صدر مؤخرًا في العاصمة الأردنية عمان كتاب بعنوان “هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز”، وهو يجمع مختارات مما نشره الكاتب والروائي والقاص الأردني الراحل مؤنس الرزاز (1951- 2002) من مقالات سياسية واجتماعية في صحيفتي “الدستور” و”الرأي” الأردنيتين. وقد عُرف مؤنس بكونه كاتبًا روائيًّا مجددًا في المدوَّنة الروائية الأردنية والعربية، خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، من القرن الماضي، خصوصًا في ثلاثيَّته الروائية: “أحياء في البحر الميت”، و”اعترافات كاتم صوت”، و”متاهة الأعراب في ناطحات السراب”، إضافة إلى مجموعته القصصية “النمرود”. هنا تأملٌ لعلاقة مقالته بمنجزه الروائي والقصصي، وكون تلك المقالة تتحرك على حواف ما كتبه من أعمال سردية.
لا شكَّ في أن العلاقة بين الأدب والصحافة أساسيَّةٌ في تطور كلا الحقلين، على الرغم من تباين الغايات وتباعد المرامي الخاصة بكل منهما. ومع ذلك، فقد كان الأدب، وخصوصًا الرواية، جزءًا لا يتجزأ من تطور الصحافة، وانتشارها، من خلال نشر الروايات المسلسلة في الصحف، التي يعاد نشرها في كتب بعد الانتهاء من ظهورها على صفحات الصحف. وقد أثَّر الوسيط، أي الصحافة، على أسلوب الكتابة الروائية، وقرَّب أيضًا بين الصياغة الخبرية وأسلوب التحقيق الصحافي، من جهة، وأسلوب الكتابة الروائية، من جهة ثانية. وهكذا، تطورت الصحافة، كما تطورت الرواية، عبر العصور. يصدق هذا على الصحافة والرواية في العالم، كما في العالم العربي، مع اختلاف البيئات والسياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية، الخاصة بكل بلد. في الوقت نفسه، زاوج الأدباء بين عملهم في الصحافة وكتابتهم الروائية، وعمل بعضهم كتابَ أعمدة صحافية، خائضين في شؤون السياسة والمجتمع ومعاش الناس، ما جعل كتابتهم اليومية أو الأسبوعية في الصحف رديفًا أساسيًّا لإبداعهم القصصي أو الروائي، أو المسرحي. يصدق هذا على العجم كما يصدق على العرب، لأن الصحافة شكَّلت، وما زالت، رئة يتنفس منها الكاتب والأديب، سواءٌ على صعيد كسب العيش، أو حتى على اكتساب معرفة قريبةٍ وملموسة مما يدور من صراعات في السياسة والمجتمع، ووقوعٍ على الشخصيات التي تغدو فيما بعد نماذجَ تمثيليَّةً للعالم في الكتابة القصصية أو الروائية أو المسرحية، ولربما الشعرية.
