ملخص
ثمة اكتشافات لا تضيف نصّاً جديداً إلى تراث فيلسوف فحسب، وإنما تعيد ترتيب صورته في الذاكرة. وهذا ما يفعله العثور على أربعة دفاتر مدرسية قديمة حفظها أحد تلامذة جان بول سارتر منذ أربعينيات القرن العشرين، بعد أن ظلّت سنوات سارتر في التعليم الثانوي، الممتدة من 1931 إلى 1944، شبه غائبة عن الوثائق التي تسمح لنا بمعرفة كيف كان يدرّس الفلسفة ويتحدث إلى تلامذة لم يكونوا يعرفون بعد أنهم يجلسون أمام أحد أبرز مفكري القرن العشرين.
واليوم، بعد أكثر من ثمانية عقود، تعود تلك الدروس إلى الظهور من خلال دفاتر موريس ميرميه، تلميذ سارتر في ثانوية كوندورسيه في باريس خلال العام الدراسي 1942-1943.
ليست هذه الدفاتر مجرد وثيقة مدرسية قديمة. إنها شهادة على محطة حاسمة من حياة سارتر، وعلى مرحلة كانت فيها الفلسفة والأدب والحرب والاحتلال النازي تتقاطع في تجربة رجل في السابعة والثلاثين من عمره، خرج من معتقل “تراف” في ألمانيا النازية حيث بقي في الأسر نحو تسعة أشهر قبل أن يتم إطلاق سراحه عام 1941. في تلك السنة الدراسية كان سارتر يضع اللمسات الأخيرة على “الوجود والعدم”، ويستعد لعرض مسرحية “الذباب”، التي دعا تلاميذه لمشاهدتها. وقد جلس أربعة وأربعون تلميذاً على شرفة المسرح، فيما كان ضباط ألمان يجلسون في الصفوف الأولى، من دون أن يعرفوا أن أستاذ الفلسفة الذي يقف أمامهم كل صباح هو نفسه مؤلف المسرحية التي يشاهدونها. هنا تأتي أهمية هذا الاكتشاف الذي يتيح لنا أن نسمع صوت سارتر التعليمي، قبل أن يصبح اسمه مرادفاً للوجودية والالتزام السياسي في فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يروي موريس ميرميه أنه كان في السادسة عشرة من عمره عندما دخل في سنته المدرسية النهائية صف شعبة الرياضيات في الليسيه كوندورسيه عام 1942. وكان أستاذ الفلسفة يدعى جان بول سارتر. لم يكن ميرميه يعرف آنذاك سوى القليل عن الأستاذ الذي يقف أمامه والذي كان قد نشر “مخطط نظرية في الانفعالات” و”الغثيان” و”الجدار”، علماً أن صورته الكبرى في الحياة الثقافية الفرنسية لم تكن قد اكتملت بعد.
وكان ميرميه تلميذاً مجتهداً ودقيقاً في تدوين دروس أستاذه؛ إذ تكشف دفاتره أن سارتر كان أستاذاً شغوفاً يخصص جانباً من الحصة للشرح والمناقشة وتفصيل الأفكار، ثم يختتمها بإملاء خلاصة منظمة على تلاميذه، تجمع أهم الأفكار والمفاهيم التي تناولها الدرس، مقدمةً لهم صياغة مركزة يمكنهم اعتمادها مرجعاً لما تلقّوه خلال الحصة.
مقاصد فلسفته
توثّق هذه الخلاصات سنة كاملة من الدروس، وتلقي الضوء على الطريقة التي كان يمكن أن تُدرَّس بها الفلسفة في ظلّ الاحتلال الألماني. كذلك تكشف عن ثقافة الأستاذ ومقاصده الفلسفية. ولعلها تبدو أقرب إلى تسجيل مباشر لصوت سارتر التعليمي، لما فيها من ترتيب ودقة وصياغة فلسفية.
