ملخص
ينتظر سوريا مستقبل باهر إن هي سارعت في تثبيت أسس الدولة المدنية التي يتعايش بها الجميع بسواسية، وإن هي وضعت خطوطاً حمراء من الشفافية المبكرة بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولديها قدرات هائلة ستنهض بها بعد ليلها الطويل إن هي أحسنت استغلالها وإدارتها.
“مع أن أميركا معنا، و33 دولة معنا، لكن العراق احتاج تقريباً إلى سبعة أعوام حتى تخلص من العقوبات والقيود بعد تغيير النظام، بينما سوريا اجتازت خطوات مشابهة خلال سنة ونصف إلى سنتين، وهذا تطور استثنائي”.
القول أعلاه لوزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري خلال مقابلة تلفزيونية، يقارن بين السرعة في رفع العقوبات عن سوريا وإزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والبطء في رفع العقوبات عن العراق.
بهذا القول يترجم زيباري نجاحاً باهراً حققته الدولة السورية الجديدة بعد سقوط بشار الأسد وهربه، فخلال أقل من عامين، رفعت العقوبات الاقتصادية عن سوريا بمساعدة خليجية وجهود سعودية رائدة، وبطلب مباشر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء زيارته للرياض العام الماضي، حيث التقى هناك وللمرة الأولى الرئيس السوري أحمد الشرع الذي التقاه ثانية في البيت الأبيض. كان اللقاء بحد ذاته تذكرة مرور للمجتمع الدولي، وللولوج في النظام الاقتصادي العالمي.
بعد رفع سوريا من قائمة الإرهاب، ألقى الشرع كلمة يبين فيها أهمية هذه الخطوة للانفتاح السوري، وللتعافي لتجاوز معضلات الماضي الجسام، وما هي إلا ساعات حتى التقى الشرع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، ليخرج بعدها عبدي ويعلن للعالم وللسوريين، عرباً وأكراداً، بحل “قسد” واندماجها كاملة في القوات الحكومية السورية، وحل الهيئات التابعة لإدارته والمسماة سابقاً “الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شرق وشمال سوريا” ودمجها في وزارات وهيئات الدولة السورية.
وكانت الحكومة السورية الانتقالية الحالية قد أخمدت تمرداً في الساحل السوري وفي مناطق اللاذقية العام الماضي، كان يهدف إلى الانفصال في مخطط لم تكُن إسرائيل بعيدة منه، حيث احتلت أجزاء من الجنوب السوري واقتربت من درعا والسويداء وأصبحت على مشارف دمشق، وساندت، ولا تزال تساند، تمرداً درزياً يسعى إلى الانفصال عن سوريا الأم، بل بينه أصوات تطالب بالانضمام إلى إسرائيل نفسها.
لكن الرياح لا يبدو أنها تجري بما تشتهي السفن الإسرائيلية، فقد تواصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية (الموساد) رومان غوفمان، وتسربت أنباء عن لقائهما في الأردن، كما وردت أنباء عن استمرار الاتصالات الهاتفية بينهما بعد لقاء الأردن.
وصرحت مصادر إسرائيلية بأن الطرفين يسعيان إلى التوصل لاتفاق ترتيبات أمنية بين الجانبين، مما يعني ضمناً أن إسرائيل تخلت عن مخطط تفكيك سوريا، بضغوط عربية- خليجية وموافقة أميركية، فقد كان توم براك، سفير ترمب لدى تركيا ومبعوثه الشخصي الخاص لسوريا، وراء ترتيب لقاء “قسد” واندماجها في الدولة السورية.
وصرح براك بأن ترمب يريد أن تبقى سوريا موحدة، بل زاد على ذلك أن قال إن الجولان سورية وإن الإسرائيليين “لا يزالون يحتلون الجولان، خلافاً لقرارات الأمم المتحدة وللنظام الدولي بأكمله”، مما حاول توضيحه إثر رد فعل إسرائيلي وأميركي، فقال إن الموقف الأميركي لم يتغير باعتراف ترمب بتبعية الجولان لإسرائيل عام 2019.
الخلاصة أن سوريا تخطو خطوات هائلة نحو التعافي والاندماج في المجتمع الدولي، ولكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات داخلية أكثر من التحديات الخارجية، فسوريا مطالبة بوضع دستور دائم تتوافق عليه فئات الشعب المختلفة، ويوضح نصاً وممارسة أن المواطنين السوريين سواسية أمام القانون، ويلجم من يحاول ممارسة البلطجة الارتدادية ضد الأقليات أو حتى العلويين الذين ساموا معظم الشعب السوري الخسف على مدى خمسة عقود. فسوريا لا تزال تُحكم وفق “الإعلان الدستوري” الذي أعلن العام الماضي والذي مدته خمس سنوات فقط، مما يعني أنها في سباق مع الوقت لخلق أجواء من التعايش السلمي الاجتماعي ومحاربة الفساد وإبعاد المتطرفين من المشهد، فالمتابع للصورة السياسية السورية لا يمكنه إغفال حضور المتطرفين والمتحزبين بخلفيات دينية متشددة لا تتوافق مع مبدأ التعايش السلمي والتوافق الاجتماعي بين فئات المجتمع السوري المتنوع.
ينتظر سوريا مستقبل باهر إن هي سارعت في تثبيت أسس الدولة المدنية التي يتعايش بها الجميع بسواسية، وإن هي وضعت خطوطاً حمراء من الشفافية المبكرة بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولديها قدرات هائلة ستنهض بها بعد ليلها الطويل إن هي أحسنت استغلالها وإدارتها.
