لم تعد الدول المعنيّة بالملفّ اللبنانيّ تسأل فقط عن حجم الأموال التي يحتاج إليها الجيش اللبنانيّ، أو أنواع الأسلحة والتجهيزات التي ينبغي توفيرها له. السؤال الذي يسبق كلّ ذلك أصبح أكثر حساسيّة: أيّ دولة يريد لبنان من العالم أن يدعمها؟ وهل تكون هذه الدولة صاحبة القرار الأمنيّ والعسكريّ الوحيد على أراضيها؟
هذا السؤال سيكون حاضراً على طاولة الاجتماع التحضيريّ لدعم الجيش والمؤسّسات الأمنيّة، المقرّر عقده في باريس في 17 أيلول، والذي يفترض أن يشكّل محطّة أساسيّة قبل الانتقال إلى المؤتمر الدوليّ الأوسع المخصّص للدعم.
بحسب مصادر متابعة، فإنّ النقاش يتجاوز بأشواط مسألة تأمين رواتب العسكريّين أو شراء الأسلحة والآليّات، فهناك تصوّر دوليّ أوسع يقوم على الانتقال بلبنان من مرحلة دعم مؤسّسات الدولة كي تصمد إلى مرحلة دعم مؤسّسات الدولة كي تحكم وتقرّر وتنفّذ.
أبعد من سلاح “الحزب”
تقول المصادر إنّ الخطأ سيكون في اختصار ما يريده الخارج بملفّ جمع سلاح “الحزب” وحده.
هذا الملفّ أساسيّ، لكنّه يشكّل جزءاً من قضيّة أكبر تتعلّق بإعادة بناء منظومة القرار الأمنيّ والعسكريّ في لبنان.
المطلوب، وفق المصادر، أن تصبح المؤسّسة الرسميّة هي الحلقة الوحيدة التي تنتج القرار الأمنيّ والعسكريّ وتنفّذه وتنسّق بشأنه، وألّا تبقى هناك منطقة رماديّة بين مؤسّسات الدولة والقوى الموجودة خارج بنيتها العسكريّة والأمنيّة.
من هنا تبرز ثلاثة مستويات مترابطة: حصريّة السلاح، حصريّة القرار، وحصريّة التنفيذ.
أمّا النقطة الأكثر حساسيّة، التي تقول المصادر إنّها تحظى باهتمام كبير، فتتعلّق بما يمكن وصفه بفكّ ارتباط بين مؤسّسات “الدولة العميقة” و”الحزب”.
خلال مراحل سابقة نشأت، بحكم موازين القوى والظروف الأمنيّة والسياسيّة، قنوات اتّصال وتنسيق وتفاهمات وتسويات بين جهات داخل مؤسّسات الدولة و”الحزب”.
أمّا المطلوب في المرحلة الجديدة فهو إنهاء نموذج العلاقة القائم على القنوات الموازية.
هذا لا يعني قطع التواصل السياسيّ مع حزب لبنانيّ أو منع المؤسّسات من التعامل مع المواطنين والمناطق التي يتمتّع فيها “الحزب” بنفوذ، وإنّما يعني شيئاً أكثر تحديداً: ألّا يكون هناك تنسيق أمنيّ أو عسكريّ خارج التسلسل المؤسّساتيّ والقانونيّ للدولة.
من يدفع بهذا الاتّجاه دوليّاً؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسيّة في النقاش الدائر حول مؤتمر دعم الجيش.
بحسب المصادر، لا يُنظر إلى مسألة فكّ الارتباط المؤسّساتيّ باعتبارها مطلباً تقنيّاً يتعلّق بعمل الأجهزة، بل باعتبارها جزءاً من تصوّر أوسع لدى جهات دوليّة معنيّة بالملفّ اللبنانيّ لشكل الدولة التي سيجري الاستثمار في مؤسّساتها العسكريّة والأمنيّة خلال السنوات المقبلة.
لا تضع المصادر هذا التوجّه في إطار موقف دولة واحدة فقط، بقدر ما تتحدّث عن تقاطع بين أكثر من جهة دوليّة على مبدأ أساسيّ: إذا كان المجتمع الدوليّ سيطلب من الجيش اللبنانيّ تحمّل مسؤوليّات أكبر، فعلى الدولة في المقابل أن تفرض احتكاراً فعليّاً لهذه المسؤوليّات.
هنا تحديداً تصبح مشاركة الدول المؤثّرة في مسار دعم الجيش مهمّة لأنّ المطلوب لن يكون مجرّد توزيع فاتورة التمويل بينها، بل تحديد الأهداف التي سيخدمها هذا التمويل.
تشير المصادر إلى أنّ النقاش الحقيقيّ يدور حول سؤال شديد الوضوح: هل يُستخدم الدعم فقط للمحافظة على الجيش ومنع تراجع قدراته أم يُستخدم لبناء مؤسّسة قادرة على الحلول تدريجيّاً محلّ كلّ بنية عسكريّة وأمنيّة موازية؟
في هذا السياق، يصبح فكّ قنوات الارتباط والتنسيق غير الرسميّة بين مؤسّسات الدولة و”الحزب” واحداً من مؤشّرات الانتقال من المرحلة القديمة إلى المرحلة الجديدة.
