في مطلع الأسبوع الماضي، وقف وزير المالية السوري محمد يسر برنية في باريس وتسلّم رسالة بالغة الدلالة: دعوة رسمية إلى قمة مجموعة السبع المزمع عقدها في إيفيان-ليه-بان بجنوب شرق فرنسا في الفترة الممتدة بين الخامس عشر والسابع عشر من حزيران – يونيو المقبل. وستشارك سوريا بوصفها دولة ضيفة يمثلها الرئيس أحمد الشرع، في سابقة تاريخية تُجسّد أول مشاركة سورية في قمة هذا التجمع منذ تأسيسه عام 1975.
لحظة تاريخية بكل المعاني. لكنها أكثر من ذلك بكثير.
ما حدث في باريس لا يُقرأ بمعزل عن السياق الذي أنتجه. مسؤول سوري رفيع أوضح أن مشاركة دمشق في أعمال القمة ستركز على دور سوريا كـ”مركز استراتيجي محتمل لسلاسل الإمداد”، وذلك في أعقاب إغلاق مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب مع إيران في نهاية فبراير الماضي. بعبارة أخرى: سوريا لم تُدعَ لأن الغرب اكتشف فجأة حسن نواياه تجاهها – بل دُعيت لأن خرائط الطاقة والتجارة العالمية أعادت رسم أهميتها الجغرافية بصورة لا يمكن تجاهلها.
في هذه الجملة يكمن جوهر ما تشهده المنطقة: سوريا تتحول من ساحة أزمة إلى رقم استراتيجي يتسابق الكبار على كسب وده.
ما حدث في باريس لا يُقرأ بمعزل عن السياق الذي أنتجه. مسؤول سوري رفيع أوضح أن مشاركة دمشق في أعمال القمة ستركز على دور سوريا كـ”مركز استراتيجي محتمل لسلاسل الإمداد”
الغرب يُدرك أن الفراغ الذي خلّفه إغلاق هرمز يحتاج إلى ملء، وأن الموقع الجغرافي السوري يُقدّم إجابة جزئية لافتة. مسؤول سوري أفصح عن الأمر بصراحة نادرة: “بعد إغلاق مضيق هرمز، طرقت على أبوابنا كل الدول المجاورة تقريباً طلباً للوصول إلى موانئنا السورية”. الموانئ التي ظلت لعقود في ظل العزلة والعقوبات أصبحت فجأة محطات ذات قيمة في معادلة الإمدادات الدولية. واللافت أن هذا التحول لم يستغرق سوى أسابيع ليُقنع قوى كبرى بأن إعادة دمشق إلى الطاولة الدولية ليست فضيلة أخلاقية فحسب، بل ضرورة اقتصادية.
مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن مشاركة سوريا تأتي في سياق توجه عام نحو تقريب إدارة الشرع من الاقتصادات الكبرى، وأن حضور دمشق في المسار المالي لمجموعة السبع يُمثّل خطوة جديدة في مساعيها للعودة إلى المنظومة الدولية واستقطاب الدعم لإعادة الإعمار وتقديم نفسها كدولة محورية في التحولات التي تُعيد رسم المنطقة. وهذا التوصيف يكشف الطابع المزدوج للدعوة: هي من جهة استجابة لمعطيات الأزمة الراهنة، ومن جهة أخرى استثمار في مشروع بناء صورة جديدة لسوريا يجري بجدية متصاعدة منذ سقوط الأسد.
على الجانب الآخر من معادلة النفوذ، تراقب موسكو ما يجري بقلق لا تُخفيه. روسيا التي استثمرت عسكرياً وسياسياً في سوريا لسنوات طويلة، وأقامت قواعد جوية وبحرية على أراضيها، تجد نفسها اليوم أمام سيناريو كانت تحاول تفاديه: دمشق تقترب من الغرب بخطوات متسارعة، بينما موسكو محظورة من الحضور في نفس القاعة بسبب عواقب غزوها لأوكرانيا. في إشارة لافتة إلى المراودة الروسية لدمشق، أعادت موسكو طائرات عسكرية إلى سوريا هذا الأسبوع في ما وصفته المصادر بأنه “دليل على تطور العلاقات الثنائية”. الرسالة واضحة لمن يريد قراءتها: روسيا لا تريد أن تخسر سوريا كما خسرت نفوذها في أماكن أخرى، وهي تُقدّم ما تستطيع تقديمه لإبقاء قدم في الباب.
