عندما تسمع آراء بعض الخبراء والمحللين والمدربين التي تُجمِع على أن جياني إنفانتينو أفسد كأس العالم، بعد توليه مسؤولية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بتوسيع المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48، تستحضرُ الفرح الهستيري للشعوب التي تتأهل منتخباتها أول مرّة، وإنجازات بعضها، وقتالية آخرين، فتتذكّر أصل كرة القدم، القادمة من عمق الشوارع الخلفية للمدن. كما أشار إلى هذا مدرّب الباراغواي عقب فوز منتخبه على ألمانيا، في دور الثمن، حيث قال إن منتخبه يأتي من بلد يتعلم فيه الأطفال الكرة في الشوارع، لا في الأكاديميات الكروية كما في أوروبا… فهل نُحوّل أنظارنا من حقيقة أن الكرة رياضة يمارسها الأطفال في كل العالم بلا مدرّب، ويتعلمون معها الانتماء إلى فريق والعمل الجماعي والمهارات الفردية بشكل فطري، قبل أن يدخلوا الفرق، إلى اعتبارها “حرفة” تُعلم حصرياً في الأكاديميات، وتجارة تدرّ المليارات على خزائن المستثمرين؟
ليس إنفانتينو بريئاً من الجشع الرأسمالي الذي لا يترك سوقاً محتملة بلا غزو، بل هو مدفوعٌ به، لكن الفقراء ليسوا كذلك. ربما دخلت فرق ضعيفة المونديال، واستقبلت حصصاً ثقيلة في هزائمها أمام الكبار، لكن فرحة جمهورها عظيمة بالتأهل إلى كأس العالم وبمتابعة المنافسات، ليس بوصفه جمهوراً مستعاراً لأحد المنتخبات الكبرى، بل بشعور وطني لا يمكنك مقاومته. رغم الإدراك الكامل بأنه تحويل للوطنية نحو رموز مادّية، في لعبة صارت أرقاماً في تجارة دولية ضخمة. لكن للقلب شؤونه.
ولا مانع لدى مستثمري الكرة من اللعب على مشاعر الناس الذين صارت انتصاراتهم خارجها قليلة. لننظر إلى فرحة الأرجنتيين بفوز منتخبهم بالكأس في مونديال قطر 2022. صحيحٌ أن منتخبهم من كبار العالم في اللعبة، لكن الشعب فقير وليس له سوى هذه الفرحة. الأرجنتين والبرازيل بدرجة أقل دول ليستا من الفقراء بموازين الدول، لكن الشعبين يضمان نسباً هائلة من الفقر والهشاشة. من جهة أخرى، ما فعله المنتخب الإيراني من مقاومة رمزية لقيود ترامب برفض منحه تأشيرات للإقامة، واضطراره إلى السفر قبل كل مباراة، والقتالية التي أظهروها، كل هذا صار رمزاً سياسياً. لكن هذه أمور يلاحظها جنوب العالم، لا شماله الذي ما زال غارقاً في شوفينيته، ومركزيته، ويرى تقدم المنتخبات الفقيرة مسألة سلبية تمسّ بهيبة كرة القدم.
قبل أيام، عنونت “BBC” خبر تأهل المغرب إلى الثمن على حساب هولندا: المغرب يأتي من الخلف ويضرب هولندا. من الخلف؟ هذا رابع العالم في الدورة الماضية، ومصنّف سادساً، لكنه من الجنوب الذي هو في الخلف دائماً، ولم يسبق أن فاز في نهائي، أو حتى بلغه، وفي ذهن صاحب العنوان لا يجوز أن يتقدّم من في الخلف ليهزم أصحاب المقدّمة، لذا جاء العنوان استنكارياً. التقدّم هنا معياره المال، والتاريخ، ولا ينبغي للصغار أن يحلموا بالصدارة. لكنهم لحسن الحظ، لا ينصاعون لهذا، والصدمة التي أحدثها منتخب الباراغواي، رغم أنه بلد محترم في كرة القدم، لكن يجب ألّا يقصي ألمانيا “الكبيرة” التي في المقدّمة، تكفي للحديث عن انقلاب الموازين على صانعيها.
كروياً، يمكن لمحبّي “الماتشات” القوية “المتكافئة” أن ينتظروا دور الثّمن ليتفرّجوا. وعلى صعيد آخر، ربما يكون الحل، في بطولة موازية للفرق التي لم تأتِ في صدارة مجموعتها القارّية، والتي صارت تتأهل الآن إذا حلّت ثانية. في بطولة موازية، كما تفعل مهرجانات سينمائية كبيرة مثل فينيسا وكان وبرلين، حيث تتيح الفرصة المشاركة في البرامج الموازية للمسابقة الرسمية مثل “نظرة أولى”. ويمكن أن يتم فيها إشراكُ المنتخبات التي تُعتبر ضعيفة كروياً. حتى تمنح لشعوبها فرصة للفرح، وللتطور الكروي، حتى تليق بذائقة “الخبراء”. ونتفادى الحصص الكبيرة التي تفوز بها منتخبات قوية على المستضعفة. رغم أنه حتى في النظام السابق كانت هناك منتخبات تفوز بأربعة وخمسة.
بعض المتذمّرين الأوروبيين من مستوى المنتخبات الضعيفة، ذكروا العراق وإيران والأردن، ودولاً أخرى ليس بينها من هي أوروبية مع أن ألمانيا خسرت في الثمن، والسويد لعب بها الفرنسيون كما يشاؤون .. لحسن الحظ أن الكرة تُنصف الأضعف أحياناً، فتفوز الشوارع على مدرّبي الكرة وأساتذتها.
عائشة بلحاج رئيسة قسم الثقافة في “العربي الجديد”،