ملخص
يحذر الكاتب من أن سياسة ترمب القائمة على العقوبات والتهديد العسكري قد تدفع كوبا إلى الفوضى أو حرب استنزاف من دون تحقيق تغيير حقيقي. ويرى أن المفاوضات وتخفيف العقوبات مقابل إصلاحات اقتصادية وسياسية تمثل الطريق الأكثر واقعية، فيما يبقى مستقبل الجزيرة مرهوناً بقدرة الكوبيين أنفسهم على إعادة بناء بلدهم.
على الشواطئ الواقعة شرق هافانا، لا يزال بإمكانك مشاهدة بقايا صدئة لأبراج مراقبة على أسطح المباني الممتدة على طول الساحل الشمالي للجزيرة. وقد شُيدت هذه الأبراج في أوائل ستينيات القرن الـ20، بعد فشل غزو خليج الخنازير، وكان الهدف منها توفير إنذار مبكر بأي هجوم تشنه الولايات المتحدة، أو “الإمبراطورية” بحسب مصطلحات الثورة الكوبية. ولكن عندما رأيتها عام 2002، خلال فترة إقامتي في البلاد بصفتي موظفاً شاباً في السلك الدبلوماسي الأميركي، بدت لي وكأنها آثار من حقبة ولت، نصُب تذكارية شاهدة على عجز الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عن تقبل نهاية الحرب الباردة، ومن ثم تقبل فقدان الجزيرة أهميتها الجيوسياسية. وعلى رغم توتر العلاقات مع إدارة بوش، وتبادل التصريحات الحادة بين الجانبين، فإن هافانا كانت في أحسن الأحوال قضية هامشية بالنسبة إلى البيت الأبيض المنشغل بتوسيع حلف “الناتو”، وإدارة العلاقات مع الصين، وخوض الحروب في الشرق الأوسط. وقد بدا من السخف تماماً الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تكلف نفسها يوماً عناء غزو كوبا.
لكن ذلك كان في الماضي. أما اليوم، وبعد عقدين من الزمن، تُهدد واشنطن بالفعل بمهاجمة الحكومة الثورية في كوبا. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة “سي أن أن” في السادس من مارس (آذار) الماضي، بينما كانت سفن بحرية أميركية تبحر حول الجزيرة: “كوبا ستسقط قريباً جداً”. وبعد أسابيع قليلة، صرح الرئيس في منتدى للأعمال أن كوبا “ستكون الهدف التالي” بعد إيران. وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل حصاراً نفطياً شبه شامل على البلاد، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن معظم أراضيها. وبسبب العقوبات الأميركية وسوء الإدارة الداخلية في هافانا، تواجه البلاد كارثة اقتصادية. وعلى رغم أن الحكومة الكوبية نجت من توقعات سابقة بانهيارها، فإن مراقبين كثيرين يشعرون أن هذه المرة قد تكون مختلفة. فترمب، في نهاية المطاف، قد أوفى مرتين بوعود شن هجمات على خصوم الولايات المتحدة. ومن الواضح أن النموذج الذي اعتمدته الحكومة الكوبية قد استنفد غرضه وفقد دعم كثير من المواطنين الذين ساندوه في الماضي. وباتت رغبة الكوبيين في التغيير واضحة للعيان.
منذ أوائل ستينيات القرن الـ20، أرادت الإدارات الأميركية المتعاقبة رؤية سقوط الحكومة الشيوعية في كوبا، إلا أن معظمها تجنب اللجوء إلى القوة العسكرية لتغيير النظام، إلى أن تولت الحكم إدارة ترمب الثانية. وفي الواقع، لدى الولايات المتحدة مصالح سياسية مشروعة في الجزيرة، تشمل منع استخدامها كأداة في يد القوى الجيوسياسية المنافسة، وإدارة ملف الهجرة، وحَل مطالبات الأميركيين المتعلقة بالممتلكات (التي صودرت بعد الثورة الكوبية). وقد أبدت الحكومة الكوبية استعدادها لأن تناقش مع الولايات المتحدة بعض هذه القضايا، مثل الهجرة.