ظلّت هذه الخلاصات محفوظة في دفاتر ميرميه سنيناً طويلة. لكنه في مطلع العام الحالي، عاد بالصدفة إلى الحديث عنها في سياق لقاء مع أصدقاء مهتمين باللغة والحضارة اليونانية القديمة. ومن خلال أحدهم وصلت قصة هذه الخلاصات إلى دار “غاليمار” التي أدركت سريعاً قيمتها الاستثنائية. هكذا خرجت من صناديق قديمة أربعة دفاتر صفراء، مكتوبة بقلم حبر بخط أنيق ودقيق، مرفقة بملاحظات شخصية وأوراق امتحانات وفروض مصحّحة بقلم سارتر نفسه في كتاب بعنوان “جان بول سارتر، مقرّر الفلسفة للسنة النهائية، كما دوّنه إملاءً تلميذه موريس ميرميه، ليسيه كوندورسيه، 1942–1943”.
تُقدّم هذه الدفاتر صورة مغايرة للصورة التي عرف بها سارتر لاحقاً. فالأستاذ الذي دخل صفوف الليسيه كوندورسيه كان، بحسب شهادة ميرميه، “جاداً ودقيقاً ومثيراً للاهتمام”، حريصاً على أن يهيئ تلاميذه لاجتياز الامتحانات الرسمية، مزوداً إياهم بالأسس التي يحتاجون إليها لفهم الفلسفة والتقدم في دراستها.
وكان الفصل يضم أربعة وأربعين فتى، معظمهم يتعرّف إلى مفاهيم الفلسفة وقضاياها للمرة الأولى في حياتهم. كذلك تكشف هذه الدفاتر والشهادة التي يقدمها التلميذ أيضاً عن مفارقة لافتة في شخصية سارتر الذي عُرف خلال فترة تدريسه في لوهافر، بأنه أستاذ غير تقليدي، يميل إلى مخالفة الأعراف المدرسية، ولا يتقيد دوماً بالصورة الرسمية المألوفة للمدرّس. أما في ثانوية كوندورسيه، وتحت وطأة الاحتلال، فيتبدى أكثر انضباطاً، شديد الشغف والجدية في أداء مهمته.
يكتسب هذا الجانب من شخصية سارتر أهمية خاصة إذا قرأناه في ضوء فلسفته اللاحقة، لا سيما تصوره للحرية. فالصورة التي ترسمها الدروس لا تكشف عن أستاذ يؤدي مهمته التعليمية فحسب، بل تتيح، من منظور استباقي، أن نلمح فيها شيئاً من الحساسية الفكرية التي ستقوده في ما بعد إلى جعل الحرية في صميم تجربته الفلسفية، علماً أن صورة الأستاذ التي تعكسها هذه الدفاتر، تبدو أكثر تعقيداً من الصورة النمطية التي قد توحي بها فكرة سارتر كفيلسوف الحرية والتمرد.
سارتر المعلّم لا يظهر رجلاً يرفض النظام أو يستخف بالعمل أو يحوّل الحرية إلى نقيض لكل التزام. لعله، على العكس من ذلك، يبدو شديد الجدية في أداء مهمته، متمسّك بتنظيم أفكاره وبإيصالها إلى تلاميذه، مانحاً إياهم أدوات التفكير الفلسفي.
الجدية المتحولة
لكن هذه الجدية المهنية ليست جموداً فكرياً. إنها تظل مصحوبة بالحيوية، وبالقدرة على فتح السؤال، وعلى جعل الفلسفة ممارسة ذهنية حية لا مجرد نقل لمجموعة من الأفكار الجاهزة. من هذه الزاوية، تتوافق منهجيته في إعطاء الدروس مع مفهومه للإنسان ككائن مفتوح على إمكاناته، يصنع نفسه من خلال خياراته وأفعاله، ولا ينفصل وجوده عن قدرته الدائمة على تجاوز ما هو قائم. لذا عارض الأستاذ في دروسه “روح الجدية” في النظر إلى العالم وإلى الذات كما لو أن الأشياء والأدوار والصفات ثابتة نهائية، وكأن الإنسان محكوم بأن يكون ما هو عليه بالفعل. ولئن “روح الجدية” تحوّل الإنسان، بصورة ضمنية، إلى شيء بين الأشياء، فإنها تقوّض الحرية التي تذكّره بأنه لا يطابق أبداً الصورة التي يمكن أن يرسمها عن نفسه، وأن ما كانه بالأمس لا يستنفد ما يستطيع أن يكونه غداً. وهذا ما سيوضحه سارتر لاحقاً في مفاهيمه الأنطولوجية التي ميّزت بين “الوجود في ذاته” و”الوجود لذاته”.
