
ستيفن سبيلبرغ العائد في “يوم الكشف” (ملف الفيلم)
ملخص
يستحوذ على فيلم “يوم الكشف” للمخرج الأميركي الشهير ستيفن سبيلبرغ، الذي بدأت عروضه في أميركا وحول العالم الشهر الماضي، شعور بوشوك الكارثة، أو الخلاص، وهنا لا فارق كبيراً بينهما.
كان يفترض أن يحقق فيلم ستيفن سبيلبرغ “يوم الكشف”، إلى جانب الإيرادات المرتفعة في شباك التذاكر العالمي (سبيلبرغ أحد أكثر صناع السينما الأميركيين تحقيقاً للإيرادات في تاريخ هوليوود)، التفاتاً واشتباكاً نقدياً مع رسالته وأفكاره وتتخذ هنا طابعاً تنبئياً. غير أن أفلاماً أخرى سبقته في النجاح التجاري من ناحية، وفي جاذبية الأسلوب السينمائي من ناحية ثانية، أفلاماً لمخرجين شباب مثل “أوبسشن” أو “باكرومز” في فئة أفلام الرعب، ثم أخيراً طبعاً ملحمة كريستوفر نولان “الأوديسة”
في “يوم الكشف”، وهو من سيناريو مشترك بين ديفيد كويب وسبيلبرغ صاحب القصة، يبدو المخرج أشبه بشاعر، يريد أن يقول شيئاً عن عالمنا، وعنا، عما بدأنا منه، وما انتهينا إليه. غير أنه ينجح تارة وتخونه الصورة تارة أخرى. يكتنف الفيلم شيء من التنافر في أجزائه، كما تتباين جودة أسلوبه الفني. هناك لحظات سينمائية تكاد تبلغ ذروة ما في التعبير الفني والشعري تدفعنا ربما إلى الامتنان لفن السينما، غير أن مشاهد تعقبها تتسم بالضعف ينفذها سبيلبرغ بأسلوب سينمائي فات أوانه يعود إلى سينما التسعينيات أكثر منه إلى اليوم.
في مشهد تصر بطلة الفيلم المذيعة مارغريت فيرتشايلد (تؤديها إيميلي بلانت) على تدمير هاتفها الجوال من نوع آيفون كي لا يتبعها فريق الأشرار، بناءً على نصيحة من مدير فريق الأخيار (حبكة الفيلم فيها من هذا الاستقطاب الشديد، أو حتى السذاجة). ويستعمل بطل الفيلم دكتور دانييل كيلنر (جوش أوكنر) هواتف خلوية ذات استعمال واحد للسبب نفسه، منع التتبع. وكأن سبيلبرغ يدعونا بصورة ما، للعودة إلى عصر ما قبل الهواتف الذكية، وهو بالضبط العصر الذي حقق خلاله نجاحاته الفنية الساحقة.
مقدمة عن عالمنا
يبدأ الفيلم في حلبة الملاكمة، حيث يسدد مصارع ضخم مفتول العضلات، عدة لكمات انتقامية إلى الكاميرا، وكأننا نعاقب على شيء ارتكبناه إنما نجهله، وحان الوقت لدفع ثمنه، بينما يندفع جمهور متحمس للتشجيع على كل هذا العنف. هذا المفتتح الذي يورط المتفرجين في الحكاية، ويجذب الاهتمام، يرتبط بما يود سبيلبرغ تنبيهنا إليه من قساوة هذا العالم وغلظته. إنه عالم يرفضه بطل الفيلم الأول دانييل كيلنر، لكنه مرغم على عبوره، لأن عصابة نوح سكانلون (كولن فيرث) تجبره على حضور المباراة، كي تعيد إليه حبيبته جين (إيف هيوسن). نفهم أنهم يبتزونه كي يتخلى عن حيازته مجموعة من البيانات السرية، وهو الذي يعمل في الأمن السيبراني. ويصر نوح، وهو رئيس شركة معلوماتية اسمها “واردكس” على أن تسريب تلك البيانات من شأنه إحداث بلبلة شديدة في الرأي العام العالمي.
