-
خضر سلمان..الجمهورية .نت
-
-
-
ربما لا شيء تختص به طرطوس، في ذاكرتي عنها، غير ذلك الظلام البحري اللانهائي، حين كنا في طفولتنا نتمشى مع الأهل على الكورنيش البحري، وتغيب الشمس، وتُنار الأضواء على جانب المدينة، فإذا التفتَّ هناك على الجانب الآخر، ظلام عميم ووحشة مُقبِضة وغريبة، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على متعة غامضة، ولشدَّ ما كان يذهلني كيف تتجاور هذه الألفة مع هذا المطلق الطبيعي، غير المسكون إلا بالظلمة والهدير الخافت الثابت للموج الليلي.
هذا هو ربما ما يسمى في الأدب الجليلَ (sublime)، وإخالُ أن لهذه التجربة علاقةً بتبلور افتتاني اللاحق بالتحليل النفسي، ليس بصفته ذلك العلم الحديث والحداثيّ، بل في وراثته تاريخاً من «العلوم المضادة» التي أبدعها مثقفو الرومانسية الألمانية في القرن التاسع عشر، معارفَ للعاطفة والظلّيّ، والجليل، واللاواعي بعيد الغَور، وما هو غريب حميميّ في الذات.
غير ذلك، لا شيء طرطوسيّ بشكل خاص، ونحن الأكثر هامشية، لا أعتقد أن من السهل منافستنا في هذا، وحتى أنني أتذكر أننا، حين «طاف» نهر الغمقة مُغرِقاً حيّ «الضاحية» ومدرسة إخوتي الابتدائية التي كانت تقع في ذلك الحي، وذُكِرَ الخبر في نشرة الأخبار المسائية على التلفزيون الوطني، كان ذلك مَدعاةً لدهشتنا الطفولية.
فنحن لسنا اللاذقية، الأكبر والأكثر مَركزيةً لمحيطها، كما لسنا الشام ولا حلب بطبيعة الحال، ولا أياً من مدن الداخل التي تشكّل معاً الكلّ السوريّ، بما فيها تلك التي قد تَسمَعُ بها كمثال على مدن سورية طَرَفية أو هامشية. وعلى أية حال فطرطوس ظلت تابعة لمركز اللاذقية لوقت طويل، قبل أن تطرأ على قائمة المحافظات السورية.
أما عن تاريخنا الاجتماعي، فنحن كطراطسة أقرب إلى الفضاء الثقافي اللبناني في كل شيء تقريباً.
أُقابِلُ صديقي الطرطوسي بعد سنين، وكان لقاؤنا في الشام، يخبرني أنه قضى معظم سنوات الحرب في بيروت، أُعاجله حازراً: لم تشعر بأي غربة، صحيح؟ فيجيبني: صحيح تماماً، ليؤكد لي بذلك نظريتي عن «لبنانية» طرطوس، والتي سرعان ما وافقني عليها أيضاً، مُؤمِّناً على كلامي بالإشارة إلى أن الألف الممدودة في وسط الكلام عند الطراطسة تُنطَق في معظم المُواضِع نُطقاً لبنانياً، الأمر الذي قد يَخفى عن الانتباه بسبب «القاف» الشهيرة لأريافنا.
وبالحديث عن السُنّة من سكان المدينة القديمة والمركز الحضري لطرطوس، وهُم من السكان الأصليين تقليدياً للمدينة، ستجدهم أقرب في لهجاتهم كما في تكوينهم النفسي وبرودهم النسبي إزاء العالَم، إلى أهل طرابلس أو سنّة بيروت، منهم إلى أي مدينة سورية أخرى، باستثناء اللاذقية ربما.
هكذا، أُحب أن أخبر أصدقائي أنه «مثلما الديرية عراقيون ثقافياً، والحلبيون أتراك في مطبخهم وفي لهجتهم التي فيها من التركية تفخيم مخارج الحروف وكلماتٌ تركية كثيرة، نحن في طرطوس، بيروت وطرابلس أقرب إلينا من أي مكان آخر».
وشخصياً، بينما ينحدر والدي من إحدى القرى الصغيرة القريبة من مدينة طرطوس على طريق صافيتا، تتحدّرُ والدتي من قرى سهل عكار السوري المحاذية للحدود اللبنانية، ولعائلتها في ضيعتها امتداداتٌ في القرى العلَوية من السهل اللبناني، وتُعبِّرُ هذه الامتدادات عن نفسها في تَداخُل اللهجات والعادات واليوميّات، حيث يتبضع أخوالي المزارعون، لبيوتهم واحتياجاتهم اليومية، من المعابر الحدودية والقرى اللبنانية.
