لم تحرّك إيران ورقتها اليمنيّة في هذا التوقيت الحرِج إلّا للإفلات من الحصار الأميركيّ بعد أن أحاط بها من كلّ جانب. غير أنّ البرود الأميركيّ في مواجهة السيطرة الإيرانيّة على مضيق باب المندب لا يؤخذ بظاهره، بل كجزء من لعبة الشطرنج الكبيرة على رقعة الخليج.
أتى التحرّك الحوثيّ فيما كانت التصدّعات تظهر في الجبهة الداخليّة الإيرانيّة. وجّه الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان انتقادات لاذعة للسرديّة التي يروّجها التلفزيون الإيرانيّ. ومعلومٌ أنّ مدير التلفزيون يعيَّن، بموجب الدستور، من قبل المرشد الأعلى للجمهوريّة، ويتبع لمكتبه. وقبل ذلك، كان التلفزيون الحكوميّ قد قطع بثّ مقابلة مسجّلة مع رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض الذي أنتج مذكّرة التفاهم مع واشنطن، محمّد باقر قاليباف، فيما كان يدافع عن المذكّرة ويردّ على منتقديها.
السّجال الدّاخليّ الإيرانيّ
هكذا تحوّلت مذكّرة التفاهم إلى مادّة سجالٍ محلّيّ، يقف على أحد طرفَيه رئيسا الجمهوريّة والبرلمان، وفي طرفه الآخر تيّار عريض تتشابك خيوطه بين الحرس الثوريّ والتيّار المحافظ بقيادة سعيد جليلي، الذي هزمه بزشكيان في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة بفارق أكثر من ثلاثة ملايين صوت.
تصاعد الجدل الداخليّ على خلفيّة ما آلت إليه إدارة الصراع مع واشنطن. اشتكى بزشكيان وقاليباف من إقدام مراكز القوى العسكريّة في النظام على تخريب الاتّفاق عبر ضرب السفن في المسار العُمانيّ في مضيق هرمز، ما أعطى مسوّغاً للردّ الأميركيّ بإعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانيّة، وتوجيه ضربات عسكريّة لمواقع الإطلاق والرادارات الإيرانيّة في محيط المضيق، وفتح المضيق بالقوّة عبر المرافقة العسكريّة لناقلات النفط، ثمّ بفرض أكبر منظومة من العقوبات في التاريخ.
وجدت إيران أنّ الاستراتيجية الأميركيّة الجديدة تؤتي نتائجها. فبعد أن كانت إيران وحدها تصدّر النفط عبر المضيق في شهر آذار الماضي، استعادت دول الخليج قدرتها على التصدير وباتت إيران وحدها محرومة من التصدير.
بالفعل، عادت صادرات الخليج إلى نحو ثلثَي مستويات ما قبل الحرب، أي 15 إلى 16 مليون برميل يوميّاً، في نهاية آب بحسب تقديرات “غولدمان ساكس”. وبلغت المرافقة الأميركيّة في الثاني من أيلول أربعين سفينة تجاريّة تحمل 18 مليون برميل في يوم واحد، وهو الأعلى منذ اندلاع الحرب.
في المقابل، قدّرت “تانكر تراكرز” صادرات إيران نفسها عند الصفر عمليّاً، نزولاً من خطّ أساس قارب 1.7 مليون برميل يوميّاً في آذار الماضي. هكذا خسرت إيران ورقة المضيق بعد أن كانت ترى فيها قنبلتها النوويّة البديلة.
انقطاع العملة الصّعبة
ليس بوسع إيران الاستمرار على وضعٍ كهذا سوى أسابيع قليلة. مخزوناتها النفطيّة العائمة توشك على النفاد منتصف الشهر المقبل، والمصافي الصينيّة المستقلّة تعزف عن شراء الخام الإيرانيّ، وتبحث عن بدائل تغنيها عن معمعة العقوبات الأميركيّة. وبذلك تنقطع العملة الصعبة تماماً عن طهران.
بدأت آثار ذلك بالظهور في الداخل الإيرانيّ، مع رفع أسعار البنزين وانهيار العملة، وتصاعد الأصوات المنتقدة لسرديّة التهوين من الآثار الاقتصاديّة للعقوبات، وفي طليعتها بزشكيان نفسه، وأصوات إصلاحيّة وازنة مثل الرئيسين الأسبقين حسن روحاني ومحمّد خاتمي.
