تسعى هذه المقالة إلى التوقّف عند كتاب “ألف ليلة وليلة لأنطوان غالان أو التحفة غير المرئية” (Les Mille[1] et une nuits d’Antoine Galland ou le Chef-d’œuvre invisible) لمؤلفه الباحث الفرنسي الأميركي جورج ماي (Georges May)، والصّادر عن المطبوعات الجامعية الفرنسية (PUF) سنة 1986 في 232 صفحة.
ينتظم مشهد الكتاب في سبعة فصول: الشهرة والحجب، التسلسل الزمني والسّمعة، القراء والقارئات، الترجمة والإبداع، التقليد والأصالة، المنفعة والاستحسان، المتعة والأدب، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة مطولتين وببليوغرافيا.
أما على صعيد المقاربة، فالكتاب يندرج ضمن مَنظورٍ نقدي يتقصّد تفكيك ونقد الافتراضات والمعايير المتحيزة التي تعتمدها المؤسسة الأدبيّة الغربية في تقييم الأعمال الأدبيّة والاعتراف بها، حتى في الحالة التي تكون فيها هذه الأعمال مشهورة وعالميّة.
يُعدُّ جورج ماي (1920-2003) من أبرز المتخصصين في الأدب الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد عمل أستاذًا للأدب الفرنسي الكلاسيكي بجامعة ييل، وتركَ مؤلفات نقديّة تتعين بوصفها مراجع أساسية في مجالها. ومن اللافت أن القارئ العربي تعرّف إليه من خلال ترجمة محمد القاضي ومحمد صولة لكتابه “السيرة الذاتية” (L’autobiographie) سنة 1992، الذي أعادت دار رؤية بالقاهرة نشره عام 2017. ورغم القيمة التي تنطوي عليها أعماله النقدية، ونزوعها التجديدي في مقاربة الظواهر الأدبيّة، فإنه ظل قليل الحضور في الخطاب النقدي العربي المعاصر. ويبرز هذا الغياب خصوصًا في الصّمت الذي أحاط بكتابه “ألف ليلة وليلة لأنطوان غالان أو التحفة غير المرئية”، الذي يُسائلُ مَوقفَ المعتمد الأدبي الفرنسي من “ألف ليلة وليلة”، ويَكشفَ عن مظاهرِ الحجب التي طاولت هذا العمل الخالد في المؤسسة الأدبيّة رغم شهرته الواسعة.
من هذا المنظور، يبدو أن أهمية هذا الكتاب تتمثل في كونه يستقصي ظاهرة أدبية لم تحظ بالدرس والنقد الكافيين. لذلك، يحرص جورج ماي منذ البداية على التمييز بين التحفة المجهولة (Le chef-d’œuvre inconnu) والتحفة غير المرئيّة (Le chef-d’œuvre invisible) التي تُعيدُ إلى ذاكرة القارئ لأدب القرن التاسع عشر القصة القصيرة التي كتبها بلزاك بعنوان “التحفة المجهولة” Le chef-d’œuvre inconnu (1831) متخذًا من تجربة نيكولا بوسان (Nicolas Poussin) (1594 – 1665) أحد أشهر رسامي القرن السابع عشر موضوعًا للتمثيل السردي. ومن خلال هذه القصة يبرز بلزاك، وانطلاقًا من شخصيات ثلاث: نيكولا بوسان والمعلم بوربوس والرسّام العجوز فرينهوفر، تصوره للعبقرية الفنية والعمل الفني الذي تتعدّى أصالته مبدأ المحاكاة الذي هيمن طويلا على نظرية الأدب والفن. ومن منظور جورج ماي ليست التحفة غير المرئية مَجهولةً أو غير معروفة، بل قد تكون شديدة الشهرة، ومع ذلك تظل مَحرومةً من الاعتراف النقدي والثقافي.