أخوالي هؤلاء، الذين يندر أن يغادروا عالمهم السهليّ السخيّ، يرفع واحدهم عقيرته بالغناء فجأة بصوت عالٍ، أنّى شاء له الهوى، مثلما في أفلام الرحابنة، الفرق، فقط، هو الفرق بين الأفلام الرومانسية والواقع، حيث يُثير الغناء المفاجئ – المفاجئ تماماً، كما لو أنك وديع الصافي أو فيروز- شعوراً بالحرج لدى الغير، لا يُعيره الأخوال المتبسّطون طوال الوقت أدنى اهتمام.
زِد على ذلك، فقبل دخول الصحون الفضائية إلى المنازل –تقريباً آخر تطور تكنولوجي كبير قبل الإنترنت- فإن الهوائيات المنزلية التي تُركَّب على التلفزيون وتلتقط ما يتيسر من الأثير، كانت عندنا في طرطوس تلتقط، بجودة أعلى من التلفزيون الرسمي السوري، كلاً من تلفزيون لبنان والـLBC. وأتذكّرُ من تلك السنين البعيدة تَهكُّمَ أبي على النقاء الطائفي لبرامج هذه الأخيرة، المعبِّرة عن «الانعزال المسيحي» كما كان يُسمَّى في أدبيات «الحركة الوطنية» واليسار اللبناني. فحتى في برنامج أطفال مثل الشهير «كيف وليش» الذي يستضيف أطفالاً يشاركون في مسابقات، حين تسألهم المذيعة عن أسمائهم يستنكر أبي ضاحكاً، هل كل الأطفال طوني وشربل، أليس هناك «محمد» واحد يتصادف مروره عندكم!
آنذاك كانت الموضات التي تنتشر في بيروت، تجد صدىً لها في اليوم التالي في طرطوس، فإذا كانت ثقافة الهيب هوب الفرعيّة بأزيائها من تي شيرتات واسعة جداً، وبنطلونات «خصر واطي»، قد وصلت إلى الشوام من اتصالهم الطبيعي بالعالم الفسيح، فنحن وفدت إلينا من شوارع بيروت، وسرعان ما باتت هي الموضة المعيارية في شارع هنانو التجاري في مركز مدينة طرطوس.
هذا الشارع، يتحول في بداية عطلة المدارس منذ مغرب شمس يوم الخميس، إلى كرنفالٍ لمُراهقي المدينة، يستعرضون من خلاله حداثة اللباس وأسلوب الحياة، ليكون مجردُ التواجد هناك في تلك الأوقات لحظة مشحونة بالتأثير، مثل كرنفال حقيقي، وشيئاً مثل الفريضة لكثير من مراهقي المدينة، وهم جيلٌ طرطوسيٌّ كامل، بالنظر إلى شيوع هذه الحساسية واستتبابها في تلك الأوقات الغابرة.
في هذا الجو لمعت أسماءٌ لفاشنيستات محليات عاليات الجرأة والتجريبية. فحتى حين لبست اللبنانيات البلوزة القصيرة التي تُظهِرُ السرّة، قاتلت طرطوسيات لا حصر لهنّ في البيوت لأجل هذه الحرية، فمن لم يحالفهن الحظ في معركتهنّ –أَفترضُ أنهنَّ الغالبية- لا بد أنهن حظينَ بفرصة تجريب اللباس الذي أحببن، في أقرب عرس.
فمن أعرافنا الطرطوسية واحدٌ يقول إن العرس مساحةٌ للحريات الفردية في حضور الأهل، يَشيعُ فيه أن يسمح الآباء المتزمتون بطبائعهم لِلبنات بارتداء ما لا يُعهَد منهم السماح به في الأيام العادية، وغضّ الطرف عن مراقصة غيرِ أفراد العائلة. في هذا، نحن «كُرد» على طريقتنا، إذا صحّ أن ليس للكردي إلا العرس، على ما يقترح نص جميل قديم لصديقي الشاعر السوري لقمان ديركي، حيث العرس، بالنسبة إلينا أيضاً، مساحةٌ تكاد تكون وحيدةً وحصرية، للتعبير الحر عن الذات.
ومع الوقت وبفعل ميكانيزمات القوة الاجتماعية وتفاعلاتها المعقَّدة، ستلفتُ موضة القمصان القصيرة جداً انتباه بعض الشبان من بيئات الأحياء الشعبية في الرمل و«الرادار»، و«الغمقة الشرقية»، لتتحول إلى نوع من «الهوية البصرية» لمن يود أن يشي زيّه بحدود قصوى من الجرأة واللامبالاة بقواعد الظهور حتى أبسطِها، في لفتة «كْويرية» تحررية عفوية، من نوعٍ من النزعات ليس نادراً في مجتمعنا.
