بدأ نفوذ الرئيس دونالد ترامب القويّ في الحزب الجمهوريّ وأسلوب إدارته للدولة يثيران قلق واشنطن أكثر فأكثر: هل يخطّط فعلاً لمغادرة الحياة السياسيّة بعد انتهاء ولايته الثانية أم نحن أمام بداية ما يشبه “الحقبة الترامبيّة” داخل الحزب الجمهوريّ، وربّما ولادة أوّل سلالة شعبويّة حديثة في السياسة الأميركيّة؟
عرفت أميركا عائلات سياسيّة نافذة من قبل. آل كينيدي صنعوا أسطورة ليبراليّة. آل بوش حكموا البيت الأبيض مرّتين ورسّخوا مدرسة كاملة في السياسة الخارجيّة. حتّى آل كلينتون حاولوا بناء ثنائيّة سياسيّة طويلة العمر. لكنّ تلك العائلات بقيت تعمل داخل الحزب. كان الحزب دائماً أكبر من العائلة.
ترامب قلَب المعادلة
بات جزء كبير من الحزب الجمهوريّ يتحرّك اليوم وكأنّه امتداد مباشر لترامب نفسه، لا لمبادئ الحزب التقليديّة. يسعى المرشّحون إلى مباركته قبل أن يعلنوا ترشّحهم. يخشى النوّاب تغريدة منه أكثر ممّا يخشون خصومهم الديمقراطيّين. يدور الإعلام المحافظ في فلكه. يفتح المتبرّعون الكبار دفاتر الشيكات لمن يرضى عنه. حتّى مواقف الحزب من التجارة، أوكرانيا، حلف الناتو، الهجرة، ودور أميركا العالميّ، لم تعُد تُصاغ وفق العقيدة الجمهوريّة الكلاسيكيّة، بل وفق مزاج ترامب السياسيّ.
هكذا تبدأ السلالات السياسيّة: حين تتوقّف المؤسّسات عن تشكيل الزعيم، ويبدأ الزعيم بإعادة تشكيل المؤسّسات على صورته.
أوضح دليل على ذلك هو أنّ تأييد ترامب لم يعُد دعماً انتخابيّاً عاديّاً فقط. في كثير من الولايات، بات أشبه بشهادة عبور إلزاميّة داخل الحزب الجمهوريّ.
كشفت الانتخابات التمهيديّة الأخيرة للنصفيّة عام 2026 حجم هذه السيطرة بوضوح لافت. في ولاية كنتاكي، خسر النائب الجمهوريّ توماس ماسي، الذي كان يُعتبر آمناً انتخابيّاً داخل دائرة محافظة جدّاً، بعدما قرّر ترامب استهدافه ودعم منافسه إد غالرين. لم تكن خطيئة ماسي الاعتدال، بل الاستقلاليّة. جرؤ على مخالفة ترامب في ملفّات تتعلّق بإيران، الإنفاق الحكوميّ، حتّى قضيّة ملفّات إبستين. في الحزب الجمهوريّ اليوم، باتت معارضة ترامب أخطر سياسيّاً من مخالفة العقيدة المحافظة نفسها.
تكرّر الأمر في لويزيانا، حيث فشل السيناتور بيل كاسيدي حتّى في الوصول إلى جولة الإعادة بعد أن لم يغفر له جمهور ترامب تصويته سابقاً لإدانة الرئيس خلال محاكمته الثانية بعد أحداث السادس من كانون الثاني. كانت الرسالة واضحة: الخروج عن الترامبيّة قد يكون انتحاراً سياسيّاً داخل الحزب الجمهوريّ.
هزّ ترامب المؤسّسة الجمهوريّة في تكساس عندما قرّر دعم المدّعي العامّ كين باكستون ضدّ السيناتور المخضرم جون كورنين، أحد أكثر الجمهوريّين نفوذاً وخبرة في واشنطن. فجأة، لم تعد الأقدميّة أو النفوذ داخل مؤسّسات الحزب كافية. أصبح المعيار أقرب إلى سؤال واحد: هل أنت مع ترامب بالكامل أم لا؟
لهذا بدأ كثير من الاستراتيجيّين الجمهوريّين لا يتحدّثون عن ترامب كزعيم حزب فقط، بل كـ”حارس بوّابة” يقرّر من يبقى داخل القبيلة الجمهوريّة ومن يُنفى منها.
ربّما الأخطر من النتائج الانتخابيّة نفسها هو التحوّل النفسيّ داخل الحزب. بات عدد كبير من الجمهوريّين يتصرّف وكأنّ الناخب الحقيقيّ في الانتخابات التمهيديّة ليس سكّان ولاياتهم بل دونالد ترامب شخصيّاً. من هنا تبدأ فكرة “السلالة”.
