آخر مدير لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة ذهب إلى موسكو حاملاً تحذيراً كان اسمه ويليام بيرنز. كان ذلك في تشرين الثاني 2021، وبعد أقلّ من ثلاثة أشهر، اجتاح الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين أوكرانيا.
هذا الأسبوع، ذهب مدير آخر لـ”السي آي إيه – CIA” إلى موسكو حاملاً تحذيراً جديداً. لكنّ السؤال هذه المرّة أكثر تعقيداً: هل ذهب جون راتكليف ليحذّر روسيا من مغبّة اختبار الولايات المتّحدة الأميركيّة وحلف شماليّ الأطلسيّ أم ليقنع موسكو بأنّ واشنطن، على الرغم من انشغالها واستنزاف جزء من ترسانتها في حرب إيران، لا تزال قادرة على الردّ؟
في مشهد يعيد إلى الأذهان مهمّات الحرب الباردة، حطّت طائرة نقل عسكريّة أميركيّة من طراز “سي-17” في موسكو صباح يوم الثلاثاء الماضي، حاملةً على متنها مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة جون راتكليف، في زيارة غير معلنة هي الأولى له للعاصمة الروسيّة منذ تولّيه منصبه، وهي أرفع زيارة لمسؤول في إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لروسيا منذ كانون الثاني الماضي.
لم يلتقِ راتكليف بوتين، بحسب الكرملين، لكنّه عقد محادثات مع نظرائه في الاستخبارات الروسيّة، فيما قال المتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إنّ من “السابق لأوانه” تقويم ما إذا كانت الزيارة ستساعد في إخراج العلاقات الروسيّة – الأميركيّة من “الأزمة العميقة” التي تعيشها. لكنّ الظاهر من الزيارة لا يشبه بالضرورة باطنها.
بينما أصرّ ترامب على وصف الزيارة بأنّها “شبه روتينيّة”، وقال إنّه لا يعتقد أنّ بوتين سيهاجم دولة في حلف شماليّ الأطلسيّ، قالت مصادر أميركيّة مطّلعة إنّ راتكليف أثار مع الروس احتمال القيام بعمليّات عسكريّة ضدّ دول في الحلف، وبحث أيضاً الدعم الروسيّ لإيران، في وقت تعمل فيه واشنطن على تشديد الخناق الاقتصاديّ والماليّ على طهران.
بوتين يختبر حدود الغرب
الأهمّ أنّ الزيارة سبقتها خطوة يصعب التوفيق بينها وبين وصف “الروتينيّة”: واشنطن أبلغت كييف بأنّ وفداً أميركيّاً رفيع المستوى سيتوجّه إلى موسكو، وطلبت منها تعليق الضربات خلال وجوده هناك. أي أنّ المهمة لم تكن اتّصالاً استخباريّاً عاديّاً، بل زيارة أحاطتها واشنطن بدرجة عالية من الحذر والحسابات الأمنيّة.
ليس التوقيت عرضيّاً. ذلك أنّ تقويمات استخباريّة أميركيّة حديثة تشير إلى أنّ حسابات بوتين قد تكون في طور التحوّل. فموسكو تراقب حرب إيران، وتراقب استنزاف جزء من القدرات العسكريّة الأميركيّة، وقد ترى في انشغال واشنطن في الشرق الأوسط فرصة لاختبار تماسك الغرب، ليس بالضرورة عبر اجتياح عسكريّ تقليديّ لدولة في الناتو، بل من خلال عمليّات هجينة، واستفزازات محدودة وإجراءات “قابلة للإنكار” تبقى تحت عتبة المواجهة المباشرة.
قد تكون روسيا، المنهكة بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من حرب أوكرانيا، أضعف ممّا كانت عليه. لكنّ المفارقة أنّ هذا الضعف الروسيّ قد لا يتحوّل إلى عامل ردع، بل إلى عامل مخاطرة. فالدول التي تشعر بأنّ نافذة الفرصة تضيق أمامها لا تتراجع دائماً، بل قد تلجأ، أحياناً، إلى المقامرة. وقد يرى بوتين أنّ رفع كلفة الدعم الغربيّ لأوكرانيا، واختبار حدود الالتزام الأميركيّ للحفاظ على أمن أوروبا، من شأنهما أن يحسّنا موقعه التفاوضيّ قبل أيّ مفاوضات أو تسوية مستقبليّة.
استنزاف أميركيّ يثير الحسابات الرّوسيّة
لكنّ الأخطر أنّ هذه الحسابات الروسيّة المحتملة تتقاطع مع نقطة ضعف أميركيّة حقيقيّة. فالحرب الممتدّة مع إيران استهلكت كمّيّات كبيرة من الذخائر الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوّيّ الأميركيّة، وفي مقدَّمها صواريخ “باتريوت” و”ثاد” وغيرها من الذخائر المتطوّرة. وليست المشكلة أنّ الولايات المتّحدة باتت عاجزة عسكريّاً، ولا أنّ مخازنها أصبحت فارغة، بل إنّ معدّلات الاستهلاك في بعض المنظومات تتجاوز بكثير معدّلات إنتاجها وتعويضها، فيما قد تحتاج إلى سنوات إعادةُ بناء المخزونات إلى مستويات مريحة طويلة الأمد.
هنا تبرز المعادلة الجديدة: كلّ صاروخ اعتراضيّ يُستهلك في سماء الخليج هو صاروخ لن يكون متاحاً بالسرعة نفسها لحماية سماء أوروبا أو آسيا. وهذا تحديداً ما قد تكون موسكو تراقبه.
