ملخص
تل أبيب لا شك ترصد وتراقب من كثب الإجراءات والتحضيرات التي يقوم بها النظام استعداداً لتشييع جثمان المرشد الأعلى علي خامنئي في الثلث الثاني من شهر محرم المقبل، أي في النصف الثاني من يونيو الجاري، وكيف تحاول طهران إظهار تماسكها الداخلي وقدرة النظام على الاستمرار، وهو أمر يُراد منه أن يكون رداً إيرانياً على شن الحرب.
عندما وضع المرشد الأعلى السابق الإطار العام للموقف الإيراني من الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في سوريا، كان يدرك أن التداعيات أو كرة ثلج ما سمي بثورات الربيع العربي، ستنتهي إلى تغيير جيوسياسي كبير في الشرق الأوسط، لن يكون في صالح إيران ومشروعها. لذلك كان واضحاً في رسم معادلته، التي تربط بين الدفاع عن دمشق والدفاع عن طهران، وأن سقوط الأولى سينتج حتماً سقوطاً للثانية أو انكشافاً لها أمام أي محاولة إسقاط
إلا أن اغتيال حسن نصرالله أمين عام “حزب الله” في لبنان والانتكاسة التي تعرض لها الحزب أمام الهجوم الإسرائيلي الواسع الذي تعرض له لبنان، سهل على هذه القيادة استيعاب وإدراك حجم التداعيات المقبلة على المنطقة، بالتالي مهد لها الأرضية لاستيعاب واحتواء نسبي للمتحول الذي حصل في سوريا أواخر عام 2024 وانهيار النظام الحاكم وهرب رئيسه بشار الأسد وما يعنيه ذلك من خسارتها للساحة والجغرافيا السورية التي شكلت رأس الجسر الرابط بين طهران وتفرعات نفوذها الإقليمي. وأن المنطقة قد دخلت في مسار مختلف سيفرض عليها حقائق جديدة كانت ترفض الاعتراف بإمكانية حصولها.
وإذا ما كانت القيادة الإيرانية تدرك أنها تقع في أشد المناطق الجيوسياسية تعقيداً في العالم، والأخطر في منطقة غرب آسيا، فإنها تحاول ألا تسمح لخصومها بتحويل هذا القدر الجغرافي عبئاً على طموحاتها، أو مصدراً لتهديد مشاريعها ومخططاتها، من خلال اختيار طريقة توظيف هذا الموقع الجيوسياسي في رسم سياساتها، بحيث تكون قادرة على حماية مصالحها ومستقبل وجودها في المعادلات الإقليمية، وتضمن استقرارها الداخلي. وتحاول مواجهة أي خلل في التعامل مع أي تهديد قد يستهدف هذا الموقع والدور الجيوسياسي.
انطلاقاً من هذه المعادلة، من السهل فهم التصعيد العسكري الذي وقع بين القوات الإيرانية والأميركية على خلفية إسقاط مروحية الأباتشي الأميركية في مياه مضيق هرمز. والذي دفع واشنطن لشن هجمات مركزة على بعض المنشآت والأصول العسكرية والأمنية في بعض الجزر والمدن الساحلية الإيرانية، وما استتبعه من رد إيراني. فالمعادلة الإيرانية القديمة الجديدة تقوم على أن إيران قادرة على حماية حدودها المباشرة والدفاع عنها وإمكانية استردادها في حال تعرضت للاحتلال المباشر، إلا أن المتشددين في النظام يحاولون منع ما يعتبرونه خسارة أي موقع جيوسياسي في الإقليم.
من هنا جاءت المعادلة الإيرانية الجديدة، والتي كانت المسوغ والدافع للعملية العسكرية التي أطلقت عليها اسم “نصر” وضربت بها إسرائيل بعد الغارة التي قامت بها تل أبيب على الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت معقل “حزب الله”. فالمعادلة الإيرانية تنظر إلى الجبهة اللبنانية كخط دفاع أول عن طهران، وأن استهداف الضاحية البيروتية هو استهداف للعاصمة طهران، وأن خسارة أي منطقة في الجنوب اللبناني أمام الإسرائيلي تعد بمثابة خسارة منطقة من العاصمة الإيرانية.
هذا الموقف الإيراني، يعني أن طهران وقياداتها تريد إيصال، بأنها ما زالت تتمسك بالسقف الذي طالبت به في مفاوضات وقف الحرب في إسلام آباد، وأن أي اتفاق يجب أن يضمن جميع الجبهات وتحديداً لبنان، انطلاقاً من محاولة تثبيت معادلة واضحة في عقيدتها العسكرية بأن الجبهة اللبنانية ليست جبهة فرعية يمكن أن تستغلها تل أبيب لتنفيذ أهدافها داخل لبنان والمنطقة، بل هي جزء من استراتيجية وحدة الساحات، وعمق استراتيجي للأمن القومي الإيراني. وأن ما يشهده محطيها الجغرافي من مواجهات مع القوات الأميركية بين فترة وأخرى لا يمكن أن يشغلها عما يدور على الساحة اللبنانية، وهي على استعداد واستنفار دائم لجميع قطاعاتها الصاروخية والطيران المسير للرد والتدخل.
المشهدية التي ترسمها هذه المواجهات بين واشنطن وطهران من جهة، وطهران وتل أبيب من جهة أخرى، باتت مرتبطة بوضوح بأي تقدم قد تحرزه مفاوضات وقف إطلاق النار والأوراق التفاوضية المطروحة على الطاولة، وارتباط كل ورقة لدى طرف بورقة الطرف الآخر. وأن المسار الذي تأخذه التطورات بين الطرفين، قد لا ينسجم مع الرغبة أو التمنيات التي يعبر عنها الطرفان.
قد يكون الاتفاق النهائي، أو الإعلان عنه في حاجة لأسابيع قليلة، قد لا تتعدى النصف الأول من يوليو (تموز) المقبل، في حال سيطرت الإيجابية على الأوراق المتبادلة بين واشنطن وطهران، وما لم يعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى محاولة نسفها أو عرقلتها أو التدخل لإفشالها، وبخاصة إذا ما شعر الأخير بأن الاتفاق قد يسهم في إعادة تثبيت المعادلة الإقليمية لمصلحة إيران ولو نسبياً، لا سيما على الساحة اللبنانية، وما يعنيه ذلك من ضربة بطعم الهزيمة لمشروع وموقع إسرائيل على الخريطة الإقليمية ومعادلاتها. فتل أبيب لا شك ترصد وتراقب من كثب الإجراءات والتحضيرات التي يقوم بها النظام استعداداً لتشييع جثمان المرشد الأعلى علي خامنئي في الثلث الثاني من شهر محرم المقبل، أي في النصف الثاني من يونيو (حزيران) الجاري، وكيف تحاول طهران إظهار تماسكها الداخلي وقدرة النظام على الاستمرار، وهو أمر يُراد منه أن يكون رداً إيرانياً على شن الحرب.