يأخذ مفهوم التحفة عند ماي بعدًا مؤسساتيًا وزمنيًا؛ فالعمل الخالد ليس مجرد كتاب جيد، بل هو عملٌ يكتسب مع مرور الزمن عمقًا وثقلًا ثقافيين من خلال القراءة وإعادة القراءة والتحليل والنقد والتدريس والمناقشة. وعلى أساس هذه التقاليد يصبح العمل الخالد جزءًا من الثقافة، ويغدو كلاسيكيا. أما التحفة غير المرئية فهي أثرٌ يتمتع بالشهرة والاندماج في الثقافة، لكنه لا يحظى بالمكانة التي يستحقها. لهذا يشبّه ماي “ألف ليلة وليلة” لأنطوان غالان بـ”الرسالة المسروقة” (La Lettre volée) لإدغار ألان بو؛ الجميع يعرف بوجودها، لكن الحديث عنها يجري غالبًا بصورة غير مباشرة أو عرضية، كما لو أنها ضحية مؤامرة صمت جعلت شهرتها نفسها سببًا في حجبها. من هنا يطرح السؤال الأساس: لماذا تعدّ “ألف ليلة وليلة” بترجمة غالان تحفةً مغيّبةً، وكيف تعرّضت لهذا الحجب الثقافي والتاريخي في النقد الغربي؟
| يشبّه جورج ماي “ألف ليلة وليلة” لأنطوان غالان بـ”الرسالة المسروقة” لإدغار ألان بو؛ الجميع يعرف بوجودها، لكن الحديث عنها يجري غالبًا بصورة غير مباشرة أو عرضية، كما لو أنها ضحية مؤامرة |
ترجمة غالان الفرنسيّة
في مَعرضِ الإجابة، يستند ماي إلى ببليوغرافيا المؤلفات العربيّة (Bibliographie des ouvrages arabes) لفكتور شوفان (1902)، التي ترصد الطبعات والترجمات العربية. وقد ظهرت ترجمة غالان الفرنسية بين 1704 و1717 وحققت نجاحًا هائلًا استمر تأثيره في أوروبا. وبين 1811 و1882 أحصى شوفان نحو 45 طبعة جديدة، بما يدل على اطراد الإقبال على الكتاب. ولم يقتصر تأثير الترجمة على فرنسا، بل امتد إلى أوروبا وخارجها لدرجة أن “ألف ليلة وليلة” أصبحت نصًا معروفًا في العالم المترامي الأطراف. ولأن الطبعة العربيّة الكاملة لم تظهر إلا سنة 1814 في كلكوتة، فقد كان القارئ الأوروبي يتعرّف إلى الكتاب من خلال ترجمة أنطوان غالان التي ظلت مدة طويلة النسخة المرجعيّة المعتمدة. وحتى بعد ظهور ترجمات إدوارد وليم لاين، وجون باين، وريتشارد فرانسيس برتون، لم يكف تأثير غالان عن الفعل بالقوة ذاتها، واستمرت ترجمات إنكليزية في الاعتماد على عمله.
وإذا كان نجاح ترجمة غالان قابلًا للإثبات ببليوغرافيًا، فإن قياس تأثيرها يعدّ أكثر تعقيدًا، وإن كان تاريخ الأدب الفرنسي يقدم قرائن كثيرة على قوتها. ففي الدرس الذي ألقاه مؤرّخ الأدب غوستاف لانسون بالسّوربون سنة 1909، أكد أن ظهور “ألف ليلة وليلة” لأنطوان غالان كان عاملًا محوريًّا في التأثيرات المشرقية في الأدب الفرنسي خلال القرن الثامن عشر، وأن الكتاب أحدث تحولًا عميقًا في المخيلة الأدبيّة الأوروبيّة. وقد سبقه بيير مارتينو سنة 1906 إلى الاعتراف بتأثير الليالي في الرواية والمسرح الأوروبيين، ثم دعمت ماري-لويز ديفرونوي هذا التصور في دراستها “الشرق الروائي في فرنسا” (1946-1947) دراسة في التاريخ والنقد الأدبي.
يستنطق جورج ماي صمت النقد تجاه أنطوان غالان. ومن ثم، يتخذ من أحاديث يوم الإثنين (Les Lundis) للناقد سانت بيف مثالًا على بداية هذا النسيان واستحكامه لدى نقاد ومؤرخي الأدب اللاحقين. فالمختارات الأدبيّة وكتب تاريخ الأدب والموسوعات لا تمنح “ألف ليلة وليلة” الموقع الذي يليق بها بوصفها تحفة أدبية، وحتى حين يذكر هذا النوع من التأليف غالان أو كتابه، فإن ذلك يَكونُ بصورة عابرة. ولإثبات ذلك، يلجأ ماي إلى مراجعة عدد من الأعمال الكبرى في تاريخ الأدب الفرنسي، ومنها مؤلفات لويس بوتي دو جوليڤيل، وفرديناند برونوتير، وشارل مارك دوغران، و”قاموس الدراسات الفرنسية” لكاستيكس وسورير. وما تقوله هذه المراجعة يُحدّثُ غياب حكم نقدي واضح بشأن “ألف ليلة وليلة” لغالان، أو إشارات وجيزة لا تتجاوز أسطرًا قليلة، مع تجنّب الإقرار بتأثيرها العميق في الأدب الفرنسي. لهذا يشدّد ماي على أن هذا التعامل ينمّ عن نَزعةٍ مركزية تَحجبُ إسهام النص في تَشكيلِ المعتمد الأدبي الفرنسي.