لا يبدو لي أن تجربة الكاتب والقاص والروائي مؤنس الرزاز تشذُّ عن هذا السياق، أو تشقُّ لها طريقًا معبَّدًا آخر للعبور من عالم الصحافة من باب الأدب، أو العبور من الصحافة إلى عالم الكتابة الروائية والقصصية. فهو بدأ العمل في الصحافة الثقافية العراقية، كما أصدر كتابه “مدُّ اللسان الصغير في وجه العالم الكبير” (1973)، كتعليقٍ على أحداث هذا العالم، في صيغة احتجاج وسخرية وفكاهة سوداء، غلبت فيما بعد على أسلوبه في الكتابة القصصية والروائية. لم يكن مؤنس بالطبع صحافيًّا محترفًا، أو كاتبًا سياسيًّا في الأساس. لا يمكن وصف تجربته في الكتابة للصحافة، ومن ضمنها كتابة عموده اليومي في صحيفة “الدستور” ثمَّ في صحيفة “الرأي” فيما بعد، بأنها انخراطٌ في العمل الصحافي. لكنه، كغيره من الكتاب والمبدعين العرب، ظلَّ قريبًا من عالم الصحافة، ولم يتفرَّغ تمامًا للإبداع الأدبي، وكتابة القصة والرواية، أو حتى الترجمة. هكذا هو قدرُ المثقفين والكتاب العرب في هذا الزمان، لأن التفرغ للكتابة يظلُّ عملًا محفوفًا بالمخاطر، ولا يمكِّن الكاتب من عيش حياة كريمة. ولذلك عمل مؤنس، أُسوةً بغيره من الكتاب العرب، وخصوصًا في العقدين الأخيرين من حياته، كاتبَ مقالة سياسية اجتماعية ثقافية، ساعيًا إلى وضع الأحداث اليومية، والحروب والصراعات، والمشكلات السياسية والاجتماعية العربية، في دائرة القراءة والتحليل والتأمل، والتعليق الجانبي، والبحث عن تأويل جامع لمشكلات العرب المعاصرين. وقد ميزته هذه الرؤية الفكرية، والتصور الذي يغور عميقًا على المعاني الضمنية للحدث السياسي أو الاجتماعي، عن أقرانه من كتاب الأعمدة الذين يطاردون الحدث السياسي أو الاجتماعي، ساعين إلى تقديم وصف لما يحدث، أو وجهٍ واحدٍ من وجوه تأويل الحدث. ولعلَّ الرؤية الفكرية والثقافية والأدبية الإبداعية، التي تشكِّل خلفية مؤنس في الأساس، هي التي دفعته بعيدًا عن اللهاث وراء الخبر، والحفرِ عميقًا على الأسباب والكليَّات الجامعة في النظر والتحليل. وهو ما يمنح ما كتبه في مقالاته، التي نشرها على مدار عقدين من الزمن، في مجلة “الأفق” الأردنية، وصحيفتي “الدستور” و”الرأي” الأردنيتين، مذاقًا مختلفًا، وديمومةً، وقدرةً على إضاءة الحاضر الراهن، كما فعلت في إضاءتها على زمنه. وتتصل هذه الديمومة، ومقاومة الزمن، بكون الكاتب لا يركِّز على الأحداث بما هي أحداثٌ ووقائعُ يومية، بل بوصفها دلالات على مزاجٍ يشترك فيه الناس، وروحٍ عامة تحكم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها العرب، وتجعلهم يتصرفون ويشعرون ويتفاعلون، ويقومون بردود فعلٍ على الأحداث، انطلاقًا من ميراثهم ورؤيتهم للعالم.
تصدر زاوية النظر، التي يطلُّ منها مؤنس على العالم، من مجيئه من عالم الأدب إلى عالم الكتابة الصحافية، وليس العكس. فهو كاتبُ قصة وروائيٌّ، ومقالاته الأولى في الصحافة هي أقربُ إلى القطع الأدبية منها إلى الكتابة الصحافية. كما أنه بدأ كتابة عموده الصحافي بعد أن تكوَّن أدبيًّا، واكتسب شهرةً في حقل الكتابة القصصية والروائية. فقد سبقت أعمالُه الروائية المركزية (“أحياء في البحر الميت”، 1982؛ “اعترافات كاتم صوت”، 1986؛ “متاهات الأعراب في ناطحات السراب”، 1986) انشغاله بالكتابة الصحافية، وانتظامَه في كتابة عمود يومي في الصحافة الأردنية. ولهذا غلبت رؤيته الأدبية والثقافية على التحليل السياسي أو الاجتماعي، الذي هو ديدنُ كُتَّاب الأعمدة الصحافية، لأسباب تتصل بخبرته السردية، وتفضيله اتخاذَ قالب الحكاية، وابتداع الشخصيات القصصية، التي تسأله وتحاوره في مقالاته، مثل شخصية “كثير الغلبة”، الذي يسعى جاهدًا إلى إقلاق راحة الكاتب، والقارئ، على السواء.