هل يصبح الأمر شرطاً للدّعم؟
حتّى الآن، لا تتحدّث المعطيات عن ورقة شروط معلنة ستوضع أمام الوفد اللبنانيّ، ولا عن بند رسميّ يحمل عنوان “فكّ ارتباط مؤسّسات الدولة بـ”الحزب”.
لكنّ المصادر تشير إلى أنّ المسألة قد تعمل بطريقة أكثر تعقيداً: شرط غير معلن يقاس من خلال الأداء.
أي أنّ الدول المانحة ستراقب ما إذا كانت الدولة قادرة فعلاً على اتّخاذ القرار وتنفيذه، وما إذا كان الجيش والأجهزة يتحرّكون وفق مرجعيّاتهم الرسميّة، وما إذا كانت المهمّات الأمنيّة تحتاج إلى تفاهمات خارج مؤسّسات الدولة.
الجنوب هو الامتحان الأوّل
يبقى الجنوب الامتحان الأكثر حساسيّة. فالدولة مطالَبة بتوسيع حضور الجيش وقدرته على الإمساك بالأرض، في وقت تتمسّك بيروت أيضاً بضرورة إنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيليّة واستعادة سيادتها على أراضيها.
هنا تظهر معادلة دقيقة: الخارج يريد دولة قادرة على فرض سلطتها وحصريّة السلاح، ولبنان يريد في المقابل ضمانات تساعد هذه الدولة على استعادة سيادتها ومنع استمرار الاعتداءات.
لذلك لن يكون ملفّ الجيش منفصلاً عن التطوّرات في الجنوب ولا عن مستقبل الترتيبات الأمنيّة هناك.
الدول المانحة لا تريد معرفة عدد الآليّات أو أجهزة الاتّصال أو الأسلحة التي يحتاج إليها الجيش فقط، بل تريد إجابات سياسيّة أيضاً: ما المهمّة التي سيقوم بها الجيش بعد حصوله على الدعم؟ وما المناطق التي سيتولّى المسؤوليّة الكاملة عنها؟ وهل تكون قرارات الحكومة قابلة للتنفيذ على الأرض؟
الأهمّ: هل تؤدّي الأموال التي ستُدفع إلى بناء احتكار الدولة للقوّة أم تُستخدم فقط للمحافظة على التوازن القائم؟
المطلوب من لبنان… وما المطلوب من العالم؟
لا يمكن أن تكون المعادلة في اتّجاه واحد.
إذا كان المطلوب من لبنان تنفيذ تحوّل بهذا الحجم، فمن حقّ الدولة اللبنانيّة أيضاً أن تضع مطالبها أمام المجتمع الدوليّ، وفي مقدّمها توفير برنامج دعم مستدام للجيش لا مساعدات ظرفيّة، وتأمين التجهيزات التي تسمح له بمراقبة الحدود والأراضي، ودعم قدراته الاستخباريّة والتقنيّة واللوجستيّة، إضافة إلى مساعدة لبنان على تثبيت سيادته.
أمّا سياسيّاً فيبقى المطلوب اللبنانيّ الأساسيّ أن يترافق بسط سلطة الدولة، ولا سيما في الجنوب، مع وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة التي تتمسّك إسرائيل بوجودها فيها.
بذلك تصبح المعادلة متبادلة: لبنان يقدّم خريطة طريق لاستعادة الدولة، والمجتمع الدوليّ يقدّم خريطة طريق لتمكين هذه الدولة وحماية سيادتها.
أمام هذه المعادلة، تبدو الحكومة أمام مجموعة استحقاقات مترابطة.
المطلوب أوّلاً تثبيت حصريّة قرار الحرب والسلم واستخدام القوّة بالدولة، ثمّ تحويل حصريّة السلاح من شعار سياسيّ إلى مسار تنفيذيّ واضح.
المطلوب ثانياً إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسّسات الرسميّة وأيّ قوّة سياسيّة تمتلك امتداداً أمنيّاً أو عسكريّاً، بحيث تمرّ كلّ الاتّصالات الضروريّة عبر المؤسّسات والقنوات القانونيّة.
أمّا المطلوب ثالثاً فهو توفير الغطاء السياسيّ للجيش والأجهزة لتنفيذ مهمّاتها من دون استثناءات جغرافيّة أو سياسيّة.
رابعاً، يحتاج لبنان إلى تقديم برنامج واضح للدول المانحة يحدّد فيه ماذا سيفعل بالمساعدات وما المهمّات التي ستنتقل إلى الجيش وما القدرات المطلوبة لكلّ مرحلة.
الاختبار الحقيقيّ لن يكون بعدد قطع السلاح التي جُمعت فقط، وإنّما بما إذا كانت الحاجة إلى وجود القوّة الموازية قد انتهت داخل بنية الدولة نفسها.
