تحتدم نقاط الصراع الساخنة في العالم كلّه، من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الحرب التي لا تشبه الحروب كثيراً بين الولايات المتحدة (وإسرائيل) وإيران، إلى قضية الشرق الأوسط التي ما زالت بؤرتها في غزة قائمة رغم التهاب الثانية في الضفة، والحربين الأهليتين المُستدامتين في السودان واليمن، والبؤرة السورية التي ما زالت محلّ اهتمام العالم والإقليم، وشعبها.. حتى ميانمار وصراعها الداخلي المحتدم، وتجدّد النشاط الزلزالي والانقلابي في أمريكا اللاتينية، وغير ذلك!
معروفة إلى حدٍّ كبير كلّ أطراف وأسباب التوتّرات، ولا ينزعج أهمّها من الإشارة إليه، بل ربما العكس صحيح. يبدأ ذلك من طموحات الاستمرار في السلطة إلى حلبها حتّى الأخير قبل فوات مدّتها أو الفشل في استدامة الإطباق عليها: الولايات المتّحدة وإسرائيل مثالان مهمان على ذلك، مع اقتراب انتخابات الثانية كثيراً، والانتخابات النصفية في الأولى.
يتميّز الموقف الأوروبي عن غيره من الحرب الأوكرانية – الروسية بأنه أقرب إلى الدفاع عن الذات، لأنها تهديد وجودي بشكل من الأشكال، ولأن انتصار روسيا سيغيّر من قواعد الأمن الأوروبي جذرياً ويكون خطراً داهماً، لذلك وصلت العقوبات إلى 21 حزمة حتى الآن، بشكل لاهث لا يفتأ يتصاعد. ولذلك أيضاً، استجابت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو لضغوط الولايات المتحدة (إدارة ترامب) الطارئة، ورفعت حجم مساهماتها الدفاعية بشكل ملحوظ، مع تأثيرها الكبير على جميع مجالات الإنفاق الأخرى وتبعات ذلك.
كذلك يتميّز الموقف الأوروبي من قضية الشرق الأوسط عموماً، وفي قضية حرب غزة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وتشغل العالم بشكلٍ ملحّ بذاتها، وبصراع الشرق الأوسط الطويل. لكنّ الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي متباينة «قليلاً» في هذا الموقف ومدى صلابته. ومن المتوقّع أن تكون هناك مواجهة جديدة بينها في الشهر القادم، بشأن عقوبات ضد إسرائيل مخطط لها منذ زمن طويل نسبياً، إلّا أنه غير مرجح التوصّل إلى توافق، وفقاً لنشرة بوليتيكو، على الأقل بسبب تحفّظ ألمانيا وتشيكيا.
رغم ذلك التباين، يبقى الموقف الأوروبي عموماً – بما فيه ألمانيا- أقرب إلى العدالة وإلى توجهات الأمم المتحدة ومجمل التوجّهات الأممية في قضية صراع الشرق الأوسط، مع إقرار عقوبات خاصة لبعض الأفراد والمسوولين الإسرائيليين في حقل الاستيطان في الضفة. تقف ألمانيا ضد التوسّع في الاستيطان، وضد عنف المستوطنين هناك، لكنّها ترفض توسيع العقوبات أو أيّة تدابير «استراتيجية»، على الرغم من تأثير الرفض الإسرائيلي – ونتنياهو بالذات- لخطة مجلس دونالد ترامب للسلم مؤخّراً. وغير معروف بعد مدى تأثير اتّجاهات الانتخابات الإسرائيلية العامة القادمة على ذلك بعد أسابيع قليلة.