لا يقتصر التغييب على أعمال مؤرخي الأدب، بل يظهر أيضًا في الموسوعات والمعاجم. فـ”الموسوعة الكبرى” (Grande encyclopédie) تشير إلى أن غالان ثبتت شهرته بفضل ترجمته لليالي، لكنها تنتقد الترجمة باعتبارها غير كاملة وغير أمينة للأصل، كما تذهب إلى أنه أعاد تَكييفَ أسلوب الرواة العرب وفق الذوق الفرنسي. وفي السياق ذاته، ينتقد المعجم العالمي الكبير للقرن التاسع عشر ترجمة غالان، فيصف أسلوبها بالضعف وافتقاد الحيوية واللون الأدبي، كما ينتقد حذف الأشعار الموجودة في النّصوص الأصلية.
من الواضح أن ماي يرفض الأحكام التقليديّة التي تصف ترجمة غالان بعدم الأمانة بدون مراعاة ظروفها. فاختلاف المخطوطات العربيّة، كما تكشف عن ذلك المقارنات التي أجراها باحثون مثل هرمان زتنبرغ وكلود حجاج ومحمد عبد الحليم، يفسر جانبًا مهمًا من التباينات بين النصوص، ولا يمكن إرجاعها كلها إلى غالان. كما أن أنطوان غالان لم يكن يسعى إلى إنجاز ترجمة حرفيّة، بل كان يراعي أفق انتظار القارئ في عصره، وخاصة مبدأ اللياقة (Bienséance) ومتطلبات الذوق واللغة والجمهور. لذا انتقل من الترجمة الحرفية إلى التكييف والملاءمة.
لا شك في أن هذه النقطة تكتسب قوتها من شهادات عدد من كبار مترجمي الليالي ودارسيها، مثل جون باين، وريتشارد برتون، ودوكان ماكدونالد، ونيكيتا إليسييف، وإينو ليتمان ورضا هواري، الذين نبّهوا إلى أن حرية غالان في تكييف النص وفق ذوق جمهوره أسهم في اندراج “ألف ليلة وليلة” ضمن روائع الأدب العالمي، وفي الوقت نفسه جعل منها أثرًا بارزًا في الأدب الفرنسي. ومن خلال هذه الشهادات يظهر غالان بوصفه ساردًا مبدعًا، لا مجرد مترجم ناقل. والمفارقة أن الدراسات الغربية كثيرًا ما جعلت من نسخته عملًا قصصيًا فرنسيًا رفيعًا يكاد ينتسب إلى الأدب الفرنسي أكثر من الأدب العربي، بينما ظل المعتمد الأدبي الفرنسي يحرمها من المكانة التي تستحقها.
أما فيما يخص النقاد المعاصرين، فالملاحظ أنهم لم يعملوا على تصحيح ما وقع فيه أصحاب النقد التقليدي من تهميش لغالان والليالي. ففي “موسوعة لابلياد” لا تظهر “ألف ليلة وليلة” إلا بصورة غير مباشرة عند الحديث عن فولتير أو ستاندال، أو عن الحكايات الخيالية والسحر أو علاقة الأدباء بالمشرق. وهكذا لم تُدرس الليالي لذاتها، رغم أثرها في الأدب الأوروبي[2]، بل استُحضرت عند دراسة أنواع أدبية أخرى أو أدب الأطفال والاقتباسات السينمائية. ويتكرّر الوضع ذاته في “معجم الأدب الفرنسي”، و”الموسوعة العالميّة”، و”الموسوعة الكبرى لاروس”، والمعاجم المتخصصة في الأدباء والأدب الفرنسي والفرانكوفوني، وكذلك في ببليوغرافيا الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر. أما الاستثناء المحدود، فيتمثل في المقال الذي خصصه جاك بومارشيه لغالان، لكنه لم يُفرد “ألف ليلة وليلة” بمادةٍ مُستقلةٍ. والمفارقة أن المترجم يُعترفُ به أحيانا، بينما يُغيّبُ الكتاب الذي كان ولا يزال في قَلبِ شهرته.
