قلّما أثار حدث سياسيّ هذا القدر من الانفعال والشعبويّة والتخوين كما جرى مع اتّفاق 17 أيّار عام 1983 بين لبنان وإسرائيل. يومها، لم يُقرأ الاتّفاق بوصفه محاولة لإنقاذ بلد منهك بالحروب والاجتياحات والانقسامات، بل جرى تصويره كخيانة مطلقة، وكأنّ التفكير في إخراج لبنان من دوّامة الصراع هو في حدّ ذاته جريمة لا تُغتفر.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يبدو المشهد مختلفاً في الشكل، لكنّه متطابق في المضمون: لبنان نفسه ما يزال ساحة مفتوحة، واللبنانيّون أنفسهم ما يزالون يدفعون أثمان صراعات الآخرين، فيما تواجَه أيّ محاولة لإعادة تعريف المصلحة الوطنيّة بالسرديّة العدميّة نفسها، وبالمنطق ذاته الذي دمّر البلد لعقود.
بلا بوّابة ولا سياج
الحقيقة التي يصعب على كثيرين الاعتراف بها، هي أنّ ما تحقّق في اتّفاق 17 أيّار هو بالضبط ما يحلم لبنان بالوصول إليه الآن، ولو بأسماء مختلفة وصيغ مختلفة. البلد الذي ينهار اقتصاديّاً وماليّاً وسياديّاً، ويتآكل رصيده وحضوره وتميّزه، يبحث فعليّاً عن شيء واحد: الاستقرار. والاستقرار لا يولد من الشعارات، بل من تسويات واضحة وشجاعة تضع حدّاً للحروب المفتوحة، وتؤسّس لعلاقات سويّة ومضبوطة ومتوازنة، وتحمي البلد وتركيبته من ديمومة الاشتعال.
حين نقرأ بنود الاتّفاق بعيداً عن العصبيّات والمواقف المسبقة، نكتشف أنّه لم يكن مشروع استسلام كما صُوِّر، بل محاولة لترتيب الحدّ الأدنى من مصالح لبنان. بمعايير ذلك الزمن، كان الاتّفاق محاولة لإخراج البلد من موقع الساحة، وتحويله إلى دولة تملك قرارها وحدودها ومصالحها. لكنّ هذا تحديداً ما لم يكن مسموحاً به. لم يكن حافظ الأسد يريد للبنان أن يخرج من معادلة الصراع. بالنسبة إلى النظام السوريّ آنذاك، كان لبنان ورقة استراتيجيّة لا تجوز خسارتها، وساحة نفوذ ضروريّة لاستمرار دوره الإقليميّ. لذلك أُسقط الاتّفاق بالقوّة السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة، ودُفع اللبنانيّون مجدّداً إلى أتون الحرب والانقسام والاغتيالات والانهيارات.
تكرّر المشهد نفسه لاحقاً لكن بوجه مختلف. بعدما خرج الجيش السوريّ من لبنان، دخل النفوذ الإيرانيّ بثقله الكامل، وأعاد إنتاج الفكرة ذاتها: ممنوع على لبنان أن يصبح دولة طبيعيّة. ممنوع أن يمتلك قرار الحرب والسلم. ممنوع أن يضع حدوداً نهائيّة للصراع. أراد الجميع للبنان أن يبقى ساحة مفتوحة بلا بوّابة ولا سياج، تُستخدم أرضه لتبادل الرسائل الإقليميّة، ويُترك شعبه ليدفع الكلفة من لحمه الحيّ.
الأخطر من ذلك أنّ اللبنانيّين يومذاك ذهبوا بعيداً جدّاً في تخوين بعضهم. لم يكتفوا بإسقاط الاتّفاق، بل أسقطوا معه فكرة الدولة نفسها. تحوّل كلّ نقاش في المصلحة الوطنيّة إلى معركة تخوين، وكلّ محاولة لإعادة تموضع لبنان إلى تهمة. أُبقي البلد في حالة حرب دائمة، فيما كانت مؤسّسات الدولة تنهار تدريجاً، والاقتصاد يتآكل، والهجرة تتحوّل إلى قدر جماعيّ.