مع إخراج سبيلبرغ السريع في هذا السرد، من حركة كاميرا رشيقة وثابة، تستعرض المكان ومواقع الأشخاص من الصراع، وما يفترض أنه قصة حب بين دانييل وجين (في الواقع يفتقد الممثلان إلى نوع من كيمياء تجعلنا نصدق رابطتهما)، نشعر أننا قد خرجنا بالقليل من الفهم، وأننا بإزاء نوع من انعدام الوزن في القصة والحكي. سرعان ما ينتقل الفيلم إلى حياة مارغريت، إلى لطافتها وخفتها في حواراتها مع المذيعين من زملائها، ثم عودتها إلى بيتها وعلاقتها برفيقها جاكسون (ويات راسل).
ومارغريت أقرب إلى رحالة، لا تكاد تمكث في مدينة، حتى تعزم على الرحيل، لكن حادثة عابرة أثناء محادثتها مع جاكسون، تقلب حياتها رأساً على عقب، إذ يدخل عصفور كاردينال من شباك منزلها ويتوقف أمامها، ليأتي بهذه الزقزقة التي يحاور بها مارغريت المشدوهة. حين يرحل العصفور، تنطق مارغريت بلسان روسي، لا يعرف زوجها من أين تعلمته. ولاحقاً حين تصل القناة التي تذيع منها نشرة الأخبار في ولايتها كنساس، تتحدث مع المتخصص الكوري بلغة كورية سليمة، حتى يفاجأ المحيطون بها، بينما هي غير مدركة بعد المواهب التي منحها إياها العصفور. لا فقط في الحديث بلغات مختلفة، لكن أيضاً في النفاذ إلى نفوس الناس والتعاطف العميق مع آلامهم وهمومهم، وهذه واحدة من أعذب مناطق الفيلم.
في الواقع حضور مارغريت، لا سيما بأداء إيميلي بلانت القوي والمتوهج، يضيف إلينا كمشاهدين وإلى سيناريو الفيلم، نقطة ارتكاز، يفتقدها العمل الفني إجمالاً. وبينما تدور الأحداث على خلفية من حرب أميركا وكوريا (التي تماثل اليوم حرب أميركا وإيران)، تركز بؤرة السرد على مطاردة فريق نوح لدانييل، لكن الأخير لا يعمل وحيداً “وقد سرق بيانات كان يفترض به حمايتها”، بل لمصلحة مدير آخر هو هوغو ويكفيلد (كولمان دومينغ)، الذي يؤمن بسردية مضادة لنوح، مفادها أن من حق الناس المعرفة الكاملة، هكذا تتعاظم في أعيننا أهمية هذه البيانات قبل حتى أن نطلع عليها.
مخلصا هذا العالم
بينما تتدافع الأحداث إلى نقطة التأزم، يكشف لنا الفيلم تدريجاً عن سر الأسرار، الذي من شأنه أن يغير نظرتنا إلى العالم. غير أن تصاعد الترقب بهذه الصورة، لم يكن في صالح الفيلم. يزرع السيناريو الشك، عن أداء المؤسسات المعلوماتية الكبرى التي تعرف وتتحكم في المعرفة. ويرينا نوح، وهو أقرب إلى شيطان، يتمكن بطريقة أفلام رعب الاستحواذ، من التسلل إلى روح جين، بما أنها المتشككة الوحيدة، لا في الرب، لكن في خيرية الناس، ويعرف عبر هذا الاختراق من مكان دانييل، كي يسهل اصطياده.
في المقابل يتبع فريق هوغو “هيراركية” مريبة، ويقع دانييل ثم مارغريت من بعده أسيرين لخططه، ورؤاه حول العالم. ولئن كان نوح يتلاعب بهما لحرمان الناس مما ينبغي معرفته، فإن هوغو الذي يخضع بدوره لقرارات رئيس محجوب حتى اللحظة، يعرضهما لأخطار جمة، بل ويعيد إليهما بعضاً من صدمات الطفولة، كي يتعرفا إلى الحقيقة، والحقيقة هنا هي محض وجهة نظره. وكأن الشك الذي تمادى سبيلبرغ في إطعامنا إياه في البداية، قد أصابنا بالبارانويا في ما بعد، بحيث لم نستطع هضم العقيدة التي يريد تلقيننا إياها.
