عدنان علي.. صحفي
العربي الجديد
يمثل إعلان قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، أمس الأول الثلاثاء، انتهاء مهمة “قسد” وحلّها بما هي قوة عسكرية مستقلة، نقطة تحوّل رئيسية في العلاقة بين هذه القوات والحكومة السورية. وجاء الإعلان بعد أشهر من المفاوضات والتنفيذ التدريجي لاتفاق 29 يناير/كانون الثاني الماضي، وفي وقت كانت فيه عملية دمج القوات والمؤسسات التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة قد قطعت أشواطاً مهمة. وأعلن عبدي أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام وبناء سورية الجديدة، مؤكداً استكمال دمج القوات ضمن ألوية الجيش السوري.
لكن الإعلان السياسي عن حل “قسد” لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيل الملف قد حُسمت. فالمسار الذي بدأ منذ اتفاقات 2025 واستؤنف بصورة أكثر جدية في مطلع 2026 لم يكن خلافاً على مبدأ الاندماج فقط، بل شمل طبيعة الاندماج، وسلسلة القيادة، ومستقبل الأجهزة الأمنية، والإدارة المحلية، والحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، إضافة إلى وضع بعض التشكيلات العسكرية، وفي مقدمتها “وحدات حماية المرأة”. ولذلك فإن السؤال الأساسي بعد إعلان الحل يتركز حول كيف سيُستكمل اندماج “قسد” وما حجم الاستثناءات التي ستُمنح، وهل يمكن أن تتحوّل الملفات المتبقية إلى عائق أمام الانتقال الكامل إلى بنية دولة موحدة؟
وقال عبدي عقب لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، مساء الثلاثاء، إن سورية دخلت “مرحلة جديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سورية الجديدة”، مشيراً إلى أن الإعلان عن حل “قسد” يأتي بعد الاتفاق مع الشرع واستكمال عمليات دمج قوات “قسد” ضمن ألوية الجيش السوري. وربط عبدي المرحلة المقبلة بالحفاظ على حقوق المكونات السورية، مركزاً بشكل خاص على حق التعليم باللغة الكردية. وقال إن التعليم باللغة الكردية يمثل “أحد أهم الحقوق التي سعى لها الشعب الكردي منذ عقود”، وأشار إلى أن الشرع أعلن في مناسبات عدة عن صون هذا الحق. وأضاف أن “قسد” التمست من الشرع موقفاً منفتحاً تجاه التعليم باللغة الأم وتطوير القرار الحالي مستقبلاً، وأكد أن العمل سيبدأ على تنفيذ القرار المتعلق بهذا الحق خلال العام الحالي، بهدف البناء عليه في المرحلة المقبلة.
ووصف المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، إعلان حل “قسد” ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، بأنه “حدث تاريخي”. وكتب عبر حسابه على منصة إكس: “حدث تاريخي بكل المقاييس. خطة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط مستمرة – شريك ثابت يتقدم نحو إطار وطني، وتتشكل سورية موحدة للجميع”. وتابع: “القيادة الرشيدة للرئيس الأميركي مهدت الطريق لاندماج قوات سوريا الديمقراطية بشكل منظم في مؤسسات الدولة السورية، محولة الانقسامات السابقة إلى شراكة راسخة، ومعيدة للشعب السوري فرصة المشاركة في رسم مستقبله المشترك”. كما اعتبر أن إدراج اللغة الكردية في التعليم “وتأمين أدوار فعالة لشريكينا العزيزين مظلوم عبدي وإلهام أحمد في الحكومة السورية، يظهر التقدير الواجب لقيادتهما، وتضحيات شركائنا الأكراد، ومساهمتهم البناءة في استقرار المنطقة، محولين انقسامات الأمس إلى هدف مشترك للغد”. وقال: “هذا هو الاندماج الحقيقي: لا حساب رابح أو خاسر، بل نظراء سابقين بوجهات نظر مختلفة يصوغون حلاً دبلوماسياً لتعزيز سيادة سورية. جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة”.
ورحّبت دولة قطر باندماج “قسد” بالمؤسسات العسكرية السورية، وجددت وزارة الخارجية في بيان أمس تأكيد دولة قطر أن استقرار سورية وازدهارها يتطلب احتكار الدولة للسلاح في جيش واحد يعبّر عن كافة المكونات السورية، بما يضمن الحفاظ على سيادة البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها، وأعربت في الوقت ذاته عن تقدير قطر لنهج سورية وسعيها الحثيث لجمع كافة أطياف الشعب تحت مظلة الدولة. كما أعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان لها عن ترحيب المملكة باندماج قوات “قسد” بالمؤسسات السورية؛ بما يحقق الأمن والاستقرار لسورية وشعبها.