لكنها رفضت بشدة أي نقاش يتعلق بطبيعة نظام الحكم فيها، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة المشكلة الأساسية في الجزيرة. ويرى فريق ترمب فرصة تاريخية لتجاوز مقاومة الحكومة الكوبية وإنهاء الحقبة الثورية. إلا أن شن حرب على كوبا من غير المرجح أن يحقق التغيير الذي يسعى إليه ترمب. فالنظام الكوبي قد لا يكون بنفس صلابة النظام الإيراني، لكن قادته أكثر تجذراً في السلطة مما كان عليه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لذا فإن أي محاولة للإطاحة بهم لن تُسفر على الأرجح عن نصر سريع، بل ستفتح الباب أمام مجموعة احتمالات خطرة، مثل تمرد دموي طويل الأمد أو انهيار الأسس المجتمعية.
وبدلاً من محاولة فرض التغيير على كوبا بالقوة، ينبغي لإدارة ترمب استخدام نفوذها للانخراط في الدبلوماسية. عليها أن تتعهد بالامتناع عن أي عمل عسكري إذا نأت هافانا بنفسها عن خصوم الولايات المتحدة. وعليها أن تعرض تخفيف الضغوط الاقتصادية مقابل إصلاحات داعمة للسوق وانفتاح سياسي. كما عليها أن تراجع بشكل عاجل كيف يمكن لنظام العقوبات الذي تفرضه أن يكبح، على نحو متناقض، الإصلاحات التي كثيراً ما سعت إليها. وأخيراً، عليها أن تدفع نحو تمكين الشعب الكوبي، وإطلاق العنان لإبداعه الاقتصادي والسياسي. وقد لا يؤدي ذلك إلى تحويل الجزيرة إلى دولة ديمقراطية على الفور، لكنه سيساعد بشكل مباشر الفئة التي يُفترض أن تستفيد من السياسة الأميركية، أي المواطنين الكوبيين، ويمهد الطريق لتعافٍ وطني مستدام.
الانزلاق التدريجي نحو الحرب
منذ يناير (كانون الثاني) 2025، فرضت إدارة ترمب قيوداً متصاعدة على كوبا فيما يبدو أنه محاولة لتحطيم اقتصاد الجزيرة. فإلى جانب فرض حصار نفطي، وسعت الولايات المتحدة نطاق العقوبات ضد الكيانات الحكومية الكوبية. كما أدرجت وزارة الخزانة الأميركية عدداً متزايداً من المسؤولين الكوبيين وأفراد أسرهم على قوائم العقوبات. والأهم من ذلك، أصدرت إدارة ترمب أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع مجموعة “غايسا” (GAESA) العملاقة المملوكة للجيش الكوبي. وقد دفع ذلك المستثمرين الأجانب والشركاء الاقتصاديين القدامى، مثل شركة “هاباغ لويد” للشحن وسلسلة فنادق “إيبيروستار”، إلى مغادرة الجزيرة. وما زاد من عزوف هؤلاء المستثمرين هو النشاط البحري الأميركي قرب المياه الكوبية، إلى جانب تكثيف طلعات المراقبة الجوية الأميركية، مما لا يترك مجالاً للشك في شأن خطر التعرض لهجوم.
في الحقيقة، لقد غيرت إجراءات إدارة ترمب حسابات هافانا. ويبدو أن القادة الكوبيين مقتنعون، ولديهم أسباب وجيهة لذلك، بأن هذه الخطوات تمثل تمهيداً لهجوم أو غزو عسكري أميركي. ومع ذلك، فشلت التحركات الأميركية حتى الآن في إجبار الحكومة الكوبية على إجراء إصلاحات جادة. وهناك سببان بسيطان لهذا الجمود: أولاً، كثيراً ما قاومت القيادة الكوبية إصلاحات مثل توسيع دور القطاع الخاص لأنها تخشى أن تؤدي هذه الخطوات إلى تقويض سلطتها بشكل لا رجعة فيه. ثانياً، لا يثق القادة الكوبيون في أن المسؤولين الأميركيين سيقدمون تخفيفاً للعقوبات مقابل التغيير. وبدلاً من ذلك، فقد استنتجوا على ما يبدو أن إدارة ترمب مصممة على إزاحتهم من السلطة مهما كلف الأمر، مثلما فعلت مع مادورو في فنزويلا ومع المرشد الأعلى علي خامنئي ودائرته المقربة في إيران. ونتيجة لذلك، لا يرون فائدة تُذكر من محاولة استرضاء واشنطن.