الإشكالية أن إتاحة المعرفة للجميع، بالشكل الذي كان يدعو إليه هوغو، ليست بريئة حقاً، بل تستهدف تدشين إيمان بديل، بكيان فوق إنساني، يتقدم مشحوناً بمعجزات تشبه معجزات السيد المسيح. كذلك يؤكد الحوار فرادة مارغريت ودانييل، واصطفائهما من هذا الكيان فوق الإنساني. إنهما مخلصا هذا العالم. وكأننا لا نستطيع التخلص من سلطة قديمة، إلا عبر استبدال سلطة أخرى بها، ليست بأقل استعلاءً.
تأثير فني ضعيف
في مشاهد استعادة اللقاء الأول مع هذه الكيانات الفوق – إنسانية، يلجأ سبيلبرغ ومعه مدير تصويره وشريك نجاحه كامينسكي، إلى تحقيق عالم شبه كارتوني، فيه الحيوانات محرومة من حيويتها وطبيعتها، على صورة اصطناعية كارتونية أقرب إلى أفلام الأطفال. في الأساس، لا يمكن القول إن هذا فيلم يحابي الطبيعة. إن عينه على الفضاء، كذلك فإن تلك الكيانات فوق البشرية يمكن تأويلها مرة في الأقل كتبشير بالذكاء الاصطناعي، الذي من شأنه أن يشيع المعرفة، ويزيح الإنسان من عرشه الخالد. غير أن سبيلبرغ، الذي يكفر بالإنسانية هنا قولاً واحداً، قد لا يرحب كثيراً بهذا التفسير، لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الإيمان الديني المسيحي الذي ينضح به تنبؤه.
من ناحية ثانية، بدا سر الأسرار هذا، حين كشف عنه سبيلبرغ مخيباً للآمال! إن الفيلم الذي يدفعنا إلى إدانة النشاط العلمي الخالي من الأخلاقيات، ومن التعاطف، النشاط العلمي الذكوري كما بشر به الفيلسوف فرنسيس بيكون في القرنين الـ16 والـ17. يقول لنا إن مأساة الإنسانية التي لتصيبنا بصداع مزمن في الضمير، هي التجرؤ على اختطاف هذه المخلوقات الأسمى “التي هي أقرب إلى الله منا”، من كواكبها لاستجوابها والإساءة إليها، كما يقول السيد هوغو في مواجهته مع نوح.
وكأن تعذيب البشر الذي مورس ولا يزال في بقاع مختلفة من العالم، على أيدي بشر مثلهم، يعتقدون أنهم أسمى وأعلم وأجدر بالبقاء. وكأن القنبلة الذرية والحروب التي تشعلها وتبررها أميركا بالذات، تحتل مكانة أدنى في وازع الضمير من فرضية سبيلبرغ الغريبة هذه: أن الإنسان قد تجرأ على تعذيب كائنات سمية، وتلك فضيحة ستقلب العالم حين تعرف على نطاق واسع.
إن هذا العناد من سبيلبرغ، أو ذلك الإصرار، أو التعامي، هو ما يجعل من الصعب التعامل مع “يوم الكشف” بصفته مجرد فيلم خيال علمي، لا ينبغي أخذه على محمل الجد. علاوة على أن الفيلم في نصف ساعته الأخيرة، يقطع مراحل إضافية في هذا التعنت أو التصلب، حين يعرفنا أخيراً بهذه الكائنات.
ولا يجتهد سبيلبرغ حتى بصرياً، للتعبير الفني عنها بصورة مغايرة لتصوراتنا عن الكائنات الفضائية، بل يقدم في تطويلات سينمائية أفلتت من مقص المونتاج، تمهيداً لكشف آخر، قد نستنتج أنه غزو كامل للأرض، أو انقلاب فضائي على سكان كوكبنا الحزين، من جماعة تعرف صالحنا أكثر منا على طريقة جميع الديكتاتوريات. وكأن “يوم الكشف” ليس سوى فيلم عن التلاعب، والتلاعب المضاد، والمؤامرة، والمؤامرة المضادة، وكأن تتبدد الحقيقة تماماً من حيث أراد سبيلبرغ أن يثبتها. وهذا مما يضعف للأسف من التأثير الفني لمخرج شاعر، كان أحد أكثر من علمنا أن نحلم بالسينما ومعها.