لأنّ السلطة حين تصبح مرتبطة بشخص أكثر ممّا هي مرتبطة بحزب أو مؤسّسة أو حتّى أيديولوجية، يصبح السؤال الطبيعيّ: ماذا سيحدث لهذه السلطة بعد خروجه من البيت الأبيض؟
هل تختفي أم تنتقل إلى داخل العائلة؟
قد تكون الانتخابات النصفيّة المقبلة الاختبار الأهمّ للإجابة عن هذا السؤال، فهي لا تتعلّق بمن يسيطر على الكونغرس فقط، بل هل تتحوّل الترامبيّة من ظاهرة مرتبطة بشخص إلى نظام سياسيّ متكامل داخل الحزب الجمهوريّ؟
إذا نجح مرشّحو ترامب في السيطرة على الانتخابات التمهيديّة مجدّداً، فإنّ نفوذه سيتجاوز حدود الرئاسة نفسها. سيكون هناك كونغرس كامل تقريباً يدين له بالولاء السياسيّ، لا للمؤسّسة الجمهوريّة التقليديّة. عندها، حتّى بعد خروجه من البيت الأبيض، قد يبقى مركز القرار الحقيقيّ للحزب في مارالاغو، أو على منصّة “تروث سوشيل”، أو في أيّ مهرجان انتخابيّ يقرّر ترامب تنظيمه. هنا تحديداً تصبح معركة 2028 مفصليّة.
لن يكون السباق الجمهوريّ الرئاسيّ المقبل منافسة لاختيار مرشّح جديد وحسب، بل استفتاء على سؤال أكبر: هل يستطيع أيّ جمهوريّ الفوز بترشيح الحزب من دون رضا ترامب؟
حتّى الآن، يبدو الجواب شبه مستحيل.
معظم الطامحين الجمهوريّين إلى الرئاسة لا يهاجمونه، بل يقلّدونه. يقلّدون لغته، نبرته، حروبه الثقافيّة، حتّى طريقته في مخاطبة الجمهور. يدرك الجميع أنّ تغريدة دعم واحدة من ترامب قد تفتح أبواب التمويل والإعلام المحافظ والناشطين الرقميّين، فيما هجوم واحد منه قد يقتل أيّ حملة قبل أن تبدأ.
هويّة متكاملة
المفارقة اللافتة أنّ ترامب بنى جزءاً كبيراً من شعبيّته أساساً على مهاجمة “السلالات السياسيّة”، وخصوصاً عائلتَي بوش وكلينتون. لكنّه ربّما يكون اليوم بصدد بناء سلالة أكثر قوّة وتأثيراً منهما معاً.
لم تعُد الترامبيّة توجّهاً محافظاً. لقد تحوّلت إلى هويّة سياسيّة وثقافيّة وإعلاميّة متكاملة. الهويّة أسهل في التوريث من الأيديولوجية. قد تفتح هذه السيطرة على الحزب الجمهوريّ شهيّة ترامب على التوريث السياسيّ.
من هنا يتكرّر اسم دونالد ترامب الابن باستمرار، فهو الأقرب سياسيّاً إلى روح الحركة الترامبيّة: هجوميّ، شعبويّ، ويتحدّث لغة القاعدة الجمهوريّة بطلاقة. لا يحتاج إلى “تعلّم” الترامبيّة، لأنّه نشأ داخلها.
صحيح أنّ أميركا ليست ملَكيّة، والكاريزما لا تُورَّث بسهولة، لكنّ السلالات السياسيّة لا تُبنى فقط عبر الانتخابات، بل عبر تطبيع فكرة الوراثة السياسيّة نفسها. هذا ما يحدث تدريجاً داخل الحزب الجمهوريّ.
لم يعُد أبناء ترامب أبناء رئيس وحسب. إنّهم يشاركون في الحملات، يجمعون التبرّعات، يهاجمون الخصوم، ينسّقون مع الإعلام المحافظ، ويحافظون على شبكة علاقات مع كبار المموّلين والناشطين. في زمن آخر، كان دور أبناء الرؤساء بروتوكوليّاً أو رمزيّاً. أمّا في زمن ترامب، فهم يتحوّلون شيئاً فشيئاً إلى شركاء سياسيّين فعليّين داخل الحركة.
صحيح أنّ النظام الأميركيّ ما يزال يمتلك “أجساماً مضادّة” ضدّ الحكم العائليّ، وأنّ السياسة الأميركيّة بطبيعتها فوضويّة ومتقلّبة ولا تسمح بسهولة بقيام ملَكيّات سياسيّة، لكنّ ترامب حقّق أمراً لم ينجح فيه أيّ رئيس أميركيّ حديث بالكامل: تحويل أحد الحزبين الكبيرين في أميركا إلى حركة تتمحور حول شخصه. سيبدأ الاختبار الحقيقيّ يوم يغادر السلطة.
إذا بقي المرشّحون الجمهوريّون بعد سنوات يتسابقون لنيل مباركة ترامب من “مارالاغو”، وإذا بقي الإعلام المحافظ يدور حول العائلة، وإذا أصبحت الشرعيّة السياسيّة داخل الحزب مرتبطة بالاقتراب من اسم ترامب، لا من أفكار الحزب نفسه، فقد تكتشف أميركا أنّها لم تكن فقط أمام رئيس شعبويّ عابر.