وبالطبع، قد يكون هؤلاء المسؤولون على حق. فقد فضل ترمب استخدام القوة على الدبلوماسية خلال ولايته الثانية، ولذلك قد يكون بالفعل بصدد التحضير لقتل الرئيس الكوبي ميغيل دياز- كانيل والرئيس السابق راؤول كاسترو (الذي لا يزال شخصية رمزية ونافذة على رغم بلوغه الـ95 من عمره) أو اعتقالهما. وقد تحاول إدارة ترمب بعد ذلك استبدال قيادة مستعدة للتخلي عن النظام الثوري في البلاد لصالح التعاون مع الولايات المتحدة بهما.
العقيدة العسكرية الكوبية مبنية حول خوض تمرد طويل الأمد ضد أي قوة احتلال
لكن العملية في فنزويلا نجحت لأن أعضاء نظام مادورو، وعلى رأسهم نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، بدوا وكأنهم توقعوا إطاحته وكانوا على أهبة الاستعداد للتعاون مع المطالب الأميركية. ولكن من المستبعد أن يتكرر مثل هذا السيناريو في هافانا، فالحكومة الكوبية أكثر رسوخاً وتماسكاً بكثير مما كانت عليه حكومة مادورو. وهي تحكم البلاد منذ 67 عاماً. ولا توجد مؤشرات إلى وجود انقسامات سياسية أو شخصية عميقة بين كبار مسؤوليها، لذا فليس هناك ما يوحي بوجود شخصية شبيهة برودريغيز تنتظر فرصة تولي القيادة. (وقد أقر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بذلك خلال شهادته أمام الكونغرس في الثالث من يونيو “حزيران” الجاري).
وحتى لو كانت هناك شخصية شبيهة بـ”ديلسي” في كوبا، فإن السلطة في الجزيرة موزعة على نطاق واسع بحيث يصعب على شخص واحد أن يرسخ سيطرته بسرعة. فحتى قبل وفاة فيدل كاسترو عام 2016، كان النظام الكوبي يُدار فعلياً على يد مجموعة من المسؤولين المنتمين إلى مراكز نفوذ مختلفة. فالمكتب السياسي للحزب الشيوعي، والرئاسة، والقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، ومديرو الشركات الحكومية والشركات شبه الحكومية، وقادة الأقاليم، جميعهم يتمتعون بنفوذ حقيقي. لذا، فإن إبرام صفقة مع الحكومة الكوبية يتطلب من الولايات المتحدة الحصول على موافقة مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة المؤثرة. وربما أدى توجيه الاتهام الفيدرالي الأخير إلى راؤول كاسترو على خلفية إسقاط الطائرات المدنية الأميركية عام 1996 إلى زيادة مخاوف قادة البلاد من النوايا الأميركية.
وبالطبع، سيواجه المسؤولون الكوبيون صعوبة بالغة في مقاومة أي عملية عسكرية أميركية. فمساحة الجزيرة لا تزيد إلا قليلاً على خمسة في المئة من مساحة إيران، كما أن قواتها المسلحة أصغر بكثير وأكثر تهالكاً. ومن المرجح أن تدمر القدرات العسكرية الكوبية بمعظمها خلال ساعات أو أيام قليلة. لكن هذا لا يعني أن النتيجة ستكون تغييراً سهلاً للنظام، فالعقيدة العسكرية الكوبية تقوم على مفهوم “حرب الشعب بأسره” الذي يفترض خسارة أي صراع تقليدي أمام الغزاة الأميركيين، يليه الانتقال إلى تمرد طويل الأمد ضد قوة الاحتلال. وقد جرى بالفعل توزيع مخابئ للأسلحة في أنحاء البلاد، كما أنشئت هياكل دعم أخرى لتسهيل المقاومة غير النظامية التي تدربت عليها الوحدات الكوبية منذ أعوام طويلة. وحتى لو لم يكن المواطنون الكوبيون العاديون يؤيدون حرب العصابات، فهناك احتمال بأن يتحصن الجنود ويحولوا حياة القوات الأميركية إلى جحيم.
