بغداد / تميم الحسن… جريدة المدى
بسرعة قياسية، تجاوزت “حملة الفجر” التي أطلقتها السلطات في بغداد سقفها المعلن كمجرد ملاحقة قضائية لنواب ومسؤولين متورطين في ملفات الفساد. منذ الطلقة الأولى للعملية، كان ثمة سؤال يتردد في الصالونات السياسية: هل نحن أمام ضربة موضعية، أم تمهيد لمعركة كبرى ومؤجلة لكسر هيبة “السلاح المنفلت”؟
ثلاثة أيام مضت على انطلاق الحملة، وما يزال الغموض سيد الموقف. بورصة الأرقام الرسمية للمطلوبين والموقوفين تخضع لتعديلات مستمرة، بينما تتجه الأنظار إلى “الأسماء الغائبة” عن القوائم.
لم يسقط حتى الآن أي رأس بارز من قيادات الفصائل المسلحة في شباك التوقيفات، على الرغم من وجود خيوط سياسية وأمنية تربط بعض المتهمين بتلك الجماعات، وهي خيوط لم تترجم بعد إلى استهداف مباشر لـ”مراكز القيادة والسيطرة” لتلك الفصائل.
إلا أن القراءة المستفيضة لحركة رئيس الوزراء علي الزيدي تشير إلى أنه يقف خلف خطوط فرصة مهمة قد لا تتكرر، لتفكيك نفوذ المنظومة المسلحة عبر حملة “مكافحة الفساد” وبدعم أميركي.
لذلك، لا يتردد الكثيرون في وصف هذه المهمة بالمعركة الوجودية والمصيرية للرجل، حيث لا خيار ثالثاً فيها: «إما الانتصار.. أو الانتحار السياسي».
أيلول.. الشهر الحاسم
هذا الانطباع تعزز بعد إعلان الحكومة، الاثنين الماضي، منح الفصائل المسلحة مهلة تنتهي في 30 أيلول المقبل لتسليم أسلحتها إلى الدولة، وهو الموعد نفسه الذي يفترض أن يشهد انتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، بما ينهي الذريعة التي طالما تمسكت بها بعض الفصائل لتبرير استمرار احتفاظها بالسلاح.
ويرى السياسي المستقل مثال الآلوسي أن اختيار الحكومة نهاية أيلول موعداً نهائياً لتسليم السلاح لم يكن قراراً متسرعاً كما يعتقد البعض، بل يعكس، بحسب وصفه، “حسابات سياسية دقيقة”.
ويقول الآلوسي لـ(المدى) إن تحديد مهلة قصيرة بدلاً من تمديدها إلى نهاية العام يحمل أكثر من رسالة في آن واحد؛ فهي موجهة إلى الرأي العام العراقي، وإلى القوى السياسية والفصائل المسلحة، كما أنها رسالة إلى إيران والدول التي ما زالت توفر غطاءً أو دعماً لحملة السلاح خارج مؤسسات الدولة.
ويعتقد أن الحكومة أرادت، من خلال هذا الإعلان، تثبيت التزامها أمام الولايات المتحدة، وخلق مناخ يمنح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤشرات على أن دعمها للحكومة العراقية قد يفضي إلى نتائج ملموسة، مضيفاً أن بغداد “تشتري الوقت والدعم الأميركي” حتى حلول أيلول، حيث تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي.
ويؤكد الآلوسي أن معظم الفصائل المسلحة ترتبط، بصورة أو بأخرى، بأحزاب سياسية وبالحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يجعل مهلة أيلول مفترق طرق. فإذا امتنعت تلك الفصائل عن تسليم أسلحتها، فإن الحكومة، برأيه، لن تكون مضطرة إلى البدء بالمواجهة العسكرية، بل ستلجأ إلى السلاح الأكثر تأثيراً، وهو ملفات الفساد.
ويقول إن غالبية هذه الجماعات متورطة، بحسب تقديره، في ملفات فساد مالي وإداري وقانوني، وإن رفضها الانصياع لقرارات الدولة سيمنح رئيس الوزراء فرصة لتحريك تلك الملفات، لتتحول المواجهة من نزاع سياسي إلى معركة قانونية وقضائية، تضع قادة الفصائل أمام “فضيحة وطنية وسياسية” يصعب احتواؤها.
ويضيف أن رئيس الوزراء يخوض، في الواقع، معركة وجود، لأن نجاحه في فرض قرار الدولة سيعني تثبيت سلطته، بينما سيؤدي الفشل إلى انهيار مشروع حكومته، ولذلك فإن الزيدي يقف، بحسب تعبيره، أمام خيارين لا ثالث لهما: “إما أن ينتصر.. أو ينتحر سياسياً”.
وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، في مؤتمره الصحفي الأسبوعي، إن جميع الجماعات المسلحة أُبلغت بموعد نهائي لإنهاء هذا الملف، مؤكداً أن 30 أيلول يمثل نقطة فاصلة، لأن وجود التحالف الدولي سينتهي في ذلك التاريخ، مضيفاً أن أي سلاح يبقى خارج إطار الدولة بعد هذا الموعد سيخضع للإجراءات القانونية.
وفي رسالة مماثلة، جدد رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال استقباله سفراء دول الاتحاد الأوروبي، تأكيده أن حصر السلاح بيد الدولة “ليس مجرد شعار”، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت بالفعل بتنفيذ هذه السياسة، وأنها ستواصلها بالتزامن مع الانسحاب الكامل لقوات التحالف.
رسائل إلى طهران وواشنطن
ويربط الآلوسي توقيت المهلة بالتطورات الإقليمية، معتبراً أن إيران تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، سواء في مفاوضاتها مع واشنطن أو بسبب أزماتها الاقتصادية والسياسية الداخلية، في وقت يتعرض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضغوط داخلية تتعلق بالتضخم وارتفاع الأسعار.
ويقول إن أي تمرد من الفصائل المعلنة ولاءها للمرشد الإيراني على قرار الحكومة العراقية سيُفسَّر باعتباره مواجهة مباشرة مع الإرادة الأميركية في العراق، الأمر الذي قد يدفع الولايات المتحدة، ومعها قوى إقليمية ودولية، إلى تقديم دعم أوسع لبغداد.
وبحسب الآلوسي، فإن قرار تحديد أيلول موعداً نهائياً لنزع السلاح لا يستهدف الداخل العراقي فقط، بل يمثل أيضاً ضربة سياسية لما يسميه “محور المقاومة”، ورسالة بأن العراق يتجه إلى إعادة احتكار الدولة لقرار القوة، وهو مسار سيحظى، برأيه، بإسناد أميركي وإقليمي قد يمتد إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وربما الأمنية إذا اقتضت الظروف.
ويكتسب الموعد الموضوع لنزع السلاح أهمية إضافية لأنه يسبق زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن في منتصف تموز، وهي أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه الشهر الماضي، وسط ضغوط أميركية متزايدة لتنفيذ تعهده بحصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما سلاح الفصائل التي تصنفها واشنطن “تنظيمات إرهابية”.
الفساد.. بوابة الوصول إلى الفصائل
ويكشف الآلوسي عن معلومات قال إنها تشير إلى صدور أوامر قبض بحق شخصية معروفة بانتمائها إلى إحدى الفصائل المسلحة – لم يسمها – معروفة بخطابها المؤيد لإيران وبمواقفها العدائية تجاه الولايات المتحدة وإقليم كردستان، إلا أن تلك الشخصية تمكنت من الفرار قبل تنفيذ أمر الاعتقال.
ويرى أن مجرد إدراج هذا الاسم ضمن قوائم المطلوبين يحمل رسالة مباشرة إلى قادة الفصائل بأن ملفات الفساد لن تتوقف عند السياسيين أو الموظفين، بل قد تصل إلى قيادات الجماعات المسلحة نفسها.
ويعتبر أن هروب المطلوب يكشف، في المقابل، عن وجود تسريب سبق تنفيذ الحملة، لكنه لا يقلل من أهمية الرسالة التي أرادت الحكومة إيصالها، ومفادها أن استخدام ملفات الفساد قد يكون المدخل لمواجهة الميليشيات بعيداً عن الصدام العسكري المباشر.
ورغم اتساع حملة الاعتقالات، فإن سؤالاً ظل يتردد في الأوساط السياسية: لماذا لم تصل الإجراءات، حتى الآن، إلى شخصيات بارزة ترتبط مباشرة بالفصائل المسلحة؟
وترى الأوساط السياسية أن ما جرى حتى الآن قد لا يكون سوى المرحلة الأولى، وأن الجرأة التي أظهرتها الحكومة في فتح ملفات الفساد ضد شخصيات نافذة قد تعكس استعداداً لخوض مواجهة مشابهة مع الفصائل التي أعلنت رفضها تسليم السلاح، خصوصاً أن رئيس الوزراء يؤكد باستمرار أن جميع القوى ستخضع لمشروع الدولة دون استثناء، وهو تعهد تشير التسريبات إلى أنه قدم أيضاً خلال الاتصالات مع الجانب الأميركي.