لا تكتفي دراسة ماي بإثبات التغييب الذي طاول “ألف ليلة وليلة” لغالان، بل تربطه بآليات الذاكرة الأدبيّة والمؤسسة النقديّة. وعليه، فهو يعتبر هذا الموقف من النص بنيويا وأشدّ اتصالًا بالخيارات الثقافية والمؤسساتية. ويظهر ذلك أيضًا في النقد المعاصر، بما في ذلك دراسات الفولكلور والعجائبي والآداب الموازية. فعلى الرغم من أن “ألف ليلة وليلة” نموذج أساس للأدب الشفهي، فإن الدراسات التي اهتمت بهذه الأنواع لم تمكّن عَملَ غالان من الاهتمام المناسب. في هذا السياق يقدم ماي ثلاثة أمثلة أساسية: الأول العدد الخاص بالأدب الشعبي من مجلة “نقد” (Critique) الصادر سنة 1980، والذي تضمن دراسات قيمة عن الليالي، لكنها اعتمدت النص العربي وليس نسخة غالان، بل إن بعض الحكايات المدروسة ليست موجودة أصلًا في ترجمته. والثاني هو العدد الخاص بـ”ألف ليلة وليلة” من مجلة “أدب” (Littérature) سنة 1982؛ إذ لم يتضمن أي دراسة عن غالان، ولا حتى ببليوغرافيته التي تضم أكثر من 175 مرجعا. أما المثال الثالث فيتجلى في دراستين نشرتا في مجلة “تواصلات” (Communications) سنة 1984، لجمال الدين بن الشيخ ومارغريت بيرونتال، حيث اعتمدتا النص العربي واهتمتا بالبنية السردية ودلالاتها، من دون دراسة كيفية اشتغال غالان على الحكايات وتكييفها للذوق الفرنسي.
هكذا يخلص جورج ماي إلى أن الدراسات البنيوية والاستشراقيّة، رغم قيمتها، لا تسدّ الحاجة لفهم ما يجعل ترجمة غالان إبداعًا أدبيًا متميزًا؛ لأنها تنشغل بالبنى العامة للحكايات أو بالمخطوطات العربية، بدلًا من تحليل الترجمة نفسها بوصفها عملًا إبداعيًّا. ويظهر القصور نفسه في دراسات الحكاية الخرافيّة، مثل أعمال ماري إليزابيث ستورير، وتيريزا دي سكانو، وجاك بارشيلون، التي غطت الفترة التي نشر فيها غالان ترجمته لكنها لم تتعرض لها إلا في إشارات عابرة. وحتى مؤتمر سيريزي Cerisy حول الحكاية العجائبية سنة 1983 لم يتضمن بحثا خاصًا بترجمة غالان. أما أطروحة رايموند روبير حول حكاية الجنيّات الأدبية في فرنسا من نهاية القرن السَّابع عشر إِلَى نِهَايَة القَرْن الثَّامِن عَشَر، فتمثل استثناء إلى حدّ معين لأنها تَستفيدُ من الليالي وتستحضرها للمقارنة، لكنها لا تجعلها موضوعا أساسيًّا، ولا تدرجها ضمن الببليوغرافيا الخاصة بالحكايات الخرافية.
| أكد غوستاف لانسون أن ظهور “ألف ليلة وليلة” لأنطوان غالان كان عاملًا محوريًّا في التأثيرات المشرقية بالأدب الفرنسي خلال القرن الثامن عشر، وأحدث تحوّلًا عميقًا في المخيلة الأدبيّة الأوروبيّة |
الملاحظ أن الصورة لا تتغيّر حتى في دراسات الأدب العجائبي؛ إذ يشير ماي إلى أعمال مارسيل شنايدر، وبيير جورج كاستيكس، وتزفيتان تودوروف. ورغم أن هذه الدراسات اهتمت بالليالي، فإنها لا تعالج بعمق ترجمة غالان ودورها، باستثناء بعض الإشارات، خصوصًا عند تودوروف. وهكذا يستحكم الحجب حتى في المجالات المعرفية التي يفترض أن تكون أكثر اتصالًا بالليالي.