هكذا تتسلل شخصيات الروايات إلى عمود مؤنس الصحافي، فهي تنزل من عليائها، أي من عالم المتخيَّل، لتخوض في شؤون الناس اليومية، وأحداث السياسة والمجتمع، بدون أن تتخلى عن طبيعتها التخييلية، أو تضعَ جانبًا الأسئلةَ التي تطرحها روايات مؤنس حول تخلف العرب، ومعضلةِ تناحرهم التاريخي، وانهيارِهم الحضاري، وتفككِ اللحمة السياسية والثقافية والاجتماعية، فيما بينهم كعرب، وهو ما يجعلهم رهينةً للتبعية، والالتحاقِ بالغرب، والتسليمِ بقدرة هذا الغرب وأعلويَّته، وعجزِهم عن مدافعته، كما هي حالُهم مع إسرائيل (الابنة المدللة للغرب). هكذا تتقارب العوالم، والتصورات، والرؤى المستخلصة، ما بين المُتخيَّل والواقع، بين القصص والروايات، من جهة، والكتابة السياسية والاجتماعية، من جهة أخرى، مشكِّلةً رؤيةَ الكاتب ومنظوره لواقع العرب المعاصرين، وبحثَه عن أجوبة لأسئلته الملتاعة، المعذَّبة، التي لا يملُّ من تقليبها على وجوهها، سواءٌ في القصص والروايات، أو في المقالة الصحافية التي يكتبها. إن هويَّة القاص والروائي هي ذاتُها هويةُ الكاتب الصحافي، فهما مظهران من مظاهر الهوية الشخصية لمؤنس، تتضافران للتعبير عن رؤيته للعالم، عبر أشكال مختلفة من التعبير والكتابة.
نقع في قصص مؤنس ورواياته على كتابة مختلفة، تتجاوز السائدَ، والمطروقَ من الكتابة القصصية والروائية؛ يسعى الكاتبُ إلى التجريب واختبار الأشكال، ومزجِ الأساليب، وابتداعِ الشخصيات الإشكالية والمواقفِ العجائبية، والنهلِ من علم النفس اليونغي (نسبةً إلى عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ)، ومن التحليلِ الاجتماعي التاريخي لتشكُّل العصبيات وانحلالها (مستعينًا بنظرية ابن خلدون في العصبية، وسُبلِ تشكُّل المجتمعات وازدهار الحضارة وانهدامها). كما أنه يستعين، في الوقت نفسه، بشكل القصِّ في “ألف ليلة وليلة”، وأخبار العرب، واتخاذ أسلوب المفارقة صيغةً من صيغ التعبير الروائي، وتغليبِ الفكاهة السوداء في عمله القصصي والروائي، واستحضارِ الشخصيات التاريخية والأدبية والثقافية، بوصفها مرايا لأفكاره ورؤيته للعالم. ولا يغيب هذا عن مقالاته الصحافية، بصيغة أو أخرى، لأنه، كما قلنا من قبل، آتٍ من عالم كتابة المتخيَّل، بكلِّ أحلامه ورؤاه وأتواقه، إلى عالم الواقع، بكلِّ صلادته وخشونة تجاربه المرَّة، وثقله الذي ينوء بكلكله على أناس هذا العالم. بهذا المعنى، فإن ثمَّة تنافذًا بين الكتابة القصصية – الروائية والكتابة الصحافية؛ كلاهما يغذي الآخر، ويثريه، خصوصًا إذا وضعنا في الحسبان كتابات مؤنس ورواياته التي أنجزها في الوقت الذي انتظم خلاله في الكتابة الصحافية: “جمعة القفاري: يوميات نكرة” (1990)، و”الشظايا والفسيفساء” (1994)، و”مذكرات ديناصور” (1994)… إلخ. هكذا تفيض الصحافة على الكتابة القصصية- الروائية، في هذه المرحلة، كما فاضت الكتابة القصصية- الروائية على الصحافة، قبل أن ينتظم مؤنس في كتابة عموده الصحافي.