من قوة مستقلة إلى الاندماج
وكان اتفاق 10 مارس/آب 2025 قد وضع الإطار الأول لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” في الدولة السورية، بما في ذلك المعابر وحقول النفط والغاز، مع ضمان الحقوق الدستورية للأكراد وعودة النازحين. غير أن الاتفاق حدد المبادئ العامة من دون أن يحسم الآليات التفصيلية، خصوصاً طريقة دمج القوات وسلسلة القيادة ومستقبل مؤسسات الإدارة الذاتية.
ومع تغيّر ميزان القوة مطلع العام 2026، ولا سيما بعد المواجهات التي أدت إلى خسارة “قسد” محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء من ريفي حلب والحسكة، أصبحت الحكومة السورية أكثر قدرة على فرض مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية والسيطرة على الموارد السيادية. في المقابل، احتفظت “قسد” بكتلة بشرية عسكرية وأمنية وخبرة تنظيمية وانتشار محلي، الأمر الذي جعل خيار الاستيعاب التدريجي أكثر ملاءمة من تفكيك القوة بصورة مفاجئة قد تؤدي إلى فراغ أمني أو مواجهة جديدة.
وجاء اتفاق 29 يناير 2026 ليشكّل الأساس التنفيذي لهذا المسار، إذ نصّ على وقف إطلاق النار والاندماج العسكري والإداري التدريجي، وتسليم الدولة ملفات سيادية بينها المعابر وحقول النفط والغاز والسجون والمخيمات المرتبطة بتنظيم داعش، إضافة إلى ضمان الحقوق المدنية والتعليمية للأكراد وعودة المهجرين، وإخراج العناصر غير السوريين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني من سورية.
ومنذ ذلك الوقت، تركز التنفيذ في ثلاثة مسارات: عسكري، وأمني، ومدني. وكان التقدّم في المسارين العسكري والأمني أوضح من الدمج الإداري والمدني. فقد جرى تسجيل عناصر “قسد” وتدريب دفعات منهم، وإدخال بعض القيادات إلى المؤسسة العسكرية، كما انتشرت وزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي، وبدأ نقل وظائف “الأسايش” (قوى الأمن الداخلي التابعة لقسد) تدريجيا إلى الوزارة. وفي الجانب المدني، توسع الدمج ليشمل قطاعات التعليم والصحة والكهرباء والزراعة والتجارة والثقافة والبريد وغيرها، مع استمرار العمل على دمج بعض المؤسسات المدنية.
أبرز الملفات العالقة بعد حل “قسد”
أول الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة هو سلسلة القيادة العسكرية والأمنية. فالمعيار الحقيقي للاندماج ليس مجرد تسجيل مقاتلي “قسد” في سجلات وزارة الدفاع أو إلحاقهم بألوية تابعة للجيش، بل انتقال سلطة إصدار الأوامر والقرار والتمويل والتدريب والتسليح إلى المؤسسة المركزية. وأشار تقرير صدر عن مركز جسور في 20 أغسطس/آب الحالي إلى أن بقاء بعض العناصر في مناطق انتشارهم السابقة يجعل تبعيتهم العملية وسلسلة تلقيهم للأوامر أكثر أهمية من عملية التسجيل نفسها.
أما الملف الأكثر حساسية في المرحلة الحالية فهو “وحدات حماية المرأة”، إذ ظل شكل اندماجها موضع تفاوض، في ظل رغبة “قسد” في الحفاظ على خصوصية هذه التشكيلات، مقابل تمسك الحكومة السورية بمبدأ سلسلة قيادة واحدة. وطرحت الوحدات مقترحاً للانضمام إلى وزارة الداخلية بوصفها قوة مستقلة متخصصة في مكافحة الإرهاب، لكن المقترح بقي قيد النقاش من دون قرار رسمي.
وهنا تكمن حساسية المسألة، فقبول قوة مستقلة داخل مؤسسات الدولة قد يُنظر إليه باعتباره اندماجاً شكلياً أكثر منه إنهاءً للبنية الفصائلية. كما أن منح استثناء لوحدة معينة يمكن أن يشجع تشكيلات أخرى على المطالبة بالاحتفاظ بقياداتها وهياكلها الخاصة. لذلك يبدو أن الحكومة ستسعى إلى استيعاب العناصر مع إنهاء استقلالية القرار العسكري والأمني. ووفق التسريبات أمس الأربعاء، فقد جرى التوافق على انضمام “وحدات حماية المرأة” إلى وزارة الداخلية، ضمن جهاز للأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب.
الملف الثاني هو الإدارة المحلية والصلاحيات. فالمفاوضات لم تعد تدور حول وجود مؤسسات الإدارة الذاتية من عدمه فقط، بل حول كيفية إعادة تنظيم الإدارة المحلية وتوزيع الصلاحيات والكوادر. وبدأت دمشق بالفعل بتعيين مديري مناطق ونواحٍ في الحسكة، وتشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لمجلس المحافظة، مع استيعاب بعض الشخصيات التي سبق أن عملت في مؤسسات الإدارة الذاتية.