هذا يعني أن انتظام الدروس لم يلغ انفتاح السؤال، والانضباط في التعليم لم يتحول إلى انضباط للعقل نفسه. وربما كان هذا التوازن بين الصرامة والانفتاح أحد المفاتيح لفهم مهنة التعليم التي مارسها سارتر بمسؤولية، محافظاً في الوقت عينه على تلك الحركة الداخلية للفكر التي ترفض أن تستقر في إجابة نهائية.
والحقيقة أن دفاتر موريس ميرميه لا تستعيد مقرّر الفلسفة كما درّس في أحد فصول الليسيه كوندورسيه، بل تتيح أيضاً الاقتراب من لحظة تتجاور فيها صورة الأستاذ وصورة الفيلسوف الذي لم يكتمل بعد. ففي زمن الاحتلال، وفي مدرسة باريسية تعيش تحت وطأة ظروف صعبة، كان سارتر يدرّس الفلسفة كتمرينٍ على التفكير قبل أن تتخذ أسئلة الوجود والاختيار والمسؤولية والحرية صياغة فلسفية أكثر راديكالية، صائرةً بالنسبة إليه بُعداً لا يستطيع الإنسان الفكاك منه ما دام واعياً بذاته وبوجوده.
ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن سنة 1942- 1943 كانت سنة استثنائية في تاريخ فرنسا بسبب ثقل الاحتلال الألماني وفرض شروط سياسية وإدارية خاصة على المدارس من قبل حكومة فيشي. وكان سارتر العائد من الأسر قد استأنف التدريس في باريس، أولاً في ثانوية باستور، ثم في ثانوية كوندورسيه، حالاً محلّ فردينان ألكييه الذي كان قد شغل المنصب موقتاً بعد إقصاء هنري دريفوس-لو فوايه بسبب القوانين المعادية للسامية.
تضيف هذه الخلفية بعداً تاريخياً إلى دروس سارتر الفلسفية، لأنها كانت تعطى تحت صورة المارشال بيتان، في مؤسسة تخضع لنظام الاحتلال، بينما كان هو نفسه قد بدأ بالتفكير بصورة مكثفة في مفاهيم الحرية والمسؤولية والاختيار.
الحرب والاحتلال
يقول ميرميه إن سارتر أثناء إعطائه الدروس لم يكن يتحدث كثيراً عن مواقفه السياسية. فقد كان شديد الحذر، وإن كان يتطرق أحياناً إلى مسألة الحرب والاحتلال. لكنه في الوقت عينه، كان يفتح أمام طلابه عالماً فلسفياً يتجاوز حدود المنهج الدراسي، من خلال حرصه على تعريفهم على أبرز ما وصل إليه التفكير الفلسفي والعلمي آنذاك.
توزعت الدروس التي حفظتها الدفاتر على الموضوعات المقرّرة في برنامج الفلسفة، كعلم النفس، والمنطق، والأخلاق، وتاريخ الفلسفة، وفلسفات باسكال وأوغست كونت وديكارت وكانط، ومسائل الوعي واللاوعي، والحقيقة، والانفعالات والجمال والحرية، إلخ. كذلك تضمنت قراءة فلسفية وأدبية لقصيدة “المصائر” لألفرد دو فينيي.
لكن أكثر ما يثير الاهتمام فيها حضور الأسئلة التي ستصبح لاحقاً لبّ الفلسفة السارترية. ففي أحد المقاطع التي أملاها على تلاميذه يقول سارتر “يمكن النظر إلى القرار، لا كنتيجة لأفعال سابقة، وإنما كبداية أولى”، ما يكشف بوضوح كيف كانت فكرة الحرية تتشكل في فكره قبل نشره “الوجود والعدم”.