لا ريب في أن كتاب جورج ماي يعدّ محاولة مهمة لإعادة الاعتبار إلى أنطوان غالان بوصفه كاتبًا ومبدعًا، لا مجرد مترجم يَفتقرُ إلى الأصالة كما مثله جزء من تاريخ الأدب الفرنسي. كما يثبت أن عالمية “ألف ليلة وليلة” ارتبطت بصورة حاسمة بالعمل الأدبي الذي أنجزه غالان؛ إذ كان تكييفه للحكايات وفق ذوق عصره، وخاصة ذوق الصالونات الأدبيّة الفرنسيّة، وسيلة لفتح المتخيل الشرقي أمام الغرب. لذلك يجسّد عمله تقاطعًا ثقافيًا فريدًا بين معرفة المستشرق وحساسية الكاتب الفرنسي في عصر الأنوار. ومن ثم، فإن كون هذه التحفة ظلت محجوبة لا يرتدّ إلى غياب الشهرة أو التأثير، بل إلى هيمنة معايير أدبية متحجرة، ومؤسسة نقدية حالت دون الاعتراف الكامل بقيمتها. كما يُظهرُ الكتاب التحيزات الكامنة في صميم تاريخ الأدب والنظرية الأدبيّة، وآليات التغييب التي تعمل من أجل الحيلولة دون تمكين النّصوص من الاعتراف بقيمتها، ومنعها من امتلاك الوضع الاعتباري للتحفة الأدبية التي تعاد قراءتها في لغات مختلفة. وهذا هو السبب في وصفه لها بالتحفة الأدبية غير المرئية، لأنه إذا كان القراء يعرفون “ألف ليلة وليلة”، فإن التاريخ الأدبي الرسمي ظلّ لفترة طويلة يتجاهل هذه الحقيقة ويُغفلها.
ورغم اعتراف ماي بعدم تمكنّه من اللغة العربية[3]، فالكتاب يعدّ نصّا نقديًّا بالغ القوة والرصانة، إذ يكشف اعتمادًا على المقارنة بين موقع “ألف ليلة وليلة” لغالان في الدراسات الفرنسيّة والدراسات الإنكليزيّة في السنوات الأخيرة، مدى تأخر النقد الفرنسي مقارنة بالقراءات التي ظهرت حول كتاب “ألف ليلة وليلة” في السياق الإنكليزي، كما أظهرت ذلك دراسات محسن جاسم الموسوي. ومن خلال تحليل السياق الواسع الذي يحيط بالنص والمؤلّف، يشدّد ماي على أن الوقت حان للاعتراف بالآداب الموازية أو الهامشيّة، وبـ”ألف ليلة وليلة” لغالان التي تلتقي بقوة بالرواية المسلسلة والرواية البوليسيّة وبأدب المتعة والتسليّة. يقول جورج ماي: “إن المتعة، شأنها شأن الضحك، لا تكتسب قيمتها الكاملة إلا عندما تكون مشتركة. ولأننا حصّلنا متعةً رفيعةً من قراءة هذا الكتاب، سواء في طفولتنا أو ونحن على أعتاب الشيخوخة، فإننا نتمنى أن نُضاعفَ هذه المتعة بجذب جمهور واسعٍ إلى عالم غالان، جمهورٍ يَليقُ بما يستحقه هذا المترجم من تقدير. وإلى جانب الإسهام في إنصاف هذا الأثر الأدبي وإخراجه أخيرًا من دائرة ’الحجب’ الذي طاوله، فإن هذا الجمهور سَيكافأُ على الفور؛ وذلك بما ستضيفه هذه القراءة إلى تجربته الإنسانيّة من ثراء، ومن خلال ذلك الرّضا العميق الذي سيشعر به بعد الانتهاء من قراءة الكتاب؛ إذ سيجد نفسه، شأنه شأن شهريار، أكثر تمدنًا مما كان عليه من قبل، بل وسيُسَرُّ حين يدرك أن في وسعه اليوم أن يَتمثّلَ بحال سلطان فارس والهند الذي قيل فيه: ’لقد لان طبعه ورقّ مزاجه’”[4].
* كاتب من المغرب.
إحالات:
[1] Georges May, Les mille et une nuits d’Antoine Galland où le chef-d’œuvre invisible, Presses universitaires de France, Paris 1986.
[2] إن تأثير كتاب “ألف ليلة وليلة” في المخيلة الأدبيّة الأوروبية هو الذي سيتيح لـبول هازار كتابة واحدة من أجمل الصفحات قوة في كتابه “أزمة الوعي الأوروبي” (1680-1715) La crise de la conscience européenne الصادر عام 1935.
[3] Les mille et une nuits d’Antoine Galland où le chef-d’œuvre invisible, p.76.
[4] Ibid, p.231-232.