لا يؤثّر ذلك إلّا جزئياً على التوجّه الأوروبي العام وفي أروقة بروكسل نحو الضغط باتّجاه حلّ شامل أكثر عدلاً، ولو كان ذلك نسبياً. ولو أخذنا المواقف بشكل متكامل ومجمل، قد لا يكون الموقف الأوروبي أكثر استعداداً للتنازل من الموقف العربي، مع الانتباه إلى درجة فاعلية وجدية الموقف في كلّ مرحلة أو مثال، بل ربّما العكس هو الصحيح. يمكن التوسّع في تلك الأمثلة وغيرها، لكنّ ذلك يحتاج حيّزاً أكبر. ما يهمّ هو درجة الضغوطات التي تتعرّض لها أوروبا (درّة العالم القديم) من (درّة العالم الجديد) بإدارتها الحاليّة. تفاقم الأمر من خلال استهداف الرئيس ترامب لأوروبا -وبريطانيا- بحربٍ تجارية لم تكن متوقعة، وبدفع حاسم نحو زيادة نسبة المساهمة في الناتو، وبمحاولة حثيثة لجعل أوروبا أكثر فاعلية واشتراكاً في حرب الخليج، التي حملت سمات التفرّد والمزاجية كثيراً، من دون أية مراعاة للقانون الدوليّ، بغضّ النظر عن كون الخصم في الخليج دولة تؤذي منطقتها والعالم بلا هوادة، استعمل الرئيس الأمريكي ضمير المتكلّم المفرد بإفراط بالغ وبليغ خلال تلك الحرب، ليزيد من انعزالية السياسة الأمريكية بالتدخّلية المفرطة، والنفعية المباشرة، باسم بلاده، وخصوصاً باسم إدارته وشخصه بالذات. ذلك متعارض على طول الخط مع العقلية الأوروبية المعمّرة. ذلك وغيره، ورغم تلك الأجندة الواسعة، يجعل من الأفضل أن يكون التركيز العربي على أوروبا بالمعنى الاستراتيجي على الأقل، وعلى مشاكلها التي لا تظهر في السياسة الخارجية وحدها، بل في الداخل، أو الدواخل: بالخصوص تزايد انتشار القوى الشعبوية واليمينية في أكثر من مكان، وتأثير ذلك على تزايد التوتّر والحدّة في الصراع السياسي، الذي لا ولن يخلو من جوانب أخرى تكاد تكون وجودية، في أوروبا عموماً، على سبيل المثال، فقد تكون أوروبا «العاقلة» والمعتدلة نسبياً بين قوى العالم الرئيسة حالياً، ويمكن ضمّ اليابان غالباً إليها في ذلك.
يشبه الاتّحاد الأوروبي في تأثيره ونشاطه، ما تقوم به الأمم المتّحدة، بل يمكن أن يتفوّق في تلك المقارنة أحياناً بسبب الضغط الدائب والمتميّز عليها في دورتي رئاسة ترامب. تشكيل «مجلس السلام» موجه في وجه الاتحاد الأوروبي إضافة إلى الصين وروسيا، لكنّه موجّه مباشرة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
يميل الاتّحاد الأوروبي إلى التوافق على قراراته ما أمكن ذلك، حتّى في تلك التي لا تتطلّب الإجماع في أنظمته. ومعروفة درجة التعطيل التي مارسها أوربان/ هنغاريا في عمل الاتّحاد حتى خسارته الانتخابات مؤخّراً. يؤدّي هذا إلى تخفيف عزلة الأحزاب المتطرّفة لحساب اندماجها وتفاعلها مع القرارات الكبرى على الأقل، وهو كذلك يجعل قوى التطرف موزّعة على أكثر من مجموعة، حيث توجد في البرلمان الأوروبي ثلاث كتل يمينية متطرّفة هنالك فوارق بين مواقفها من عدّة مسائل. لكن ذلك لم يمنع من أن تصل قوة تلك القوى إلى أكثر من الربع باستثناء المستقلّين، وإلى أن تزداد قوة في موجة الانتخابات الماضية وتغدو مؤثّرة بشكل مباشر في 22 دولة أوروبية، وترفع نسبتها في داخل البرلمان الأوروبي إلى 26% إذا استثنينا المستقلين.
هنالك تشرذم في ذلك اليمين المتطرف، إذ يتوزّع إلى ثلاث كتل في البرلمان الأوروبي يجمعها كونها جميعها إلى يمين حزب الشعب الأوروبي الممثّل ليمين الوسط: مجموعة «المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين» (ECR) التي تضم قوى أكثر «إيجابية» مثل أخوة إيطاليا (جورجيا ميلوني) وحزب القانون والعدالة البولندي، وهي تعارض الاتحاد الأوروبي باعتدال يهدف إلى تحجيم تأثيره وتركيز اختصاصه الاقتصادي. ومجموعة «وطنيون من أجل أوروبا» (PfE) الكبرى بين الثلاث والتي تضم التجمع القومي الفرنسي (ماري لوبان) و»فيديس» الهنغاري و»الرابطة» الإيطالية، وتظهر ميولها الأيديولوجية من خلال اسمها السابق حين كان «مجموعة الهوية والديمقراطية». ومجموعة «أوروبا الأمم ذات السيادة» (ESN) التي يتصدّرها الحزب الألماني ( AfD أو البديل من أجل ألمانيا)، وهي أضعف المجموعات المذكورة.
ورغم كون الموقف السلبي أو الكابح – بتفاوت- للاتّحاد الأوروبي وتقدّمه يكاد يجمع تلك المجموعات، مع ذلك الأكثر سلبية في مسألة المهاجرين وأيضاً بشكل متفاوت ومتنوّع، إلّا أن ما يهمّ هو أن هنالك تباينات بين المجموعات الثلاث، « قد» تجعل مواجهتها أكثر سهولةً في بعض المعارك السياسية!
كاتب سوري