هكذا يتبدى الفصل الدراسي كنوعٍ من المختبر الفكري الذي يعرض بصورة مبسطة ومناسبة لعمر التلاميذ، الأفكار المتعلقة بالوعي أو القرار أو الحرية أو الوجود التي بلورها الأستاذ لاحقاً في كل كتبه ومؤلفاته. ولعل شرحه لـ”الكوجيتو الديكارتي” يكشف عن موهبته التربوية، إذ كان يوضح لتلاميذه أن الكوجيتو ليس مجرد استدلال منطقي بقدر ما هو تجربة فكرية حية.
يحمل اكتشاف هذه الدفاتر قيمة خاصة في مسرى حياة سارتر التي اعتادت الذاكرة الثقافية أن تحتفظ منه بصورة الكاتب الجالس في مقاهي سان جيرمان، والفيلسوف الذي أصبح رمزاً للوجودية، والمثقف الملتزم الذي جعل من الكتابة والمنابر موقفاً سياسياً. أما صورة الأستاذ في سنواته الأولى فقد بقيت ناقصة، إذ لم يكن ثمة أرشيف يتيح إعادة بناء طريقته في التدريس. لذا تأتي دفاتر ميرميه لتملأ فراغاً يكشف عن طريقة تعليمه وأسلوبه في تنظيم الدروس وعلاقته بتلاميذه، وحرصه على إكمال البرنامج، وقدرته على الانتقال من تاريخ الفلسفة إلى الأسئلة الحية التي تشغله شخصياً.
وفي موازاة صدور هذه الدفاتر في كتاب، خصّصت مجلة “فيلوزوفي ماغازين” في عددها الأخير ملفاً مهماً عنها، نشرت فيه مقتطفات من الدروس، فضلاً عن حوارٍ أجراه مارتان لوغرو مع موريس ميرميه، تناول قراءة صورة الأستاذ سارتر، انطلاقاً من شهادات تلميذه المعمر الذي احتفظ بهذه الذكرى لعقودٍ طويلة. كذلك ناقش فرانسوا نودلمان دلالة هذه الدروس الفكرية.
دروس في متناول القراء
واليوم، وقد أصبحت هذه الدروس، المرفقة ببعض الفروض والامتحانات المصحَّحة، في متناول القرّاء المهتمّين بمسار سارتر الفكري والإنساني، بعد أن حقّقها وأعدّها للنشر جان- فرانسوا لويت وقدّم لها موريس ميرميه نفسه، فإن قيمتها تتجاوز حدود الكشف عن مرحلةٍ منسية من سيرة الفيلسوف. لعلها تفتح نافذةً على سنواتٍ مبكّرة كان فيها مشروع سارتر الفكري والأدبي لا يزال طور التشكّل، قبل أن يطوي نهائياً صفحة التعليم الثانوي ويتفرّغ للفلسفة والكتابة والعمل الثقافي ويظهر في السنوات اللاحقة كأحد أبرز المثقّفين الملتزمين في فرنسا، لا سيما بعد تأسيس مجلة “الأزمنة الحديثة”، وتحوّل الكتابة عنده إلى منبرٍ للتدخّل في قضايا العصر، الفكرية والسياسية، فيما أخذ اسمه يقترن، على نحوٍ متزايد، بالفلسفة الوجوديّة. وقد تعزّز هذا الارتباط مع محاضرته الشهيرة “الوجوديّة مذهب إنساني”، ثم مع صدور كتابه “الوجود والعدم”، اللذين شكّلا محطّتين أساسيتين في ترسيخ مشروعه الفلسفي.
هكذا، تعود بنا هذه الدفاتر إلى سارتر الذي لم يكن قد أصبح بعدُ رمزاً للوجوديّة ولا أحد أشهر فلاسفة فرنسا، أستاذاً شابّاً يقف أمام تلاميذه، يشرح لهم الفلسفة ويملي عليهم خلاصات دروسه.