السلام من أجل الازدهار
من غير المرجح أن تؤدي سياسة “الضغط الأقصى” والعمل العسكري إلى تغيير كوبا بالطريقة التي تريدها واشنطن. لكن ثمة خيار آخر يتمثل في إجراء مفاوضات ثنائية جوهرية وشاملة. بعبارة أخرى، ينبغي للولايات المتحدة استخدام الترغيب والترهيب معاً لتغيير حسابات كوبا، واعدة بتخفيف العقوبات والضغوط وتقديم الضمانات الأمنية مقابل تبني سياسات أفضل.
بيد أن تحقيق ذلك يتطلب أن يتمكن الطرفان من التواصل المباشر عبر قنوات ثابتة ورفيعة المستوى. ويجب أن يوفر مثل هذا الترتيب للطرفين فرصةً للتحدث بسرية وبعيداً من الأضواء. لقد أمضيتُ إلى جانب بن رودس قرابة عامين، مشاركاً في محادثات أسهمت في تمهيد الطريق للانفتاح الدبلوماسي الذي أطلقه الرئيس باراك أوباما تجاه كوبا. وكانت تلك المناقشات صعبة في كثير من الأحيان، ولم نَبنِ أوهاماً بأننا سنُقنع نظراءنا بوجهات النظر الأميركية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن التواصل المباشر والقدرة على التحدث بصراحة في شأن مواقف قادتنا على مدى أسابيع وأشهر كانا عنصرين حاسمين في نجاح جهودنا.
وكانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى هافانا في الـ14 من مايو (أيار) الماضي فرصة سانحة محتملة لإنشاء مثل هذه القناة عبر وزارة الداخلية الكوبية النافذة. وعلى نحو مماثل، كانت زيارة قائد القيادة الجنوبية الأميركية، فرانسيس دونوفان، إلى الجزيرة بعدها بأسبوعين واعدةً أيضاً، إذ تَواصلَ مع أصحاب النفوذ داخل القوات المسلحة الكوبية. وغالباً ما تكون هذه الاتصالات أكثر فاعلية عندما تتواصل الفرق نفسها مع بعضها بعضاً على مدى فترة زمنية بدلاً من عقد اجتماعات متفرقة من دون متابعة. فالألفة تساعد، حتى في غياب الثقة.
وبعد إنشاء قنوات اتصال مستدامة، يمكن للبلدين الانتقال إلى مسائل أكثر جوهرية. وقد يبدأ المفاوضون الأميركيون بالمسائل التي تهم الولايات المتحدة بصورة أكثر إلحاحاً بدلاً من التركيز على القضايا الداخلية التي ستكون كوبا أكثر تحفظاً تجاه مناقشتها. فعلى سبيل المثال، يمكن لواشنطن أن تطالب هافانا بإزالة مواقع التنصت الصينية والروسية التي تتيح لبكين وموسكو اعتراض الاتصالات العسكرية الأميركية، إلى جانب أهداف أخرى. وفي المقابل، يمكن لواشنطن أن تتعهد بعدم مهاجمة الحكومة الكوبية. كما يمكن لكوبا أن تعرض إزالة العوائق التي تعرقل الاستثمار الأجنبي، وبخاصة تلك التي تحد من نمو القطاع الخاص في البلاد. وبدورها، قد تُقدم الولايات المتحدة، على سبيل المثال، مساعدةً تقنية للنظام المصرفي الكوبي لدعم الإصلاحات اللاحقة.
بعد ذلك، ينبغي لإدارة ترمب أن تنتقل إلى تشجيع الإصلاحات السياسية الداخلية. فقد تتعهد، على سبيل المثال، برفع القيود التجارية تدريجاً وتقديم أشكال أخرى من الدعم الاقتصادي إذا منحت كوبا منتقدي النظام مساحة أكبر، وتوقفت عن اعتقال المعارضين، وأطلقت سراح جميع السجناء السياسيين المتبقين، وبدأت في تخفيف القيود المفروضة على استخدام الإنترنت وعلى وسائل الإعلام غير الحكومية. وعلى رغم أن هذه الخطوات لن تؤدي بحد ذاتها إلى تحقيق تحول ديمقراطي في البلاد، إذ لا تزال دولة شديدة السلطوية، فإنها قد تضع كوبا في الأقل على مسار أكثر انفتاحاً وليبرالية.