ما جرى على الساحل الغربيّ اليمنيّ لم يكن له أيّ سياق محلّيّ، أو أيّ سياق يتعلّق بالصراع القديم بين الحوثيّين ودول التحالف العربيّ لدعم الشرعيّة بقيادة السعوديّة. السياق الوحيد يتعلّق بخريطة إمدادات الطاقة بعد إغلاق هرمز. حوّلت السعوديّة نفطها إلى الضخّ غرباً عبر خطّ شرق-غرب نحو ميناء ينبع، ومنه إلى أسواق آسيا عبر مضيق باب المندب.
لذلك كان الردّ الإيرانيّ على الحصار الأميركيّ بإغلاق المسار البديل لصادرات النفط السعوديّة. حرّكت الحوثيّين نحو باب المندب، وأوكلت إلى ميليشياتها في العراق ضرب خطّ أنابيب شرق- غرب. وقبل ذلك، وصلت الضربات الإيرانيّة عبر وكلائها إلى مصر، بضرب سفينة التغويز في دمياط، لتوجّه رسالة إلى القاهرة بعد أن تحوّل جزءٌ من الصادرات السعوديّة شمالاً إلى قناة السويس.
ترامب وتطمينات الحوثيّين
مع كلّ ذلك، استقبل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بجدّيّة تطمينات الحوثيّين إلى أنّ سيطرتهم على باب المندب لا تستهدف الولايات المتّحدة! كما لو أنّ تحرّكهم منفصل عن سياق حربه مع إيران.
يقود ذلك إلى تساؤل بسيط: هل تطمئنّ الإدارة المركزيّة الأميركيّة إلى مرور حاملات طائراتها ومدمّراتها على مرمى نظر الحوثيّين المسيطرين على جزيرة ميّون وأرخبيل جزر حنيش في البحر الأحمر؟
ليس ترامب غافلاً عن ذلك، لكنّ تهوينه من الأمر يشبه تهوينه من إغلاق إيران لمضيق هرمز في الأيّام الأولى من الحرب في آذار الماضي. حينها قال إنّ الولايات المتّحدة غير متضرّرة، وإنّ على المتضرّرين أن يجدوا حلّاً. ثمّ تبيّن أنّ الأمر في صلب العناية الأميركيّة، وأنّ الانتصار في الحرب متوقّفٌ عليه، فكانت الخطّة البديلة لتشغيل المسار العمانيّ بالقوّة. لا يختلف باب المندب بشيءٍ عن مضيق هرمز في الموازين الاستراتيجيّة الأميركيّة. عبره تمر 7% من إمدادات النفط، ونحو 15% من التجارة العالميّة في الظروف الطبيعيّة.
كان الردّ الإيرانيّ على الحصار الأميركيّ بإغلاق المسار البديل لصادرات النفط السعوديّة
انشغال ترامب
لكنّ الرهان الإيرانيّ منصبٌّ على التوقيت. تراهن طهران على أنّ ترامب منشغلٌ بجدول مزدحم من المهرجانات الانتخابيّة للحفاظ على الأغلبيّة الجمهوريّة في مجلسَي الشيوخ والنوّاب في انتخابات التجديد النصفيّ في الثالث من تشرين الثاني. وتراهن على أنّ دول الخليج لا يمكنها أن تنتظر انتهاء ترامب من انشغالاته، وهذا هو مغزى مسارعتها إلى التوصّل لاتّفاق مع سلطنة عمان على رسم مسار الملاحة في مضيق هرمز، وسعيها إلى عقد اجتماع مع دول الخليج في صلالة، لانتزاع موافقتها عليه تحت الضغط العسكريّ والأمنيّ. كان الاجتماع محدّداً مطلع الأسبوع الجاري، لكنّ السعوديّة رفضت الأساس المبدئيّ الذي قامت عليه صيغة الاتّفاق، من حيث إنّه يكرّس حقّاً سياديّاً لإيران في المضيق فأعلنت مسقط عن تأجيل الاجتماع.
دفعت إيران بكلّ أوراقها للخروج من الحصار الاستراتيجيّ ومن الضغط الداخليّ. لكنّها تواجه حكمة استراتيجيّة سعوديّة أثبتت فاعليّتها في استحقاقات متتالية على مدى عقود. لكنّ المتغيّر الجديد أنّ منظومة الأمن الإقليميّ مقبلة على تحوّل مهمّ، من الاعتماد على التحالف مع الولايات المتّحدة إلى منظومة أكثر شموليّة، من ضمنها تحالف مكّة الدفاعيّ بين السعوديّة وتركيا وباكستان. ولا يمكن قراءة زيارة وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان للقاهرة أمس إلّا في المنظار نفسه.
