تتلبد أجواء المنطقة بمؤشرات التصعيد الأوسع. تبدو الولايات المتحدة كأنها تعمل على تشكيل تحالف دولي ضد إيران. في المقابل، هي لا تزال تتحدث عن فرصة للمفاوضات والوصول إلى حلّ، وسط مساعٍ كثيرة تبذلها أطراف عديدة بينها تركيا ودول خليجية. عملياً، تسعى واشنطن إلى تحقيق النتائج التي تريدها إما بالحرب وإمّا بالتفاوض والوصول إلى اتفاق. على المقلب الإيراني، يبرز الخلاف أكثر فأكثر بين المسؤولين الإيرانيين ولا سيما بين الفريق الذي يؤيد مواصلة المفاوضات والمتمثل برئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، في مواجهة الحرس الثوري الإيراني الرافض للمفاوضات قبل فك الحصار، ووقف العمليات العسكرية وإعطاء ضمانات بعدم تنفيذ أميركا لأي ضربة، وإغلاق الممر الذي عملت واشنطن على فتحه وتأمينه في مضيق هرمز. ما يجري في إيران، له ما يشببه في لبنان بين من يؤيد المفاوضات والوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، ومن يرفضها ويتمسك بربط المسار اللبناني بالمسار الإيراني.
تباين في طهران
في إيران يظهر التباين واضحاً. فقاليباف يقول إن الديبلوماسية والمفاوضات هي لحماية إيران، ومنع العدو من تحقيق أهدافه، وأن أهدافه تتمثل بإسقاط النظام أو تقسيم إيران، وأنه إلى جانب التفاوض لا بد من الاستعداد للحرب لأن إيران في حرب وجودية مع أميركا، أما الحرس الثوري الإيراني فيعتبر أن لا مجال للحفاظ على النظام والوضع القائم إلا من خلال الاستمرار بحالة الحرب، لأن توقفها سيفتح المجالات أمام المزيد من الصراعات الداخلية والأسئلة السياسية والاقتصادية.
الدولة والحزب
في لبنان لا تزال الدولة اللبنانية تسعى إلى تثبيت فكرة فصل المسارات عن إيران، ومحاولة دفع حزب الله إلى عدم الانخراط بأي حرب جديدة. هناك من يعتبر أن الحزب بلغ مرحلة متقدمة من الضعف ولن يتمكن من إسقاط اتفاق الإطار، فيما العنصر الذي قد يساهم بإسقاط الاتفاق هو اتساع رقعة الحرب في المنطقة، ودخول الحزب على خطها مجدداً. أما إسرائيل فهي تريد البناء على الاتفاق مع لبنان الرسمي للتحرك ضد حزب الله. وهذا ما يعني أن مقومات الحرب لا تزال قائمة ومطروحة.
الجميع يستعد
الجميع يترك المجال للديبلوماسية وما يمكن أن تحققه، لكنه في الوقت نفسه يتجهز للحرب، وهذه إن حصلت ستكون أشمل وأوسع، وقد تتداخل فيها ساحات كثيرة، لا تقتصر على إيران ولبنان، بل إن العراق مرشح للانضمام خصوصاً كردة فعل إيرانية على كل الخطوات التي يتخذها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، ولا سيما بعد زيارته للولايات المتحدة الأميركية. أما اليمن فلن يكون بعيداً من ذلك، إذ لوح المرشد الإيراني في رسالته السابقة بأن جهات عديدة ستثأر للإمام الخامنئي، وكما عملت إيران على إغلاق مضيق هرمز، سيقدم الحوثيون على إغلاق مضيق باب المندب، أما الدول الأخرى فتعمل على البحث عن ممرات جديدة للاستغناء عن المضيقين ليبدو ذلك كأنه تحضير للحرب الكبرى.
حشد تحالف
هناك سعي أميركي لحشد تحالف عربي ودولي لتطويق إيران. ففي الحرب الأولى لم يكن الخليج كله ضد الممارسات الإيرانية، لكن الاعتداءات التي مارستها إيران على دول الخليج غيرت من الموقف، وسط إصرار من قبل ترامب لتشكيل هذا التحالف. تبدو الحرب بالنسبة إلى الإيرانيين كأنها الحرب الأخيرة، وهذا يعني توسيع نطاق الحرب إلى الحد الأقصى.