إذا كانت إيران، على الرغم من اختلال ميزان القوّة بينها وبين الولايات المتّحدة، قد نجحت في استنزاف جزء مهمّ من القدرة الأميركيّة على الاعتراض والدفاع الجوّيّ، فإنّ السؤال الروسيّ يصبح مشروعاً من منظور استراتيجيّ بارد: إلى أيّ مدى تستطيع واشنطن أن تخوض أو تدعم مواجهات متزامنة في الشرق الأوسط وأوروبا، فيما عليها أيضاً أن تحتفظ بقوّة ردع كافية في المحيط الهادئ في مواجهة الصين؟
راتكليف يحاول وصل الجبهات وردع موسكو
من هنا تبدو مهمّة راتكليف أشبه بمحاولة استباقيّة لكسر هذه المعادلة قبل أن تتحوّل من فرصة نظريّة في ذهن الكرملين إلى إغراء فعليّ. هكذا تبرز ثلاث رسائل:
ـ الأولى: لا تخطئوا في قراءة الانشغال الأميركيّ على أنّه غياب أميركيّ.
ـ الثانية: لا تختبروا التزام الولايات المتّحدة لواجباتها بحلف شماليّ الأطلسيّ انطلاقاً من فرضيّة أنّ حرب إيران قيّدت يد واشنطن.
ـ الثالثة تتعلّق بإيران. فالولايات المتّحدة لا تريد فقط منع روسيا من استغلال انشغالها بطهران، بل تريد أيضاً منع موسكو من مساعدة طهران على إطالة أمد المواجهة. وكلّ دعم استخباريّ أو عسكريّ أو اقتصاديّ روسيّ لإيران يرفع كلفة الحرب على الولايات المتّحدة، ويزيد في الوقت نفسه هامش الحركة الروسيّة في أوروبا.
بكلام آخر، لم تعد جبهة إيران منفصلة تماماً عن جبهة أوكرانيا.
كلّما استُنزفت أميركا أكثر في الخليج، اتّسعت نظريّاً مساحة المناورة أمام روسيا في أوروبا. وكلّما زادت موسكو من دعمها لطهران، ازدادت قدرة إيران على إبقاء واشنطن منشغلة بعيداً عن الساحة الأوروبيّة. وهذا ما يجعل زيارة راتكليف أكثر من اتّصال بين جهازَي استخبارات. فهي محاولة لمنع ربط الجبهتين ضدّ الولايات المتّحدة.
لكنّ المشكلة في الردع أنّ التحذير لا تكون له قيمة كبيرة إذا لم تقف خلفه قدرة يمكن للخصم أن يراها ويصدّقها. وهنا يظهر التناقض في الخطاب الأميركيّ: يصرّ ترامب على أنّ القدرات والمخزونات الأميركيّة في وضع جيّد، فيما يدور داخل المؤسّسات العسكريّة والكونغرس نقاشٌ جدّيّ حول سرعة استهلاك بعض الذخائر والوقت الطويل المطلوب لتعويضها.
موسكو تختبر أميركا وطهران في المعادلة
ربّما هذا هو الفارق الأكثر أهميّة بين زيارة بيرنز عام 2021 وزيارة راتكليف في هذه المرحلة. ذهب بيرنز إلى موسكو ليقول لبوتين: نحن نعرف ما تستعدّ لفعله، ونعرف كيف سنردّ. أمّا راتكليف فيذهب في لحظة أكثر تعقيداً ليقول: لا تفسّر انشغالنا في مكان آخر على أنّه عجز عن الردّ هنا. ومن هنا تبرز رسالتان متداخلتان:
ـ الأولى تتضمّن تحذيراً من قرار روسيّ محتمل.
ـ والثانية معركة على كيفيّة قراءة القوّة الأميركيّة نفسها وحدودها الفعليّة.
هذا يعيدنا إلى السؤال الأساسيّ: من كان يحذّر مَن في موسكو؟ رسميّاً، كان راتكليف هو الذي حمل التحذير. لكنّ اضطرار واشنطن إلى إرسال مدير الـCIA سرّاً إلى العاصمة الروسيّة يكشف أنّها تتعامل بجدّيّة مع احتمال أن يكون بوتين قد بدأ ينظر إلى حرب إيران بوصفها فرصة استراتيجيّة. وهنا تصبح طهران الحلقة الثالثة في المعادلة.
تحتاج روسيا إلى إيران لإبقاء جزء من القوّة الأميركيّة مشغولاً في الشرق الأوسط، وتحتاج إيران إلى روسيا لتخفيف وطأة العزلة والحصار الأميركيَّين. لكنّ العلاقة بينهما ليست تحالفاً عاطفيّاً. وإذا وجدت موسكو أنّ ثمن تفاهم أوسع مع واشنطن يستحقّ تقليص دعمها لطهران، فقد تكتشف إيران مجدّداً أنّ الدول الكبرى لا تملك حلفاء دائمين بقدر ما تملك مصالح دائمة.
الجواب عن مهمّة راتكليف لن يظهر في موسكو، بل في الأسابيع والأشهر المقبلة، والسؤال: هل تسرّع واشنطن إعادة بناء مخزوناتها العسكريّة؟ هل تزيد روسيا عمليّاتها الهجينة واستفزازاتها على أطراف الناتو؟ وهل يستمرّ الدعم الروسيّ لإيران بالمستوى نفسه؟
ليست زيارة راتكليف دليلاً على أنّ أميركا ضعيفة. إنّها دليل على أنّ واشنطن تخشى أن يعتقد بوتين أنّها ضعيفة.