أرض الفرص
لن تكون إدارة ترمب قادرة على رفع جميع القيود الأميركية المفروضة على الجزيرة بشكل أحادي، إذ هناك عقوبات عدة منصوص عليها في القانون الأميركي، كذلك فإنها قد لا تدرك تماماً مدى مساهمة هذه القيود في إجهاض أي انتعاش اقتصادي محتمل في كوبا. ومن ثم سيتعين على مسؤولي ترمب إقناع الكونغرس بالتراجع عن هذه القيود أو في الأقل منح الرئيس صلاحية القيام بذلك لاحقاً. ولن تكون هذه مهمة سهلة. فقد أيد الجمهوريون وبعض الديمقراطيين في الكونغرس أعواماً طويلة العقوبات التي تهدف إلى تغيير النظام في كوبا. ومع ذلك، فإن إدارة ترمب في موقع فريد قد يمكنها من دفع مجلسي النواب والشيوخ إلى تغيير المسار. فترمب يحظى بولاء شبه كامل من الجمهوريين، وقد اكتسب قدراً كبيراً من الصدقية بين الأميركيين من أصل كوبي. فقد نال الرئيس، على سبيل المثال، إشادة واسعة من الجالية الكوبية في الخارج بسبب عقوباته الأكثر صرامة ولائحة الاتهام الموجهة لراؤول كاسترو. ويتعين عليه الآن تشجيع الأميركيين من أصل كوبي وداعميهم في الكونغرس على قبول مرونة أكبر في تطبيق العقوبات على كوبا، باعتبارها أوراقاً تفاوضية مقابل تحقيق تقدم سياسي واقتصادي كوبي، فضلاً عن دعم إجراء تعديلات سريعة على الحصار الاقتصادي الأميركي كي لا يتحول إلى عائق أمام جهود الإصلاح.
وفي سبيل إقناع كل من الأميركيين من أصل كوبي وأعضاء الكونغرس، يمكن للبيت الأبيض أن يشير إلى ما حدث في نيكاراغوا خلال العقود التي تلت هزيمة الرئيس دانييل أورتيغا في انتخابات عام 1990. كان أورتيغا، وهو الثوري الحليف لكوبا الذي وصل إلى السلطة عام 1979، يمثل توسع النفوذ السوفياتي في أميركا الوسطى. وقد استجلب مزيداً من العداء الأميركي وقيوداً فرضها الكونغرس على المساعدات المقدمة إلى نيكاراغوا، بسبب مصادرته منازل وشركات ومزارع تعود إلى أثرياء نيكاراغوا وإلى رعايا أجانب، بمن فيهم الأميركيون. وعلى رغم أن الولايات المتحدة شنت حرباً بالوكالة ضد حكومة أورتيغا من خلال دعمها حركة “الكونترا”، فإن أورتيغا خسر السلطة في نهاية المطاف أمام فيوليتا تشامورو، وهي شخصية موالية للولايات المتحدة، في انتخابات كانت حرة ونزيهة بصورة غير متوقع عام 1990. وقد ابتهج خصوم أورتيغا في الكونغرس بسقوطه، لكنهم رفضوا رفع القيود المفروضة على المساعدات بعد فوز تشامورو (بل إنهم وسعوها). ونتيجة لذلك، استمر الاقتصاد النيكاراغوي في المعاناة، وعام 2007 استعاد أورتيغا السلطة، ومنذ ذلك الحين وهو يحكم البلاد كديكتاتور.
في الواقع، لا تستطيع الولايات المتحدة، بمفردها، حل جميع المشكلات الاقتصادية التي تعانيها كوبا. فحتى قبل تشديد الضغوط الأميركية في عهد ترمب، كانت الجزيرة تواجه نقصاً حاداً في الموارد. فقد انكمش الاقتصاد الكوبي بنسبة 11 في المئة بين عامي 2019 و2024، وفقاً للأمم المتحدة، وانخفض إنتاج الكهرباء بنسبة 25 في المئة خلال الفترة نفسها تقريباً. وتعاني البلاد تضخماً مزمناً منذ أن وحدت بصورة متعثرة نظامها النقدي المزدوج عام 2021. أما المصدر الأكبر للعملة الصعبة في الجزيرة، وهو قطاع السياحة، فلم يتعافَ بشكل كامل من جائحة كورونا، إذ انخفض نشاطه بنسبة 62 في المئة بين عامي 2018 و2025. إضافة إلى ذلك، غادر البلاد 1.7 مليون كوبي بين عامي 2020 و2024، مما أدى إلى استنزاف القوة العاملة. ولحل هذه المشكلات، يجب على الحكومة الكوبية توسيع دور القطاع الخاص بصورة جذرية، والتخلي عن أنواع الضوابط الاقتصادية التي تخلت عنها دول حليفة مثل الصين وفيتنام منذ زمن طويل. فعلى سبيل المثال، يتعين على الحكومة الكوبية إلغاء القيود المفروضة على عدد الموظفين الذين يمكن للشركات الخاصة توظيفهم، وتوسيع فرص حصول القطاع الخاص على الائتمان، والسماح بالملكية الخاصة للمزارع، وتمكين المستثمرين الأجانب من توظيف العمال مباشرةً بدلاً من المرور عبر الحكومة.