ترامب والإيرانيون
في لحظة من اللحظات كان ترامب يريد الوصول إلى اتفاق وينهي الحرب كلياً، لكن إيران التي اعتبرت أنها انتصرت، رفضت تقديم أي تنازل، واعتبرت أنها تمتلك كل المقومات للسيطرة على ممرات النفط من خلال فرض السيطرة على مضيق هرمز، وعاد بعض المسؤولين الإيرانيين لاستخدام عبارات كان يستخدمها الشاه، بتقديم إيران نفسها كشرطي الخليج. من هنا أراد الإيرانيون المضي بسياستهم لمراكمة هذه الأرباح، وهو ما سد الطريق أمام أي اتفاق مع أميركا، خصوصاً أن المسألة لم تعد مرتبطة بالملف النووي، بل بالسيطرة على مضيق هرمز وكيفية إدارته وفرض رسوم على عبوره، وذهبت طهران إلى مدىً أبعد في طرح نفسها كقوة مسيطرة على الخليج وتريد من العالم ودول الخليج الاعتراف بذلك، وهذا ما يمنحها ورقة قوة أكبر في تهديد أي دولة خليجية.
دول الخليج
هذا أمر لا يمكن لدول الخليج أن تقبل به، خصوصاً في ظل استشعار محاولات إيرانية لمواصلة الضربات ضدها، أو لتطويقها من خلال التحكم بمضيق هرمز ومضيق باب المندب، وقد تكون الحوادث التي شهدها اليمن في الأيام الماضية مؤشراً على ما سيكون الوضع عليه في الأيام المقبلة. خصوصاً أن بعض المعلومات تشير إلى استمرار المحاولات الأميركية لإقناع دول الخليج ودول أوروبية أخرى بضرورة الانخراط في أي مواجهة مع إيران تحت عنوان “حماية أمن الملاحة العالمي”.
بالنسبة إلى الأميركيين، ودول الخليج أيضاً، فإن النتائج التي يريد الإيرانيون تحقيقها لا تبدو ممكنة، إذ ما يطرحونه هو الحصول على كل ما يريدونه، وهذا يدفع الأميركيين إلى معادلة من اثنتين، إما الموافقة على التنازل الكامل، وإما الرفض الكامل والعمل بما يكرس قواعد هذا الرفض. هنا تتحول هذه الحرب إلى مسار لتحديد مصير النفوذ الأميركي في المنطقة للسنوات المقبلة.
حرب جديدة
على هذا الأساس، لا يمكن توقع حصول الاتفاق قريباً، والترجيحات تميل إلى تجدد الحرب. حرب يتحضر لها الجميع، في إسرائيل، وفي إيران كما في الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة. تركيا لم تعد بعيدة عن ذلك، وهي التي لا تريد الحرب بين أميركا وإيران، وتسعى إلى مواجهة إسرائيل أو التصدي لها، فهدفها احتواء طهران ونفوذها في المنطقة، ووراثته في العراق، سوريا ولبنان، إضافة إلى الوصول إلى فلسطين، وفي هذا السياق يأتي كلام أردوغان عن أطفال غزة والضفة الغربية الذين يراقبون وينتظرون. يركز أردوغان على احتواء نفوذ إيران، والعمل على تعزيز العلاقات مع دول الخليج ومصر، لصد إسرائيل، ويرتكز على التحالف مع أميركا لأجل توسيع نفوذه في إطار التصارع والتنافس المستمر بين المشاريع.
سيناريو إسرائيلي
في موازاة ذلك، قد يكون هناك سيناريو إسرائيلي متخّيل، أو طموح يدفع إليه الجموح، وهو أن تنخرط المنطقة كلها في هذه الحرب، كمثل دخول سوريا في حرب ضد حزب الله، وتجديد الحرب الأميركية على إيران التي تنخرط بها دول الخليج إلى جانب الانخراط في حرب اليمن، على أن تتولى تركيا حماية سوريا من تداعيات أي رد عراقي على أي انخراط لدمشق ضد الحزب، وإشغال تركيا بتوتر جديد على حدودها، من دون إغفال أي مشاغلة عبر بعض القوات الكردية. وربما يمتد الطموح الإسرائيلي أو السيناريو المتخيل لديهم إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو اندلاع حرب بين باكستان وأفغانستان. هنا تعتبر إسرائيل نفسها أكثر الأطراف المستفيدة بضرب هذه الدول ببعضها بعضاً، واستنزافها وإضعافها، فتعود هي إلى تحقيق مشروعها.