لاحقاً، وتدريجياً، سيفقدُ شارع هنانو مركزيّته بالتوازي مع ازدهار الكورنيش البحري الجديد، المُصمَّم على شكل سفينة فينيقية تظهر في اللقطات الجوية، والذي أفلَح في استعمار عشرات الأمتار من ذلك الاتساع الليلي المظلم للبحر، ومع الإنارة الجديدة الجيدة والازدحام المستمر للناس على الكورنيش الجديد، سيتحوّلُ مشهدي الأثير، للأبد، بتفاصيله وإحداثياته الزمنية والمكانية التي تبدَّدت تماماً، إلى ذكرى من الطفولة.
* * * * *
بعد أعوامٍ طويلة، في ظروف الحياة الضاغطة علينا كسوريين في اسطنبول، حين سأُقاسي لأعوام من الاكتئاب، وحيداً في غرفة من منزل للسكن الطلابي في حي بيشيول من ضواحي إسطنبول، سأمسكُ في سأمي كتاباً كان تناهى إلى حوزتي بالصدفة، هو تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف للكاتب والناشط السياسي اللبناني فواز طرابلسي، وهو كتاب شيّق الأسلوب سلس، ويحفل بالكثير من التفاصيل التي تثير اهتمامي؛ صعود بشير الجميّل، وأطوار النزاع الأهلي اللبناني، وأشياء كثيرة.
وأتذكر، وسأحاول نقل هذا الحدث رغم ذاتيته المفرطة، أنني وعند الصفحات التي كانت تَصِفُ بيروت بداية السبعينيات، قبل أن تندلع الحرب، بما كانته من جزيرة أمان لعشّاق الحرية والمنفيين والمبدعين من أصقاع العالم العربي، والنزهة بين مقاهيها ومرابعها النابضة بالحياة، شعرْتُ بشيء لم أشعر به من زمان طويل، شيءٍ نسيته تماماً، شيء اسمه الشغف، الاهتمام، وأن تنسى نفسك في تدفُّق نشاطٍ ما، إنه السيروتونين!
ولأحدثكم قليلاً فقط عن هذا الشيء. فالمقاربة الطبية المعاصرة تعمل على علاج الاكتئاب عبر المظهر الفيزيولوجي الأساسي له، وهو اختفاء ناقلٍ عصبي اسمه السيروتونين من دوائر الدماغ، مسؤولٍ عن الشعور الأساسي الضروري والمعقول بالرضى، والذي بدونه، يصير ملمس الماء على الوجه في الصباح أو المشي أو أبسط المهمات والحركات -فما بالك بالذهاب اليومي للعمل، والتفاعلات اليومية المعقَّدة- آلاماً مبرحة وعملاً شاقاً مُتناهياً في الإرهاق والاستحالة. تُصنِّفُ إحصائيات الأمم المتحدة الاكتئاب على أنه المسبب الأول للإعاقة Disability حول العالم، يؤثر على أكثر من 300 مليون شخص غالبيتهم من النساء والشباب وكبار السن، مع شعورٍ سوداوي بلا نهاية، كاسحٍ ومُطبِق ولا يوصف.
يقوم الأطباء بإعطاء المرضى أدوية لتحفيز انتظام السيروتونين من جديد، والذي يفترض أن يحدث خلال مدة بين ستة أشهر إلى سنة من الالتزام بالعلاج الدوائي، بالتوازي مع جلسات العلاج المعرفي السلوكي CBT، حيث يعمل المعالجون النفسيون على تغيير الافتراضات الخاطئة وتعديل السلوكيات الاكتئابية، وتدريب التفكير الإيجابي. لا ينجح هذا دائماً، بل إن نسبة نجاح هذا النهج إشكالية، لدرجة أن هناك تشخيصاً اسمه الاكتئاب المقاوم للعلاج أو المستعصي، ويلجأ الأطباء في حالات كثيرة إلى الحجز في المصحّات، والعلاج بجلسات الكهرباء، والذي وإن كان قد بات أكثر أماناً وفعالية مع الوقت إلا أنه، فضلاً عن تكلفته الباهظة، ذو آثار سلبية منها آثاره المُحتَملة على الذاكرة.
ولأن الاكتئاب هو هذه التجربة، والتي يزيدها وِحشة وبؤساً غياب أي وعي بها في مجتمعاتنا، واقتصار المحيطين على لوم المريض واتهامه بالكسل وانعدام الفاعلية، ولأن من الوارد أن يَخطُرَ للمرء الاستماع إلى الأغاني الوطنية حين يشعر بالحماسة، واتاني أن أروح أغني مع ماجدة الرومي، مُعلِناً انبعاث الحياة في مَوات الغرفة الصغيرة «عمب حلمك ياحلم.. يا لبنان، أنت الهدايا بالعلَب، والكاس شي إنو انسكب، والكان بالبال وبعدْ ما كان.. يا لبنان!».
