دمشق – لم تبدأ احتجاجات المحروقات في سوريا من سؤال سياسي، بل من كلفة الحياة اليومية. رفع أسعار البنزين والمازوت في بلد أنهكته الحرب وأضعفته الأزمات الاقتصادية كان كافياً لإخراج الغضب من محطات الوقود إلى الشوارع. لكن سرعة انتقال الاحتجاجات من الاعتراض على الأسعار إلى رفع مطالب سياسية تفتح سؤالاً أكثر تعقيداً: من يركب موجة الغضب؟ وهل نحن أمام احتجاج اجتماعي حقيقي تحاول أطراف سياسية استثماره، أم أن أخطاء الحكومة نفسها وفرت البيئة التي تسمح بتحويل مطلب معيشي إلى مواجهة سياسية؟
يصعب التقليل من البعد الاجتماعي للاحتجاجات. فقد رفعت وزارة الطاقة سعر المازوت بنحو 40 في المئة، بينما زادت أسعار البنزين بنسب تراوحت بين 26 و28 في المئة، مبررة القرار بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية من الأسواق العالمية، وبأعمال الصيانة في مصفاة بانياس التي تدفع البلاد مؤقتاً إلى الاعتماد بصورة أكبر على استيراد المنتجات النفطية. وتبدو هذه التبريرات مفهومة من الناحية الاقتصادية، لكنها لا تلغي حقيقة أن المواطن هو من يدفع الكلفة المباشرة للقرار.
فالوقود في سوريا ليس سلعة منفصلة عن بقية الاقتصاد. ارتفاع سعره ينتقل سريعاً إلى النقل وأسعار المواد الغذائية والخدمات وكلفة الإنتاج، ويضغط بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة. لذلك فإن الاحتجاج على المحروقات يمكن أن يكون في الوقت نفسه احتجاجاً على تدهور القدرة الشرائية وعلى شعور أوسع بأن كلفة المرحلة الانتقالية تقع على عاتق المواطنين.
وتشير بيانات مجموعة ACLED إلى أن الاحتجاجات لم تكن مجرد مشاهد متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد سجلت المنظمة 36 احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود في 13 سبتمبر وحده، في ست محافظات، وهو ما يؤكد وجود تحرك ميداني حقيقي واتساعاً جغرافياً ملحوظاً. لكن وجود احتجاجات حقيقية لا يعني بالضرورة أن كل ما يحيط بها من صور وروايات وشعارات يعكس المشهد بدقة واحدة.
وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في القصة. فالاحتجاج الاجتماعي يمكن أن يكون حقيقياً، فيما تحاول قوى سياسية مختلفة استثماره وتحديد وجهته. وفي الحالة السورية، يطرح خصوم المرحلة الانتقالية، وبينهم أنصار النظام السابق، احتمالاً قائماً في النقاش العام، خصوصاً عندما تنتقل المطالب بسرعة من الاعتراض على الأسعار إلى استهداف الحكومة والمسؤولين. لكن إثبات وجود دور منظم للفلول يحتاج إلى أدلة تتجاوز انتشار شعارات أو مقاطع على منصات التواصل.
اختزال الاحتجاجات في “أجندة الفلول” قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يفسر لماذا تمكنت الدعوات إلى التظاهر من الانتشار بهذه السرعة
والأكثر أهمية أن اختزال الاحتجاجات في «أجندة الفلول» قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يفسر لماذا تمكنت الدعوات إلى التظاهر من الانتشار بهذه السرعة. فحتى لو وجدت أطراف تحاول ركوب موجة الغضب، فإنها لا تستطيع صناعة الغضب من العدم. هناك أزمة معيشية حقيقية، وقرارات اقتصادية مؤلمة، وفئات اجتماعية باتت أكثر حساسية تجاه أي زيادة جديدة في الأسعار.
كما أن بعض المواد المتداولة على وسائل التواصل تعرضت للتضليل أو إعادة الاستخدام خارج سياقها، وهو أمر متوقع في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب. لكن اكتشاف محتوى مضلل لا يقود تلقائياً إلى استنتاج أن الاحتجاجات نفسها مضللة. فالفرق كبير بين تضخيم حدث حقيقي وتلفيق حدث غير موجود، وبينهما مساحة واسعة من التوظيف السياسي والإعلامي.
وفي المقابل، لا تستطيع الحكومة أن تجعل من احتمال التوظيف السياسي ذريعة لإعفاء نفسها من المسؤولية. فالقرار الاقتصادي هو الذي أشعل الاحتجاجات، وطريقة إعلانه وتوقيته وآليات حماية الفئات الأكثر هشاشة تحدد إلى حد كبير ما إذا كان الغضب سيبقى مطلباً معيشياً أم يتحول إلى أزمة ثقة سياسية.
وتبدو الحكومة أمام معادلة دقيقة: هي تحتاج إلى إصلاح اقتصاد مشوه، وتقليص الاختلالات في قطاع الطاقة، والتعامل مع كلفة الاستيراد، لكنها تفعل ذلك في مجتمع لا يزال يحمل آثار سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي. ومن ثم فإن أي إصلاح يرفع الأسعار من دون إجراءات موازية لتعويض الفئات الأضعف أو تحسين الخدمات يمكن أن ينتج كلفة سياسية تفوق المكاسب المالية المباشرة.
والسؤال في هذه الحالة ليس فقط من يقف وراء الاحتجاجات، وإنما من يستطيع أن يحدد مسارها. فإذا نجحت الحكومة في احتواء الغضب عبر مراجعة القرار أو تخفيف آثاره وشرح أسبابه بوضوح، فقد تبقى الاحتجاجات في إطارها الاجتماعي. أما إذا استمرت الضغوط المعيشية وغياب التواصل السياسي، فقد تجد القوى المعارضة والمرتبطة بالنظام السابق فرصة أكبر لتحويلها إلى منصة لمهاجمة المرحلة الانتقالية برمتها.
لهذا تبدو احتجاجات المحروقات اختباراً مزدوجاً. فهي تختبر قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة من دون خسارة الشارع، وتختبر في الوقت نفسه قدرة القوى المنافسة على استثمار الاحتجاجات وتوجيهها. وبين الاثنين يبقى العامل الأكثر حسماً هو الشارع نفسه: غضبه حقيقي، لكن وجهته لم تُحسم بعد.
وقد يكون هذا هو جوهر المشهد السوري الجديد: ليست كل احتجاجات الشارع صناعة سياسية، وليست كل الشعارات السياسية تعبيراً خالصاً عن مطالب اجتماعية. وبين الغضب الحقيقي ومحاولات ركوبه، تتشكل معركة أخرى على اتجاه المرحلة الانتقالية ومن يملك حق تفسير غضب السوريين.