في النهاية، فإن المواطنين الكوبيين هم من سيحددون مستقبل بلدهم
لكن العقوبات الأميركية أدت دوراً هائلاً في تدمير البلاد، والتعافي غير ممكن ما دامت هذه العقوبات قائمة، بصيغتها الحالية في الأقل. ولذلك ينبغي لواشنطن أن تعود إلى الخطاب الذي تبنته في أوائل عام 2026، عندما أشارت إلى أن الخطوات الإيجابية الي تتخذها كوبا قد تفتح الباب أمام خفض التصعيد وتخفيف الضغوط الاقتصادية. بل ويمكن للمسؤولين الأميركيين ضمان أن أي تخفيف للعقوبات سيسهم في نجاح الإصلاحات الكوبية، وذلك من خلال السماح بزيادة التبادل التجاري الأميركي مع القطاع الخاص الكوبي الناشئ، وإزالة العقبات التي تعوق جهود المواطنين الكوبيين في معالجة مشكلاتهم بأنفسهم.
وإذا تكللت جهود واشنطن بالنجاح، فقد تتمكن الولايات المتحدة من إطلاق العنان لأهم مورد تمتلكه كوبا، وهو شعبها. فعلى رغم أن الاهتمام الدولي يتركز بشكل مفهوم على ما قد تفعله إدارة ترمب بالجزيرة وكيف سترد الحكومة الكوبية، فإن المواطنين الكوبيين هم من سيحددون مستقبل بلدهم في النهاية. وحتى في أحلك الظروف، أثبتت قدرتهم على الصمود وإبداعهم أنهم قوة جبارة. ففي أوائل التسعينيات من القرن الـ20، تحول آلاف الكوبيين إلى مزارعين حضريين بين ليلة وضحاها لمواجهة الأزمة التي أعقبت توقف المساعدات السوفياتية. وإذا كانت السيارات الكوبية من خمسينيات القرن الـ20 تجسد مثالاً استثنائياً على الصمود، فإن ما هو أكثر إثارة للإعجاب ربما هو المراوح والثلاجات والأجهزة الأخرى التي يعود تاريخها إلى أربعينيات القرن الـ20 ولا تزال تعمل بفضل قطع غيار محلية الصنع. وحتى الكوبيون المنهكون والمستنزفون اليوم يمتلكون قدراً كبيراً من الإبداع والطموح، وهم ينتظرون فرصة ليس للبقاء على قيد الحياة فحسب، بل لتسخير تلك الطاقة لإعادة بناء حياتهم ووطنهم.
إن اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وكوبا احتمال وارد بالفعل. لكن مثل هذا الصراع سيكون غير ضروري، ومن المرجح أن يُلحق ضرراً دائماً بكوبا والولايات المتحدة على حد سواء، بدلاً من أن يجلب لكوبا الديمقراطية والازدهار. ولكن لا يزال هناك وقت لتهدئة التوترات بين البلدين من خلال استخدام الضغط الأميركي كأداة دبلوماسية. فمواطنو كلا البلدين يستحقون فرصة لطي صفحة تاريخهم المضطرب، تاركين أبراج المراقبة الصدئة على شواطئ كوبا رمزاً لصراع نجحوا في تجنبه، لا لصراع وقع لا محالة.
ريكاردو زونيغا هو دبلوماسي أميركي متقاعد في السلك الدبلوماسي، شغل منصب مستشار شؤون الأميركتين في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس باراك أوباما بين عامي 2012 و2015، وشارك في الانفتاح الدبلوماسي الذي قاده أوباما تجاه كوبا.
مترجم “فورين أفيرز”، 8 يونيو (حزيران) 2026