كنتُ لنفسي في تلك اللحظة لبناناً لمّا يَخرُجْ من العلبة، وكينونةً لا أحد يعلم كُنه ما قد تكونه في ما بعد، ورغبةً في تثبيت شعوري القياميّ، كتبتُ بالقلم الجاف على الحائط فوق السرير، بيتَي شاعر العنصرية اللبنانية سعيد عقل، اللذين يديران الرأس طرباً:
ومن الموطن الصغير نرودُ الــأرضَ، نَذْري في كل شطٍّ قُرانا
نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً.. ونبني –أنّى نشأْ- لبنانا!(فإذا راقتك الأبيات، أُبرئ ذمتي بالتنويه أن ليس من الجيد منح الإعجاب للجماليات الفاشية دون إعمال العقل النقدي، والتأمل لدقيقتين في كيف يتقاطع الهمُّ الجمالي في الفاشية مع بُنانا الذاتية، ويخاطب النرجسيات الفردية والجمعية بالشكل الذي يكتسب معه جمالاً واكتمالاً أسطورياً، يصبُّ في حساب خيارات سياسية واجتماعية لا تكون رشيدة).
وفي اليوم الذي شهد سقوط النظام، وكنت ما أزال في إسطنبول التي صارت بعيدةً اليوم، بعد أن أعددتُ شراباً وجلستُ أتابع الأخبار المتلاحقة، خطر لي أن ألقي نظرة على الإعلام اللبناني، ولم يَخِب ظني مع أول بث مباشر بحثت عنه. هؤلاء القوم لا يخيب من يطلب عندهم شراكةً في احتفال، شمبانيا تُفوَّر وأنخابٌ تُرفَع بصحة الشعب السوري وخلاصه من «البْسَين» الذي هرب، واستذكارٌ لضحايا النظام السوري في لبنان من مثقفين ونشطاء وموظفي دولة، جمعهم أنهم في وقت ما شكلوا تهديداً للسيطرة المطلقة للنظام السوري، على القرار الوطني اللبناني، وألعاب نارية في السماء تليق بالمناسبة!
* * * * *
لقائل أن يقول، أي لبنان تتحدث عنه وأي بيروت تلك التي تَصِف.
لكن حال طرطوس ويا للأسى والأسف كحال لبنان في هذا أيضاً، تَعبى من سنين الحرب التي استنزفت الأعمار والأرواح، حروب لم يخترها أحد ولا اتخذ الناس قراراً فيها، ففي مناخاتنا السياسية يقرر من هم في السلطة أن تحدث الأشياء على هذا النحو أو ذاك، ولا يتحمل الناس المسؤولية عن أقدارهم، وطالما لم يتوفر عنصر الحرية السياسية، القابلُ للقياس والاختبار، كما هو عليه الحال في أوضاعنا الوجودية القصووية، فالجميع، بمن فيهم المحاربون والشهداء في إثر الشهداء، وقودٌ في مَجْمر جهنمي كبير يكني عن إرادة السلطة المطلقة عند حكامٍ «جهلة وفاسدين ودكتاتوريين» (حسب التعبير الدقيق للمحلل النفسي التونسي فتحي بن سلامة، في سياق مناقشة الأسباب المفضية إلى وضعيّة «يأس الجماهير» التي تستثمر فيها التيارات الأصولية في العالم العربي). كل هذا واضحٌ وبديهي، ومن المُحبِط حقاً والمريب، أن تغيب هذه البديهيات من حسابات الحكام الجدد، رغم تمتعهم بمنظور السلطة.
على مدار الأيام لطالما كنتُ أُدرِكُ وأُذكِّرُ نفسي أن هذه الطرطوس ما عادت موجودة، كأنما ابتلعها ليلها البحري ما قبل الكورنيش الجديد، وانطويا معاً في قرارة ذاكرة مفردة وخيال مُرهَق. ولكنني أعترفُ أنني -رغم ما كنتُ ألمّ به من الأحاديث مع الأهل والأصدقاء، عن الأحوال المزرية في السنوات الأخيرة- قد تفاجأت حقاً بمدى التعب الذي على وجه المدينة وفي كل تفاصيلها، حين عودتي إليها. فلا شيء من تلك الروح والحياة العادية المُكتنِزة رونقاً وعافيةً ووعداً، عاد موجوداً هناك..
وفي عودتي، لم يخاطبني شيءٌ قدْر تلك الجملة، التي باغتتني مكتوبةً بخط كبير على جدار مدرستي الابتدائية في شارع العريض، مُتكثِّفةً فيها تلك البساطة والمباشرة التي تُميّز كلامنا وأسلوب حياتنا في تلك الزاوية من العالم: «لا عشنا الطفولة ولا اتهنّينا بشبابنا»..
-