشبه، إلى حد ما، الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع ملف “قسد”، من خلال الدفع نحو التوافق بينها وبين الحكومة السورية، مع محاولة تحقيق بعض المطالب المحلية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على سيادة الدولة السورية واستقرارها.
وبحسب علاوي، فإن الهدف الأميركي النهائي هو إنهاء النزاعات المتعلقة بالسيطرة على الجغرافيا السورية، وليس فتح جبهات جديدة.
أحداث تموز.. رسالة إلى جميع الأطراف
أما إشارة باراك إلى أحداث تموز 2025، فيرى علاوي أنها تحمل رسالة واضحة بضرورة عدم العودة إلى استخدام القوة.
ويقول إن حديث المبعوث الأميركي عن التجاوزات التي ارتكبتها قوات تابعة للحكومة السورية، وعن محاسبة المسؤولين عنها، يعني أن واشنطن تريد أن يكون الانتقال نحو الاستقرار مصحوباً بالمساءلة.
ويضيف أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على “التوافق خاصة بالحديث عن توافق القوى المحلية داخل السويداء ومحيطها”، معتبراً أن هذه المقاربة يمكن أن تسهم في تخفيف التوتر وحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية.
ويرجح علاوي أن يكون هناك تدخل أميركي في المرحلة المقبلة لإعادة صياغة المشهد في المحافظة، ودعم القوى المحلية والمجتمعية للوصول إلى توافق مع الحكومة السورية، بما يسمح لاحقاً بالانتقال إلى ملفات أخرى، بينها استقرار سوريا وإعادة الإعمار والملفات الخلافية بين دمشق وإسرائيل.
واشنطن تتعامل مع السويداء كأزمة دولة وحوكمة
من جهته، يقرأ الناشط السياسي والناطق باسم “التيار الثالث” كنان مسعود تصريحات باراك باعتبارها مؤشراً على تصاعد الضغوط الدولية لإيجاد حل لملف السويداء.
ويرى مسعود أن حديث باراك عن أن غياب دور الدولة والفراغ يتيحان لـ”العصابات” ملء الفراغ، يمثل “جوهر المشكلة الرئيسية”.
ويعتقد خلال حديثه مع موقع تلفزيون سوريا أن ذلك يعكس بداية نفاد صبر الأطراف الدولية الفاعلة تجاه استمرار الوضع في الجنوب السوري، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة، وفي سياق اللقاءات والاتصالات التي جرت بشأن إيجاد حل لأزمة السويداء.
ويقول مسعود إن “واشنطن لم تنتقل، في رأيه، من دعم طرف إلى آخر، كما أنها لا تتناقض بالضرورة مع مواقفها السابقة، وإنما باتت تصف أزمة السويداء والجنوب السوري باعتبارها أزمة دولة وحوكمة واحتكاراً شرعياً للقوة، بدلاً من اختزالها في قضية حماية أقلية”.
ويتفق إدلبي مع أن دلالة كلام باراك تتجاوز التلميح، معتبراً أن حديثه عن الفراغ الذي أحدثه غياب سلطة الحكومة السورية يمثل دعوة واضحة وعلنية إلى عودة السويداء إلى سيادة مؤسسات الدولة الرسمية.
ويرى أن ربط المبعوث الأميركي بين “غياب الدولة والفوضى الأمنية والاقتتال الداخلي” يحمل رسالة مفادها أن الدولة السورية يجب أن تتولى مسؤولية فرض الاستقرار الشامل، خصوصاً أن ذلك تزامن مع إشادة باراك ببدء المحاكم السورية محاسبة أفراد من القوات الحكومية متهمين بارتكاب انتهاكات في السويداء.
من جهته، يرى حوراني أن اللهجة الأميركية تأثرت أيضاً بما يصفه بحالات الفساد وتجاهل رأي المجتمع المحلي خلال فترة سيطرة المجموعات المسلحة، إلى جانب رغبة واشنطن في توضيح أنها لا تؤيد القوى التي حاولت استثمار مرحلة ضعف الدولة لتحقيق مكاسب سياسية.
ويضيف أن هذه المجموعات لا تستطيع مقارنة وضعها بـ”قسد”، بالنظر إلى الدور الذي أدته الأخيرة في محاربة تنظيم “الدولة”.
