
الشاعر المغربي محمد السرغيني في لقاء شعري (صفحة الشاعر – فيسبوك)
ملخص
بعد أعوام من المرض والغياب رحل أمس محمد السرغيني (مواليد 1930 – فاس) أحد أبرز رواد الشعر الحديث في المغرب، وأحد أبرز دعاة التجريب في الكتابة الأدبية. كانت نصوصه بمثابة محترف متحرك ودائم للكتابة، لم يركن إلى شكل أدبي واحد، بل مزج الأجناس الأدبية باكراً، حتى إنه كان يوقع النقاد مراراً في مآزق التصنيف.
استفاد الشاعر محمد السرغيني من ثقافته الغربية الواسعة ومن معرفته الكبيرة بالتراث العربي، وانفتاحه المبكر على ثقافات العالم، لذلك كانت كتبه تبدو غريبة عن كتب مجايليه، إلى درجة أنه كان يتهم مراراً بالإفراط في الغموض، لكن فلسفة السرغيني كانت تقوم على فكرة مفادها أن ثمة قاسماً مشتركاً أساساً بينه وبين قارئه، وهو المعرفة. وفي ظل غياب هذا القاسم تبدو الفجوة هائلة بين ما يرومه الشاعر، وما يتوقعه القارئ، لكن معرفة السرغيني متطلبة، فإحداثياتها العميقة والعريضة والمركبة تجعل القارئ دائماً في وضعية المحنة، والشاعر، في كل الأحوال، لا يراهن على قارئ مرتاح.
تأتي نصوص محمد السرغيني من الروحانيات والباطنيات والاحتدامات الداخلية التي تتخلق في ذلك العراك الوجودي الكبير الذي يسم كائنات متفردة أتعبها العقل والوعي، لأنها تريد أن تخرج على الدوام بانفعالاتها من مناطق المادة.
حياة ثرية
توزعت حياة السرغيني بين فاس وبغداد وباريس، وتكفي هذه المدن الثلاث للتدليل على طبيعة تكوينه الثقافي والفكري، فقد منحته الدراسة المبكرة في القرويين، خلال المرحلة الكولونيالية، فرصة هائلة للعودة إلى التراث الإسلامي والعربي، وإلى ما راكمته المدرسة التقليدية المغربية من معارف في حقلي اللغة والدين وما يرتبط بهما من فكر وعلم أصول، كذلك فإن دراسته الجامعية في العراق خلال الخمسينيات جعلته يعيش التحولات التي عرفتها القصيدة العربية إن على مستوى الشكل والمحمولات، وهو تحول كان فيه السبق للمشرق العربي قياساً مع مناخ الكتابة الشعرية في المغرب، كذلك فإن دراسته في السوربون أتاحت له الانفتاح على أحدث تيارات الكتابة في فرنسا، خصوصاً موجة السورياليين التي تركت أثرا كبيراً في كتاباته، وجعلته ميالاً بصورة لافتة إلى كتابة تبتهج بالأبنية اللغوية والجمالية أكثر من ابتهاجها بالوصول إلى المعنى.
ففي العهد الذي بدأ يعرف الوثوقيات في الكتابة خلال السبعينيات كان السرغيني ينزع إلى الشك، لا الشك في ما تحمله نصوصه من دلالات، بل الشك أيضاً في اللغة التي تكتب بها هذه الدلالات، لقد قطع باكراً مع الرعوية والفروسية اللتين بشر بهما الأدب الإنجليزي والفرنسي خلال العصر الرومانتيكي، وجنح إلى الكتابة التي تجعل من الوجود الإنساني هماً قابلاً للقراءة والتأويل.
بسبب إيمانه بأن الكتابة لا يمكن أن تتخلص من وظيفتها التنويرية، انضم السرغيني إلى الحزب الشيوعي في فرنسا، وكان يقوم بتوزيع منشوراته بيده عند باب السوربون وكلية الحقوق خلال التظاهرات المرتبطة أساساً بقضايا طلبة العالم الثالث، لكن وعي الشاعر قاده إلى الإدراك بأن الأدب لا يمكن حصره داخل إطار سياسي أو أيديولوجي، لذلك أغلق باب الحزب وخرج باتجاه الحياة العامة، ليتبنى قضايا كل المنكوبين على هذه البسيطة بغض الطرف عن انتماءاتهم وتوجهاتهم، لقد انتظم في سياق عام جعل من الأدب يافطة احتجاج ضد كل صور السلطة والتسلط.
