
ربما الصورة الأكثر دلالة في هذا الأسبوع هي تلك التي لم يلتفت إليها كثيرون. فلم تكن صورة الرئيس الفرنسي وهو يصافح المسؤولين في دمشق، ولا حتّى الانفجارات التي دوّت على مقربة من مكان إقامته؛ الصورة الحقيقية كانت عن الغائب الأكبر “بيروت”.
قبل سنوات قليلة فقط، كان من الصعب تخيّل مشهد سياسي بهذا الحجم لا تكون فيه العاصمة اللبنانية محطةً أو وسيطاً أو حتى خلفيةً إلزامية. أما اليوم فقد بدا أنّ الطريق إلى دمشق لم يعد يحتاج إلى المرورِ ببيروت، وأنّ من يريد التحدث مع سوريا، أو الاستثمار فيها، أو حتى اختبار مستقبلها، أصبح يفعلُ ذلك من دونِ أن يلتفت إلى تلكَ المدينة التي كانت لعقود طويلة غرفة َانتظار الشرقِ الأوسط. المسألة هنا ليست انتصاراً لسوريا ولا هزيمةً للبنان. القراءة بهذه الطريقة تبقى أسيرة المنافسة بينَ الدول، فيما الذي يتغير أعمقُ من ذلك بكثير؛ ما يتغير هو وظيفة المكان نفسه. فالسياسة، مثل التجارة، لا تحتفظ بالطرق القديمة إذا وجدت طرقاً أقصر. والمشرق، منذ سنوات عدة يعيدُ رسم خرائطه بهدوء، فيما لا يزال اللبنانيون يتجادلون على خرائط لم تعد موجودة إلاّ في ذاكرتهم السياسية.
لطالما أحبّ اللبنانيون وصفَ بلدهم بأنهُ “أكبر من حجمه الجغرافي”. قيل ذلك في الاقتصاد، وفي الإعلام، وفي الثقافة، ثم في السياسة. وفي كلّ مرة كان ثمة شيء من الصحة في هذا الوصف. لكن نادراً ما اعترفنا به هو أنّ جزءاً من هذا الحجم لم يكن نابعاً من قوة الدولة اللبنانية نفسها إنما من حاجة الآخرين إليها. كان لبنان مساحة عبور، لا لأنّ العالم وقع في غرامه، بل لأنّ موازين القوى جعلتهُ نقطة تقاطع يصعبُ تجاوزها.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، المدن لا تزدهر لأنها جميلة فقط، بل لأنها تقع على الطريق الذي يحتاجهُ الجميع. وعندما يتغير الطريق لا تختفي المدينة لكنها تضطرُ إلى اكتشاف سببٍ جديد لوجودها. و بيروت عاشت هذا الامتحان أكثرَ من مرة، ونجحت فيه أكثرَ من مرة أيضاً. فخلال ستينيات القرن الماضي كانت العاصمة اللبنانية تُقدَّم بوصفها المركز المالي والثقافي للعالم العربي. لم يكن ذلك نتيجة تفوق اقتصادي مجرد بل لأنّ القاهرة حينها كانت غارقة في مشروعها القومي، ودمشق في سلسلة الانقلابات، وبغداد في تقلباتها، فيما كانت بيروت توفر شيئاً نادراً في المنطقة؛ هامشاً من الحرية يسمح للمال والصحافة والكتاب والسياسة بأنّ يجتمعوا في مدينة واحدة. ثم جاءت حرب تشرين عام 1973.
نظر كثيرون إلى تلك الحرب باعتبارها نقطة تحول عسكرية أو دبلوماسية، لكنها كانت أيضاً بداية انتقال مركز الثقل في المشرق. منذ ذلك التاريخ بدأت القضية الفلسطينية تأخذ مساراً جديداً، وبدأت سوريا تتحول تدريجياً إلى الدولة التي لا يمكن تجاوزها في أيّ تسوية تخصُ المشرق. أما لبنان فدخل شيئاً فشيئاً في موقع مختلف فهو لم يعد منتجاً للتوازنات إنما ساحة تنعكس عليها نتائجها. وبعد ثلاث سنوات فقط، دخل الجيش السوري إلى لبنان. حتى اليوم، لا يزال هذا الحدث يُقرأ في الغالب من زاوية الحرب الأهلية اللبنانية أو الصراع على النفوذ. لكنهُ حملَ معنىً آخر قلما نتوقف عنده. منذ عام 1976، لم تعد بيروت هي المدينة التي ينظر منها السوريون إلى الإقليم، بل أصبحت المدينة التي يُعاد ترتيبها انطلاقاً من رؤية دمشق للإقليم. وقد يختلف اللبنانيون والسوريون في تقييم تلك المرحلة، لكن يصعب إنكار أنها كرّست حقيقة سياسية استمرت قرابة ثلاثة عقود: من أراد أن يفهم لبنان كان عليه أن يراقب دمشق أولاً.
كمال الصليبي المؤرخ اللبناني، لم يكن في كتاباته عن لبنان من هواة التفسيرات التبسيطية، ولا سيما في “بيت بمنازل كثيرة”، كان يكرر بصيغ مختلفة أنّ أزمة لبنان لا تُفهم إذا عُزلت عن محيطه؛ لم يكن يقصد بأنّ لبنان بات مجرد تابع لجيرانه، بل أنّ تركيبته جعلت توازناته الداخلية تتأثرُ دائماً بالتحولات الإقليمية أكثر مما يتخيل اللبنانيون أنفسهم. وهنا بالتحديد تكمن إحدى المفارقات التي رافقت الحياة السياسية في لبنان. فكلما اعتقدَ اللبنانيون أنهم يناقشون شؤونهم الداخلية فقط، كان الإقليم قد دخلَ إلى النقاش من الباب الخلفي. لهذا لم يكن اتفاق الطائف مجرد نهاية لحربٍ أهلية بل كان إعلاناً عن ميزان قوى ًجديد. لم ينهِ الحرب لأنّ اللبنانيين تعبوا منها فقط، بل لأنّ البيئة الإقليمية والدولية أصبحت مستعدة لإقفالها. حتى الصيغة التي خرج بها الاتفاق لم تكن مفهومة خارجَ التفاهمات التي نسجتها دمشق مع الرياض وواشنطن في تلكَ المرحلة. ومنذ ذلكَ الحين، ترسخت فكرة لم تكن تُقال دائماً بصوت مرتفع: الطريق إلى الاستقرار اللبناني يمرُ عبر تفاهمات تُصنع خارجَ لبنان بقدر ما تُصنع داخله.
لكنّ التاريخ لا يسير في خطٍ مستقيم. فما بدا ثابتاً في التسعينيات بدأ يتآكل بعدَ عام 2005، يوم خرج الجيش السوري من لبنان. حينها اعتقد كثيرون أنّ البلد استعادَ سيادته الكاملة، وأنه سيستعيد معها دورهُ الذي افتقدهُ طوالَ سنواتِ الوصاية. كانت تلك لحظة احتفالٍ مفهومة، لكنها حملت وهماً صغيراً كبرَ مع الوقت. فالدور الجيوسياسي لا يعود تلقائياً بمجرد خروج جيش، تماماً كما لا يختفي بمجرد دخوله. فالدول لا تستعيد وظائفها السابقة لأنها ترغب في ذلك بل لأنّ البيئة المحيطة تحتاج إليها من جديد. وهنا ربما بدأ التحول الحقيقي! ليس يومَ خرجت القوات السورية، ولا يوم تبدلت الحكومات في بيروت.