تكمن أهميّتها في الكشف عن الفترة التي كان فيها فكر الفيلسوف في طور التكوّن، يوم كان يشرح لتلاميذه معنى الحقيقة والعلم والأخلاق والانفعال والحرية. وكان موريس ميرميه، يصغي إلى أستاذه ويكتب، من دون أن يعرف أن دفاتره الصغيرة ستعود بعد أكثر من ثمانين عاماً لتسمعنا صوت الأستاذ الذي كاد أن يضيع.
إن اكتشاف هذه الدفاتر لا يغيّر مكانة سارتر في تاريخ الفلسفة، وإنما يجعل صورته أكثر إنسانية. فوراء المثقف الذي سيصبح رمزاً للالتزام، والمفكر الذي سيتحدث عن الوجود والحرية والمسؤولية، والذي سيواجه قضايا الحرب والاستعمار والسياسة، كان هناك أستاذ يدخل قاعة في ثانوية كوندورسيه متأبطاً حقيبته الجلدية القديمة، يجلس أحياناً فوق مكتبه بملابس بسيطة ونظارات كبيرة وعينين بارزتين وصوت حاد. هذه التفاصيل الصغيرة تبدو هامشية إذا ما قورنت بالمفاهيم والقضايا الفلسفية التي تذخر بها الدروس، إلا أنها تضفي عليها جانباً أكثر إنسانية. فهي تعيد سارتر من عالم الفلسفة والشهرة إلى حجم الإستاذ الذي يدخل صباحاً إلى صف مدرسي، يفتح أوراقه ويشرح درساً ويصحّح فرضاً وامتحاناً، ويملي على تلاميذه في نهاية كل حصة خلاصة دقيقة لما قاله.
ومن هذه الساعات القليلة الصغيرة، المحفوظة في الدفاتر، يعود سارتر بصوت الذي يعرف أن الفلسفة ليست بناء أنظمة فكرية بقدر ما هي القدرة على جعل شاب في السادسة عشرة من عمره يصغي، ويفكر، ويدون ملاحظات، ويكتشف للمرة الأولى أن الإنسان يستطيع أن يسأل عن نفسه، وعن العالم وعن حريته، انطلاقاً من فهم أساسيات الفلسفة، التي نجح الأستاذ في جعلها مدخلاً حقيقياً للتفكير.
خلاصة القول، تكشف دفاتر تلميذ سارتر في ثانوية كوندورسيه الواقعة على تقاطع تاريخ الفلسفة وتاريخ التعليم وسيرة سارتر عن مرحلة مجهولة نسبيّاً من حياته. تكمن قيمتها في تبيانها أولاً كيفية تعليم سارتر الفلسفة من ناحية تنظيم الأفكار وشرحها وتحوّيل قضاياها المعقدة إلى تجارب فكرية يفهمها تلاميذ لم يدرسوا هذه المادة من قبل؛ وثانياً في استعادتها صورة إنسانية حيّة لأستاذ، بعيدة من صورة المثقف الأسطوري التي ستتبدى لاحقاً.
هذا هو السبب في أن دفاتر ميرميه بدأت تثير اهتمام العاملين في تاريخ التربية وطرائق التدريس والباحثين في تاريخ الفلسفة. إنها تسمح بإعادة بناء صورة التعليم الفلسفي في فرنسا خلال سنوات الحرب، كاشفةً في الوقت عينه كيف كان سارتر يوازن بين متطلبات البرنامج المدرسي وبين الأسئلة التي كانت تشغله شخصياً.
إن صدور هذه الدروس عن دار غاليمار يتجاوز قيمة النشر الأدبي، لأنها تستعيد من سيرة سارتر مرحلةً ظلت طويلاً في الظل، كاشفةً للقرّاء ملامح فكر رجلٍ كان في طور التشكّل، قبل أن يتحوّل إلى أحد أبرز رموز الوجودية وأكثرها حضوراً في الذاكرة الفكرية الفرنسية.