ظل السرغيني وفياً لتوجهه، إلى وقت متقدم من عمره، فقد ظل يحرض الطلبة على الكتابة وعلى التجريب وعلى الانتظام في حداثة متجددة لا تقطع في الضرورة مع الماضي، لكنها متطلعة على الدوام إلى المستقبل. وفي كلية الآداب بفاس، حيث كان يشغل منصب أستاذ محاضر، ظل يشرف أعواماً طويلة على محترف الشعر، حيث ينظم الندوات والورشات لمصلحة الشعراء الشباب، ويشرف على مهرجان سنوي مخصص لهم، وقد تخرج من محترفه مجموعة كبيرة من الشعراء الذين أسهموا في الدفع بعربة الكتابة الشعرية في المغرب إلى الأمام.
تهمة الغموض
في تجربته الأدبية زاوج السرغيني بين الشعر والرواية والمسرح والنقد، ويمكن استحضار أبرز أعماله الشعرية التي تحيل عناوينها إلى مساحات التجريب التي خلقها في الشعر المغربي: “ويكون إحراق أسمائه الآتية” و”بحار جبل قاف” و”الكائن السبئي” و”من فعل هذا بجماجمكم؟” و”تحت الأنقاض فوق الأنقاض”، فضلاً عن روايته التجريبية “وجدتك في هذا الأرخبيل”، ونصه المسرحي “أغنية القطار الشبح”، كذلك فإن السرغيني انشغل بالدرس النقدي في شقيه النظري والتطبيقي، ونستعيد هنا كتابه “محاضرات في السيميولوجيا” ودراسته لشعرية صلاح استيتيه، وترجمته لنصوصه.
كان السرغيني يفاجئ قراءه ونقاده على الدوام بنصوص يطغى فيها الغرائبي، ويبدو فيها غير المألوف فرشاً للنص وغطاءً له، لذلك لازمته تهمة الإفراط في الغموض، وبناء النصوص في سياقات ترميزية وتجريدية قد تجازف في التشويش على العلاقة بين النص وقارئه. يعيد السرغيني هاته الشبحية المهيمنة على نصوصه إلى طبيعة العيش “الكراكيزي” الذي نمارسه أو الذي يمارس علينا، فبالنسبة إليه قد يبدو غير متسق أن تكون الكتابة واضحة ومحمولاتها متاحة في عالم غامض وملتبس.
الشاعر في رأيه فيلسوف، لكن الشعر ينبغي له أن يتجاوز الفلسفة، فإذا كانت أسئلة هذه الأخيرة تنحو جهة الحقيقة، فأسئلة الشعر تذهب من المنفتح إلى المنغلق. يؤمن السرغيني أنه لا يمكن فصل الشعر عن الفكر، لذا فالنص الشعري هو مساحة هائلة للتأمل والتساؤل والتفكير، وهذا يجعل اقترانه بالاشتغال الذهني أمراً وارداً، وأحياناً أكيداً. إن فهم الشعر في نظره أصعب من فهم الفلسفة، لذلك يحتاج قارئه إلى ما سماه بـ”المعرفة الباطنية”.
يسميه محبوه “شيخ الشعراء المغاربة”، وقد سبق لي أن سألته عن أثر هذا اللقب لديه فقال لي: “إذا كانوا يقصدون أقدميتي في الشعر فلا مانع يمنعهم من هذه التسمية (أنا من مواليد 1930) وإن كانوا يريدون أنني نسخة من ميراث قديم فإنني أثير انتباههم إلى أنني أكثر حيوية واندفاعاً نحو التجديد في انسجام مع إيماني العميق بأن مستقبل العالم في المستقبل الذي يجب أن يخضع لحتمية تطور يتغيى مزيداً من الكشف والاكتشاف والسبيل إليهما هو التجريب”. وحين سألته عن استشرافه لمستقبل الشعر في المغرب أجاب: “إذا غادرت هذا العالم إلى العالم الآخر فسأغادره وأنا جد مرتاح بسبب نماء دولة الشعر في المغرب هذا النماء المدهش”.