ويأتي الملف الكردي السياسي والثقافي في مقدمة القضايا التي ستظل حاضرة بعد حل “قسد”. فقد أشار عبدي إلى حق التعليم باللغة الكردية، وقال إن العمل على تنفيذ هذا الحق سيبدأ خلال العام الحالي. كما تتضمن المعلومات المتداولة ترتيبات بشأن ترجمة عدد من مواد المنهاج إلى الكردية. وفي المقابل، تبقى قضايا أوسع مثل التمثيل السياسي للأكراد، وحضورهم في الدستور، والمناصب السيادية، من الملفات التي تحتاج إلى تسويات سياسية.
وتشير تسريبات أخرى إلى مطالب أكثر اتساعاً، بينها إعداد منهاج كامل باللغة الكردية، وتخصيص جزء من عائدات النفط للمناطق الكردية، ومنح مناصب رفيعة لمظلوم عبدي وإلهام أحمد، وإنشاء حزب سياسي، والإسراع في تثبيت الحقوق الكردية دستورياً. غير أن الملف نفسه يوضح أن بعض هذه المعلومات لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من الحكومة أو “الإدارة الذاتية”، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تسريبات أو مطالب متداولة وليست اتفاقات نهائية.
هل يمكن أن تعرقل هذه الملفات المسار؟
تبدو الإجابة الأقرب، وفق المعطيات المتاحة، أن الخلافات المتبقية قد تبطئ الاندماج لكنها، في الظروف الحالية، لن تسقط المسار بأكمله. ويعزز ذلك أن الإعلان عن حل “قسد” جاء بعد تقدّم فعلي في دمج القوات والأجهزة والمؤسسات، وليس بوصفه خطوة منفصلة عن مسار تنفيذي سابق. ويرى المحلل السياسي الكردي عبد الحليم سليمان، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن حل القوة المستقلة يمثّل بداية لمسار سياسي جديد، مع بقاء قضايا الإدارة المحلية وعودة المهجرين والوضع المعيشي في الحسكة والحقوق السياسية والثقافية.
أما المحلل محمد الخلف، فيعتبر في حديث لـ”العربي الجديد” الإعلان منعطفاً مهماً، ويرى أن القضايا مثل التعليم بالكردية وحصة المناطق من عائدات النفط يمكن أن تستمر مجالاتِ تفاوض، لكنه يرجح تجاوزها ما دامت القناعة راسخة لدى الجزء الأهم من قيادة “قسد” بأن المسار الجديد لا رجعة عنه.
في المقابل، يحذر الصحافي جان علي، في حديث لـ”العربي الجديد”، من أن انتهاء البنية العسكرية المستقلة لا يعني اكتمال الاتفاق، لأن توحيد المؤسسات والإدارة المحلية وتوزيع الصلاحيات والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية واللغوية يحتاجان إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية.
وإزاء المعطيات المتوفرة، فإن حل “قسد” يمثّل تحوّلاً استراتيجياً أكثر منه خاتمة للملف الكردي أو نهاية فورية لكل الخلافات بين دمشق والقوى الكردية. فقد انتقل التفاوض من سؤال وجود قوة عسكرية وإدارية موازية للدولة إلى سؤال كيفية إعادة توزيع السلطة والاختصاصات والحقوق داخل الدولة السورية.
وتكمن المخاطر الرئيسية في احتمال بقاء ازدواجية القرار الأمني، أو منح تشكيلات عسكرية استثناءات دائمة، أو تعثر دمج المؤسسات المدنية، أو تحوّل الخلاف حول الحقوق الثقافية والسياسية إلى مواجهة جديدة. لكن في المقابل، فإنّ تغيّر ميزان القوة، وتراجع الحاجة إلى بنية عسكرية مستقلة، وتقدّم عملية الدمج، كلها عوامل تجعل احتمال التباطؤ أكبر من احتمال الانهيار.
وعليه، فإن نجاح المسار سيتوقف على قدرة الطرفين على الفصل بين إنهاء “قسد” بما هي تنظيم عسكري وإداري مستقل وبين معالجة الحقوق والمطالب الكردية عبر المؤسسات والدستور والقانون. فإذا نجحت دمشق في استيعاب الكتلة البشرية والمؤسساتية لـ”قسد” مع ضمان حقوق الأكراد، ونجحت القيادة الكردية في تحويل مطالبها من أدوات نفوذ عسكرية إلى مطالب سياسية ومؤسسية، فإن إعلان الحل قد يكون بالفعل بداية لمرحلة جديدة. أما إذا بقيت تشكيلات مستقلة تحت مسميات جديدة، أو استمرت سلطة القرار الأمني خارج المؤسسات المركزية، فإن الاندماج سيظل شكليا، وقد تتحول الخلافات الحالية إلى مصدر توتر مستمر. وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون إعلان حل “قسد”، بل انتقال القرار الفعلي إلى مؤسسات الدولة مع الحفاظ على الحقوق السياسية والثقافية للأكراد. وهذا هو العامل الذي سيحدد ما إذا كان الإعلان نقطة نهاية لمرحلة الانقسام أم مجرد بداية لجولة جديدة من التفاوض.