المفارقة الحادة هي أن روسيا محظورة من حضور قمة السبع – تلك المجموعة التي كانت عضواً فيها قبل أن يُطرد منها بعد غزو أوكرانيا – بينما تُدعى سوريا التي كانت في خانة الدول المعزولة حتى وقت قريب. الجغرافيا السياسية تصنع أحياناً سخريات لا يُنتجها خيال الروائيين.
سوريا اليوم أمام منعطف تاريخي إذ تحولت من دولة معزولة إلى لاعب استراتيجي ودعيت إلى قمة السبع لتأكيد موقعها الجغرافي الحيوي في معادلات الطاقة
سوريا اليوم تقع في تقاطع مصالح لا سابق له في تاريخها الحديث. موقعها الجغرافي الذي يربط البحر المتوسط بالعمق العربي، وساحل يطل على ممرات بحرية استراتيجية، وحدود مشتركة مع تركيا والعراق ولبنان وإسرائيل والأردن – هذه الجغرافيا لم تتغير، لكن قيمتها في معادلات القوى الدولية تضاعفت في أعقاب أزمة هرمز. الغرب يريد ممرات بديلة ومنافذ موثوقة. دول الخليج تبحث عن بدائل لوجستية. تركيا تريد تعميق نفوذها الإقليمي عبر دمشق. والعراق يرى في سوريا بوابة لتصدير نفطه نحو البحر المتوسط. كل هذه الحسابات تجعل دمشق في موقع لم تكن تحلم به قبل خمس سنوات.
لكن هذه الفرصة تحمل في طياتها خطراً بالقدر نفسه. الدول التي تجد نفسها مطلوبة من قبل قوى كبرى متنافسة لا تحظى دائماً بالاستقلالية التي تتخيلها فكثيراً ما تتحول إلى حلبة للتنافس أكثر من كونها مستفيدة منه. والتاريخ الإقليمي يحمل أمثلة وافرة على دول وجدت نفسها مُستدرجة إلى توافقات تخدم الكبار لا مصالحها الوطنية. ما يُميّز اللحظة السورية هو أن دمشق تمتلك اليوم ربما لأول مرة منذ عقود شيئاً من زمام المبادرة في رسم علاقاتها الخارجية.
السؤال الحقيقي هو كيف تُدار هذه الفرصة. سوريا الخارجة من حرب أهلية دامت أربعة عشر عاماً تسعى لإعادة بناء اقتصاد دمّرته سنوات الصراع والعقوبات، وهي بحاجة ماسة إلى الاستثمار الأجنبي والدعم الدولي. لكن الحاجة لا يجب أن تتحول إلى ورقة يُعاد توظيفها ضدها. الشرط الجوهري لنجاح التحول السوري هو أن تُحسن دمشق التفريق بين الانخراط الدولي المُثمر والاستدراج الذي يُعيد إنتاج التبعية بأشكال مختلفة.
دمشق باتت تجلس في المكان ذاته الذي تجلس فيه القوى الغربية الكبرى، وهو وضع لا يمكن أن يدوم دون أن يُفرز ضغوطاً جديدة على دمشق لتحديد توجهاتها بصورة أكثر وضوحاً مما اعتادت الإفصاح عنه حتى الآن.
ما تشهده سوريا في هذه المرحلة ليس مجرد انتعاش دبلوماسي عابر، بل إعادة رسم فعلية لموقعها في الخريطة الدولية. الدعوة إلى إيفيان رمز لشيء أكبر منها: إعلان أن المجتمع الدولي – أو على الأقل الجزء الغربي منه اختار الرهان على سوريا المستقرة لا الانتظار على هامش أزمتها. وهذا الرهان يُلقي مسؤولية مضاعفة على عاتق دمشق: إثبات أن هذا الاختيار كان صائباً، وأن سوريا قادرة على تحويل ما تحصل عليه من اعتراف إلى مشاريع تُعيد بناء الدولة وتحصّن مسارها.
الجلوس إلى طاولة الكبار فرصة نادرة. لكن ما يُحدد ما إذا كانت سوريا ستكون مُشاركاً نشطاً أم ضيفاً مُدار، هو ما ستصنعه دمشق بهذه الدعوة في الأيام والأشهر القادمة، لا ما قيل عنها في أروقة باريس.