“السيادة للدولة.. وشكل الإدارة بالتفاوض”
ويشدد مسعود على ضرورة التفريق بين مسألتين، عودة السيادة السورية، وشكل إدارة السويداء داخل الدولة السورية.
ويقول إن الموقف الأميركي أصبح واضحاً لجهة رفض وجود كيان منفصل، أو قوة عسكرية موازية للدولة، أو فراغ أمني تملؤه الميليشيا.
لكن مسعود يرى أن “ذلك لا يعني بالضرورة عودة مركزية تفرض دمشق من خلالها تفاصيل إدارة المحافظة من دون تفاوض”، بحسب قوله.
ويشير إلى أن خارطة الطريق تتضمن ترتيبات انتقالية يتم التفاوض عليها مع أبناء السويداء، بما في ذلك ترتيبات أمنية ووجود شرطة محلية من أبناء المحافظة، إلى جانب تمثيل مختلف مكوناتها.
ويختصر مسعود رؤيته بالقول إن: “الهامش المتروك للقوى المحلية هو للتفاوض على شكل الاندماج، وليس على مبدأ الاندماج نفسه.”
وبحسب مسعود، فإن نجاح الحل لا يعني أن “تنتصر دمشق على السويداء”، ولا أن “تنتصر فئة في السويداء على دمشق”، وإنما أن “تنتصر الدولة بوصفها قانوناً ومؤسسات، وأن يشعر ابن السويداء أنه شريك فيها، لا خاضع لها”.
وفي السياق ذاته، يقول إدلبي إن باراك لم يسبق أن أيد أو تحدث عن إمكانية قيام إدارة ذاتية أو كيان انفصالي في السويداء بوصفه خياراً مدعوماً أميركياً، بل اتخذ منذ البداية موقفاً رافضاً لهذا الطرح.
ويعتبر أن تصريحات باراك الأخيرة تمثل إعلاناً واضحاً لرفض واشنطن أي مشروع انفصالي أو صيغة حكم ذاتي خارج مظلة الدولة السورية.
أما حوراني، فيرى أن حل “قسد” عبّر بوضوح عن عدم قبول الولايات المتحدة بصيغة الحكم الذاتي، لكنه يشير في المقابل إلى إمكانية الانتقال تدريجياً نحو اللامركزية في سوريا، ضمن صيغ متعددة تحفظ وحدة الدولة.
ويضيف أن المبعوث الأميركي مطلع، على الأرجح، على الخطوات التي قدمتها الحكومة السورية لحلحلة أزمة السويداء، معتبراً أن تعنت سلطة الأمر الواقع، من دون مسوغات واضحة، حال دون إحراز تقدم.
تكتسب إشارة باراك إلى قضية عاطف هنيدي أهمية خاصة في قراءة مسعود، الذي يرى أن واشنطن أرادت من خلال ذكر الحادثة توجيه رسالة إلى القوى التي تحتكر القرار داخل المحافظة.
وكان باراك قد قال إن هنيدي تعرض للاعتقال التعسفي وأُجبر على مغادرة منزله، مشيراً إلى أن الفريق الأميركي على تواصل معه ومع آخرين قال إنهم وقعوا ضحايا للعنف داخل المجتمع المحلي.
وكان هنيدي قد نشر، قبل ساعات من احتجازه، بياناً انتقد فيه تصريحات الشيخ حكمت الهجري بشأن الدروز في السويداء، رافضاً اختزال الجماعة في شخص واحد “يحتكر النطق باسمها ويقرر لها اسم دولتها المتخيلة (باشان)، ويحيك لها تاريخاً هجيناً”. وأكدت مصادر محلية لـ”تلفزيون سوريا” أن مسلحين من ميليشيا “الحرس الوطني” اقتادوه من منزله وأجبروه على مغادرة السويداء، في حين قالت الميليشيا إنها نقلته بناءً على طلبه بهدف احتواء التوتر وتأمين خروجه.
ويرى مسعود أن هذه الإشارة تعني أن الولايات المتحدة “تعرف طبيعة ما يجري من احتكار للقرار بالحديد والنار والترهيب في السويداء”، معتبراً أنها رسالة باتجاه قبول التفاوض والعودة إلى سلطة الدولة.
كما يربط مسعود حادثة هنيدي بسلسلة من الحالات التي يقول إنها طالت شخصيات سياسية ومدنية حاولت منع التصعيد أو الدفع باتجاه الحلول السياسية.