التأييد الشعبي.. وتحذير أميركي
ويقول الآلوسي، وهو مؤسس حزب الأمة، إن المؤشرات الأولية تتحدث عن ترحيب أميركي وغربي وعربي بإقدام الحكومة على فتح ملفات الفساد وتحريك القضاء وهيئة النزاهة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بتحقيق نتائج أكبر، وفي مقدمتها الانتقال من ملاحقة الفاسدين إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة.
ويضيف أن مكافحة الفساد تمثل، في هذه المرحلة، “السلاح الأكثر فاعلية” لتفكيك القوى التي عطلت بناء الدولة العراقية، معتبراً أن نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة بناء النظام السياسي، لكنه يحذر، في المقابل، من قدرة القوى الإسلامية المسلحة على المناورة والالتفاف على القانون، مستفيدين من خبرتهم الطويلة في إدارة الصراع السياسي.
وفي المقابل، ينقل الآلوسي عن شخصيات أميركية التقاها في واشنطن وجود شكوك داخل بعض الدوائر الأميركية حيال ما إذا كانت الإجراءات الحالية تمثل تحولاً حقيقياً، أم أنها مجرد خطوات تكتيكية هدفها إنجاح زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن، قبل أن يتراجع الزخم بعد انتهائها.
ويختم الآلوسي بتحذير واضح، مفاده أن أي رفض من الفصائل لتسليم السلاح سيمنح مبرراً لاستمرار الوجود العسكري الدولي، وربما لتدخلات خارجية أوسع، مؤكداً أن نجاح الحكومة في إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت سيجنب العراق هذا السيناريو، أما الإصرار على تحدي الدولة فسيضع الفصائل في مواجهة ضغوط عراقية وإقليمية ودولية متصاعدة.
تآكل الذريعة
من جهته، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، أن ملف حصر السلاح دخل مرحلة مختلفة مع اقتراب تنفيذ اتفاقات إعادة انتشار قوات التحالف الدولي، وانتهاء وجودها في عدد من القواعد العسكرية، وهو ما يعني، برأيه، سقوط المبرر الذي استندت إليه الفصائل لسنوات تحت عنوان “مقاومة الاحتلال الأميركي”.
ويقول فيصل لـ(المدى) إن خروج قوات التحالف من قواعد مثل عين الأسد والحرير يضع الفصائل أمام استحقاق سياسي وأمني جديد، عنوانه الانتقال من منطق “المقاومة” إلى منطق الدولة، معتبراً أن استمرار وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية بعد ذلك التاريخ سيكون فاقداً لأي غطاء سياسي أو قانوني.
ويضيف أن واشنطن تنظر إلى هذا الملف بوصفه الاختبار الأكثر حساسية للحكومة العراقية، إذ تربط توسيع التعاون مع بغداد بقدرتها على إنهاء ازدواجية السلاح، وتقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، وإبعاد الشخصيات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة عن مواقع القرار داخل الدولة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب فيصل، على العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي لعبته بعض الفصائل خلال السنوات الماضية، إذ لم تعد متهمة باستهداف القوات الأميركية فقط، وإنما ارتبط اسمها أيضاً بالاعتداء على مؤسسات الدولة العراقية، واستهداف السفارة الأميركية، وتهديد مصالح دول الجوار، وهو ما جعل استمرارها خارج إطار الدولة يمثل تهديداً مباشراً للسيادة العراقية.
المتغيرات الإقليمية
ويعتقد فيصل أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها طهران، قد تدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة النظر في طبيعة علاقتها بالفصائل العراقية، والتخلي تدريجياً عن نموذج “القيادة والسيطرة” الذي أداره فيلق القدس لسنوات.
ويشير إلى أن تراجع قدرة إيران على توفير الدعم العسكري والمالي واللوجستي لتلك الجماعات سيؤدي، بصورة تلقائية، إلى إضعاف نفوذها داخل العراق، ويفتح الباب أمام انتقال العلاقة بين بغداد وطهران إلى الأطر الدبلوماسية التقليدية، بعيداً عن إدارة النفوذ عبر الفصائل المسلحة.
ويرى أن نجاح الحكومة في الجمع بين مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة سيمثل نقطة تحول في مسار إعادة بناء الدولة العراقية، لأنه ينهي عملياً ظاهرة “الدولة داخل الدولة”، ويعيد احتكار قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية.