يتمنّى اللبنانيّون لو أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة أحبّت بلدهم أقلّ، ولم تضعه في القلب كما فعلت سفارتها في بيروت عبر منشور ظهرت فيه خريطة لبنان وسط خريطة إيران. أدّى كلّ هذا الحبّ الإيرانيّ إلى جعل مصير البلد وجنوبه في مهبّ الريح، وإلى عودة الاحتلال الإسرائيليّ بعد غياب استمرّ ستّة وعشرين عاماً… منذ أيّار من العام 2000. حصل ذلك كلّه بفضل الحبّ الإيرانيّ للبنان، وهو حبّ من النوع الذي بات ينطبق عليه المثل القائل “إنّ من الحبّ ما قتل”.
ليس ما يصدر عن إيران حاليّاً من كلام فارغ عن كلّ هذا الحبّ للبنان، بما في ذلك إنكار وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي “مسؤوليّة الجمهوريّة الإسلاميّة” عن عودة الاحتلال، سوى محاولة ميؤوس منها لتغطية سياسة فاشلة قامت على مسلّمات كان معمولاً بها في الماضي.
إذا لم تكن إيران التي ورّطت “الحزب” في حربَي “إسناد غزّة” و”إسناد إيران”، فليقل لنا السيّد عراقجي وغيره: مَن وراء عودة الاحتلال الإسرائيليّ؟ لماذا لم تغتنم إسرائيل حرب 1967 لإحتلال أرض لبنانيّة؟ أكثر من ذلك، لماذا انسحبت إسرائيل في العام 2000 من الجنوب تنفيذاً للقرار 425؟
لو وجدت إسرائيل أنّ من المهمّ لها البقاء في جنوب لبنان، لكانت فعلت ذلك، بغضّ النظر عن الكلفة. كان ياسر عرفات، الزعيم التاريخيّ للشعب الفلسطينيّ يعتقد أنّ في استطاعته تكرار تجربة جنوب لبنان في الضفّة الغربيّة. أظهرت التطوّرات الفارق الكبير بين الجنوب اللبنانيّ والضفّة. هذا ما أثبتته الأحداث مراراً وتكراراً.
المؤسف بالنسبة إلى إيران أنّ المسلّمات، التي آمنت بها في الماضي، لم تعُد قائمة حاليّاً. في مقدَّم هذه المسلّمات التي كان معمولاً بها، أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” خاضت كلّ حروبها منذ انتهاء الحرب مع العراق 1988، عبر أدوات لها من نوع “الحزب” الذي كان يصلح لكلّ المهمّات.
لعب “الحزب” دوراً محوريّاً في دعم الحوثيّين في اليمن وتأهيلهم عسكريّاً. أمّا دور “الحزب” في الحرب على الشعب السوريّ، فحدّث ولا حرج عن تورّط مباشر في مجازر استمرّت 13 عاماً. ترافقت هذه المجازر مع محاولة لتغيير الديمغرافيا السوريّة، لعلّ وعسى تتراجع السيطرة العدديّة لأهل السنّة في مناطق معيّنة.
إنكار الواقع
ثمّة واقع جديد على الأرض اللبنانيّة. ترفض إيران الاعتراف بهذا الواقع الذي يستحيل فصله عن الحدث السوريّ. لو لم يكن هذا الواقع قائماً لما صدر البيان الأميركيّ – اللبنانيّ – الإسرائيليّ إثر جولة المفاوضات الأخيرة التي انعقدت في واشنطن. للبيان أهمّيّة استثنائيّة، وهو حدث تاريخيّ بكلّ ما للكلمة من معنى. جاء في البيان: “وقّع لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتّحدة، بياناً يعلنان فيه أنّه ليست لديهما أيّ نيّات عدائيّة أحدهما تجاه الآخر”.
مثل هذه العبارة الواردة في البيان تعني بكلّ بساطة طيّ صفحة تاريخيّة بين لبنان وإسرائيل. إنّها عودة إلى ما قبل مرحلة اتّفاق القاهرة المشؤوم للعام 1969 الذي كان إلغاءً لبنانيّاً من جانب واحد لاتّفاق الهدنة الموقّع في 1949. حمت الهدنة لبنانَ من نتائج حرب 1967. يبدو واضحاً أنّ السياسيّين اللبنانيّين كانوا يرفضون وقتذاك الاستفادة من نتائج حرب 1967 واستخلاص العبر من قدرة لبنان، في حينه، على تفادي الاحتلال.
استثمرت إيران – “الثورة الإسلاميّة” مليارات الدولارات في لبنان بدءاً بتغيير طبيعة الطائفة الشيعيّة ووضع يدها على مفاصل النظام اللبنانيّ. ربطت بين النظامين اللبنانيّ والسوريّ. لا حاجة إلى الإشارة إلى شبكة المصالح التي ربطت “الحزب” وعصابات تابعة للنظام السوريّ تتعاطى في مجال التهريب.
عندما نأخذ في الاعتبار حجم الخسائر التي مُني بها مشروعها التوسّعيّ في المنطقة، من الطبيعي تصرّف “الجمهوريّة الإسلاميّة” بالطريقة التي تصرّفت بها وإن في حدود معيّنة تراعي مواقع القيادات اللبنانيّة. ما ليس طبيعيّاً يتمثّل في رفض الاعتراف بأنّ أكثريّة اللبنانيّين خارج المشروع التوسّعيّ الإيرانيّ وتعارضه بقوّة.
يعبّر عن هذا التوجّه اللبنانيّ كلام رئيس الجمهوريّة جوزف عون الذي لم يعد يتردّد في تسمية الأشياء بأسمائها مثل قوله لـ”الحرس الثوريّ”: “لبنان بلدنا وليس بلدهم… ونعيم قاسم لا يمثّل الشعب اللبنانيّ”. كذلك يأتي كلام رئيس الحكومة نوّاف سلام الذي يدعم هذا التوجّه اللبنانيّ المستقلّ. يعرف نوّاف سلام اختيار اللحظة المناسبة لاتّخاذ موقف وطنيّ ذي أبعاد عدّة تتجاوز حدود لبنان في الوقت ذاته. يعبّر عن ذلك موقف من نوع افتتاح بدء العمل بمطار رينيه معوّض في القليعات.
بعض التّواضع
بعض التواضع ضروريّ في ما يخصّ تصرّفات المسؤولين الإيرانيّين. يفترض بهؤلاء أخذ العلم أنّ العالم تغيّر وأنّه ليس كافياً إعلان “الحرس الثوريّ” رفضه للبيان المشترك اللبنانيّ – الإسرائيليّ (الأميركيّ) كي يصير هذا البيان حبراً على ورق. رحلت الأيّام التي كان فيها “الحرس الثوريّ” يقرّر عن هذه الدولة أو تلك.
يمكن إعطاء مثل حيّ على ذلك أنّ السفير الإيرانيّ في صنعاء في 2020 و2021 كان يدعى حسين إيرلو. كان إيرلو ضابطاً في “الحرس الثوريّ”. صدرت وقتذاك مبادرة سعوديّة من أجل الحرب الدائرة بين قوّات التحالف والحوثيّين. سارع إيرلو في تغريدة له إلى رفض المبادرة وذلك قبل العودة إلى الحوثيّين.
حدث الشيء ذاته في لبنان، قبل أيّام قليلة. المشكلة أنّ “الحرس الثوريّ” يرفض الاعتراف بأنّ المنطقة كلّها تغيّرت وأنّ لبنان جزء من هذه المتغيّرات التي ترفض طهران رؤيتها تحدث. ترفض ذلك على الرغم من أنّها تدور أمامها، بل إنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” مسرح من مسارح التغيير…