لو خرج لبنان عام 1983 من مسار الصراع المفتوح، لكان اليوم في مكان آخر تماماً. هذه ليست مبالغة ولا نوستالجيا سياسيّة، بل قراءة واقعيّة للتاريخ. بلدان كثيرة خاضت حروباً وصراعات ثمّ قرّرت حماية مصالحها الوطنيّة والانتقال إلى مرحلة الاستقرار والتنمية. أمّا لبنان فاختار أن يبقى رهينة. ضاع نصف قرن تقريباً بين الحروب الأهليّة والاجتياحات والوصايات والاغتيالات والانهيارات والانقسامات العموديّة.
كم كان يمكن للبنان أن يوفّر على نفسه من الدماء؟ كم كان يمكن أن تتغيّر صورته الاقتصاديّة والسياحيّة والماليّة؟ كم جيلاً كان يمكن أن يبقى في أرضه بدل أن يهاجر بحثاً عن حياة طبيعيّة؟
ولو سقطت السّماوات
اليوم، ثمّة من يكرّر المنطق نفسه الذي نجح قبل خمسين عاماً في تخريب البلد. نرى حملات التحامل على الدولة، وعلى أيّ محاولة لإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة والمؤسّسات، بالطريقة نفسها التي جرى فيها التحامل على الرئيس أمين الجميّل آنذاك. يومها، حتّى محاولة إنقاذ البلد لم يُسمح للرجل بها، لأنّ القرار كان أكبر من لبنان نفسه. واليوم أيضاً، يبدو أنّ هناك من يريد للبنان أن يبقى أسيراً في لعبة صراع الكبار، وأن يتدمّر عن بكرة أبيه كلّ بضع سنوات، كي تبقى الساحة قائمة، ولو على أنقاض شعب كامل.
المفارقة أنّ كثيرين ممّن أسقطوا اتّفاق 17 أيّار بحجّة حماية لبنان، ساهموا لاحقاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تحويله إلى دولة فاشلة. فهل كانت النتيجة أفضل؟ هل عاش اللبنانيّون بعد إسقاط الاتّفاق في استقرار وازدهار وسيادة أم انتقلنا من حرب إلى حرب، ومن وصاية إلى وصاية، ومن انهيار إلى انهيار؟
لا يكمن الدرس الحقيقيّ من اتّفاق 17 أيّار في تفاصيله السياسية فقط، بل في العبرة التي يقدّمها للّبنانيّين حتّى اليوم: لا يمكن بناء وطن بالشعبويّات القاتلة. لا يمكن إدارة دولة بمنطق الشعارات العاطفيّة وحدها. المصلحة الوطنيّة الكبرى يجب أن تكون فوق كلّ الحسابات الأخرى لأنّها وحدها التي تحمي الناس والدولة والمستقبل. أمّا تحويل لبنان إلى منصّة دائمة للصراعات الإقليميّة، فلم ينتج سوى الخراب.
التّعلّم من التّاريخ
ليس المطلوب اليوم تكرار تجربة الماضي بحذافيرها، ولا استنساخ اتّفاقات سقطت في ظروف مختلفة، بل المطلوب أن يتعلّم اللبنانيّون من تاريخهم. أن يدركوا أنّ الدول تُبنى على الواقعيّة السياسيّة، لا على المزايدات. وأنّ وظيفة أيّ سلطة هي حماية شعبها أوّلاً، لا تحويله إلى وقود دائم في معارك الآخرين.
بعد أكثر من أربعين عاماً على 17 أيّار، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى: كم مرّة يجب أن ينهار لبنان حتّى يقتنع البعض بأنّ بقاء البلد في قلب الصراعات المفتوحة لم يجلب سوى الكوارث؟ كم جيلاً آخر يجب أن يدفع الثمن قبل أن تصبح المصلحة الوطنيّة أولويّة فعليّة لا شعاراً أو فولكلوراً؟
ثمّة درسان هائلان علّمنا إيّاهما التاريخ منذ إسقاط 17 أيّار:
1- إن لم نكن حاضرين على طاولة المفاوضات فسنكون حتماً على قائمة الطعام.
2- ليس هناك أسوأ من فوات الأوان.
يبقى درس ثالث لا بدّ من ترسيخه وتكراره على نحو مستدام: لبنان أوّلاً. لا فوق فوقه. ولو سقطت السماوات.