ويذكر في هذا السياق شخصيات ومرجعيات محلية، معتبراً أن المشكلة تكمن في أن الأصوات المخالفة لسياسة القوى المسيطرة على الأرض يجري تهميشها أو تخوينها وإخراجها من المشهد.
ويرى إدلبي أن إعلان باراك تواصل الفريق الأميركي مباشرة مع ضحايا العنف يؤكد إدراك واشنطن وجود شريحة واسعة من أهالي السويداء ترفض سلطة المجموعات المسلحة ونهج تيار الهجري، وتريد العودة إلى مؤسسات الدولة السورية.
وبحسب إدلبي، فإن هذا التواصل يسحب احتكار تمثيل أهالي السويداء من تيار الهجري والميليشيات التابعة له، ويوجه رسالة بأن واشنطن تستمع أيضاً إلى الأصوات المحلية المعارضة لسياسة القوى المسيطرة على الأرض.
ولا يستبعد إدلبي أن تتبع التصريحات الأميركية إجراءات بحق قادة الميليشيا والمتهمين بارتكاب انتهاكات، بما في ذلك احتمال فرض عقوبات عليهم بوصفها أداة ضغط سياسية وقانونية، إذا لم تلتزم هذه القوى بمتطلبات الرؤية الأميركية لاستقرار سوريا ووحدتها.
ويقرأ حوراني التواصل الأميركي مع ذوي الضحايا بوصفه إعلاناً أو دعوة إلى كف يد الميليشيات عن استثمار قضيتهم والمزاودة بها.
كما يربط جدية واشنطن في التعامل مع ملف السويداء برغبتها في وقف صناعة الكبتاغون والاتجار به، ولا سيما بعد نشاط شبكات التهريب عبر حدود المحافظة مع الأردن.
من يمثل السويداء؟
يرى مسعود أن السؤال الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة سيكون: من يمثل السويداء؟.
ويحذر من اختزال المحافظة بشخص واحد، أو بمرجعية دينية، أو بمجموعة مسلح، أو بتيار سياسي واحد.
ويقول إن السويداء مجتمع متنوع، وإن أي حل قابل للحياة يجب أن يستمع إلى مختلف مكوناتها واتجاهاتها السياسية والاجتماعية، من دون إقصاء أو تخوين.
ويؤكد أن المحافظة لا يمكن اختزالها في مكون واحد، مشيراً إلى وجود الموحدين الدروز والعشائر والسكان السنة والمسيحيين وغيرهم.
ويقول مسعود إن “السويداء أرض سورية وليست لمكون واحد فقط وليست ملكاً لأحد”، معتبراً أن أبناء المحافظة بتنوعهم هم من يجب أن يكونوا جزءاً من صياغة مستقبلها.
المساءلة شرط للعودة
يرى مسعود أن أي تسوية لن تكون قابلة إذا اقتصرت على إعادة المؤسسات الأمنية والإدارية، من دون معالجة آثار “أحداث العنف السابقة”.
ويعتبر أن العودة إلى الدولة يجب أن تترافق مع المساءلة وتحقيق العدالة وجبر الضرر وعودة النازحين، إضافة إلى ضمان الأمن والخدمات.
ويشدد على أن مؤسسات الدولة يجب أن تعود باعتبارها “مؤسسات قانون وخدمات لا أدوات انتقام”.
وفي هذا السياق، يلتقي جزء من طرح مسعود مع ما ورد في تصريحات باراك، الذي ربط الطريق إلى الأمام بالحوار والمساءلة واستعادة الأمن وعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمره العنف.
هل يمكن أن يتحول الخلاف إلى صراع داخلي؟
يحذر مسعود من احتمال انتقال التوتر إلى صراع داخلي داخل المحافظة، لكنه يؤكد أن هذا السيناريو ليس حتمياً، داعياً “العقلاء” إلى ضبط المشهد وإعادة ترتيب الصفوف.
ويرى أن استمرار احتكار القوة من طرف واحد، مع استمرار الخلاف حول تمثيل المجتمع، يمكن أن يدفع نحو مواجهة داخلية لا يريدها أحد.
كما يرفض مسعود احتكار الحديث باسم المتضررين من أحداث تموز، معتبراً أن المظلومية لا تمنح أي جهة حق احتكار القرار السياسي أو العسكري في المحافظة.

